مميز
التاريخ: 20/06/2012

ترجمة الشيخ القطب يحيى الصباغ الدمشقي رحمه الله

تراجم وأعلام
الشيخ القطب يحيى الصباغ الدمشقي
الباحثة: نبيلة القوصي
يقول ابن عطاء الله السكندري رحمه الله:
"كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته؟ أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته؟ أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟!".
بفهم معاني هذه الحكمة الرائعة وتطبيقها، يحصل الإنسان على يقظة في القلب تُمهد السبيل للوصول إلى وحدة الشهود، شهود الله تعالى بصفاته وآلائه، وهذا الشهود يورث في القلب حب وتعظيم لله تعالى خلال مسيرة حياة هذا الإنسان، هذا ما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإحسان، أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فهذه المعاني الراقية تشمل العبادات والمعاملات على هذا النهج سار علماؤنا الربانيون، ومن سلك منهجهم لا بد أن يصل إلى الفلاح. كما قال أحد الصالحين:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح
ما أحوجنا هذه الأيام أن نُحسن الإختيار في التشبه، فالتدين سمة سائده والحمد لله بين أفراد المجتمع الإسلامي، على الرغم من إتباعهم للبدع، وارتكابهم للمخالفات، أسأل الله عز وجل لي وللجميع التوفيق في حُسن الاختيار.
ولا شك في أن حُسن الاختيار يحتاج إلى مجاهدة ومواظبة في الذكر والدعاء لله عز وجل أن يوفقنا لذلك.
إن قراءة سير الصالحين من قبلنا والاطلاع على حياتهم وأحوالهم، والتعرض للنفخات الربانية التي عاشوا في فلكها، يُسهم في رفع الهمم الخابية، وإحياء الشعل الإيمانية الخافته.
وشيخنا الجليل يحيى الصباغ رحمه الله، ممن اشتهر بين الناس بكثرة كراماته وأحواله الجديرة بالوقوف عليها، فهو لا يملك شهادات عالية في الشريعة، فقد كان علمه وهباً وإلهاماً، أي "وهبي لدَّني" من عند الله عز وجل.
إذا لا يبيت وعنده شيء من النقود ويتوكل على ربه زاهداً بالدنيا مقبلاً على الله
بـــ إطعام الطعام، إنفاق المال في قضاء حوائج الخلق، ببصيرة حازمة وإتصال راقي مع سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم.
قال صلى الله عليه وسلم: (الشام صفوة الله من بلاده يجتبي إليها خيرته من عباده).
أحوال عصره:
كان العالم الإسلامي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين يعاني من إضطرابات سياسية ومحن وفتن داخلية أدت إلى تدهور اقتصادي وانحطاط فكري، مهد الطريق لظهور البدع بأشكال مختلفة.
والعلماء الربانيون يمثلون الجانب العظيم في حفظ الناس من منزلقات عقيديه تهوي بهم إلى هاوية الضلال الروحي والإخلاقي.
وبلاد الشام عامة ودمشق خاصة قد أنعم الله عز وجل عليهم بنعم كثيرة، ومن هذه النعم أن جعل فيها صفوة العلماء الربانيون، الذين يطلون علينا بين حين وحين للوعظ والتذكرة، مما يساهم في حفظ أهل الشام من أي منزلق عقيدي فكري جاهلي.
والشيخ يحيى الصباغ من أحد العلماء الربانيين الذين عاصروا مراحل هامة مرت بها مدينة دمشق: الحكم العثماني، الحرب العالمية الأولى، سقوط الدولة العثمانية، تقسيم الوطن العربي بين المستعمر الأجنبي، وظهور الصهيونية، الانتداب الفرنسي لسورية، الجهاد والنضال لتحرير سورية، الاستقلال عن المستعمر الفرنسي، وأخذت مدينة دمشق تتهيأ لمرحلة جديدة في العصر الحديث وتمارس دورها كعاصمة الجمهورية العربية السورية.
وكان للشيخ دور في هداية كثير من الشباب وتوعيتهم للحفاظ على معتقداتهم الاسلامية دون جهل وإنحراف فهيا بنا نتعرف ونتعلم بماذا تميز الشيخ يحيى الصباغ رحمه الله.
السيرة الذاتية:
العالم الصالح الورع يحيى بن محي الدين بن صالح بن أحمد بن رجب الصباغ، وتقول المراجع: أن والدة الشيخ قد تأخرت في الإنجاب، فزارت النبي يحيى عليه السلام في الجامع الأموي، ودعت الله عز وجل أن يرزقها ولداً صالحاً يُدرس في الجامع الأموي، وأنها سوف تسميه يحيى تبركاً باسم النبي يحيى عليه السلام.
وقد حقق الله عز وجل دعوتها وحملت بهذا الشيخ الجليل، الذي سيحمل اسم يحيى على اسم النبي يحيى عليه السلام، ونحن نتساءل أي صدق تحمل هذه الأم المربية في دعائها الله عز وجل، أن يرزقها ولد صالح يدعو إلى الله، هذا الهدف السامي الذي تحمله هذه الأم في شغاف قلب واعٍ دعى الله فأجاب الدعاء.
كم نحتاج إلى تصحيح في نية الإنجاب، ينبغي أن لا تغيب عن ذهن الأم المربية، فعندما تكون النية للتباهي أمام الرسول عليه الصلاة والسلام، يهبنا الله عز وجل هذا الولد الصالح الذي يكون عمل صالح مستمر بعد موت ابن آدم.
و عندما تكون النية في الإنجاب للتباهي أمام الناس، ياللأسف يُصبح الأولاد للدنيا مقطوعين عن الآخرة، أي عن الله عز وجل.
وهذه الأم والدة الشيخ يحيى الصباغ رحمها الله وجزاه الله خيراً، تدلنا وتشير إلى هدف الإنجاب كيف يكون.
وتطلعنا المراجع أن هذه الأم المربية قد أشرفت على تحفيظ ولدها القرآن الكريم وهو صغير، وحببت إلى قلبه مجالسة الصالحين، فالدعاء لا يكفي إنما يتبع الدعاء العمل الدؤوب والإشراف عليه.
شب الشيخ يحيى الصباغ وقد أتقن حفظ كتاب الله عز وجل، كان يتعهد لمن يُمسك عليه خطأ واحداً في حفظه أن يدفع ليرة ذهبية.
وحفظ كثيراً من صحيح البخاري، ولازم الشيخ أحمد السوسي في المدرسة التكريتية، وبقي يزوره إلى وفاة الشيخ أحمد، ولازم زيارة الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، وحفظ كتبه الفتوحات المكية، بالمجاهدة ورياضة للنفس.
شيوخه:
الشيخ صالح الموصلي، والشيخ عبد الرحمن العطار، والشيخ بدر الدين الحسني، والشيخ أمين سويد، والشيخ أمين الكردي الزملكاني النقشبندي.
ومن تلاميذه:
الشيخ يونس الشربجي صاحب الأحوال المشهورة والكرامات الواضحة، سار على نهج شيخه في محبة الصالحين وخدمتهم.
صفاته:
يقول الشيخ يونس الشربجي إن سبب الفتح للشيخ من الله عز وجل:
1- السخاء أي الكرم وإطعام الطعام، لا يبيت وفي جيبه ليرة.
2- بر الوالدين.
3- محبة النبي صلى الله عليه وسلم محبة شديدة بتوقير وتعظيم لشخصه الشريف.
أعماله:
تدلنا المراجع على أن شيخنا قام بالتدريس في أماكن كثيرة، خاصة في مسجد محي الدين بن العربي، وكان يشرح في كثير من الأحيان بعض الآيات التي تتلى في مجالس الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد قال السيد الشريف تاج الدين الكتاني: أن الشيخ يحيى عندما يفسر القرآن كالبحر المتلاطم الذي لا نهاية له، وهذا ما يسمى بالعلم الوهبي اللُّدَّنِّي وهو فتح من الله يتجلى به على من يختص من عباده ويجري على أفئدتهم فهماً يُلهِمُهم إياه، كالخضر الذي قال الله تعالى فيه: (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً). ومنهم الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي الذي لقب بسلطان العارفين.
والشيخ يحيى رحمه الله، لم يكن يملك مكتبة كُتب، فقط كانت تضم القرآن الكريم والفتوحات المكية لابن عربي نفعنا به آمين.
وقد اشتهر عن الشيخ يحيى فهمه لكلام الشيخ محي الدين بن عربي رحمه الله، هذا الفهم لا يأتي إلا بالخلوات والمجاهدات والذكر، فعندما يصفو القلب من كدوراته يبدأ الإلهام الرباني بالانصباب في هذا القلب، عندها ينال هذا القلب حظاً وافراً من قوله تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً).
وعُرف الشيخ يحيى بفراسته وكشفه رحمه الله تعالى، روى السيد الشريف الشيخ حسن الباذ أن الشيخ العلامة عبد الله سراج الدين الحسيني صاحب التصانيف الشهيرة في محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو شيخ حلب رحمه الله، أنه كان في زيارة للشيخ محي الدين في الشام وقصد زيارة الشيخ يحيى فرآه يدرس الفتوحات المكية في المسجد فجلس في مجلسه، وكان معه قدر من الليرات، فأصبح يحدث نفسه هل أعطيها للشيخ يحيى أمام الناس أم هذا يعتبر رياءً فلما انتهى المجلس قال الشيخ يحيى له دون أن يتكلم الشيخ سراج الدين أي كلمة أعطني الليرات ومن مثلك لا تكون رياءً.
عبادته:
عُرف عن الشيخ يحيى بقلة النوم، فقد ورد عن بعض العلماء وأهل بيته كان يصلي في بيته بعد ذبح عدد من الخِرفان والطبخ قائم في المطبخ، ثم يدخل إلى المحراب بيته يقف يناجي الله عز وجل يقرأ في الركعة بقدر سورة البقرة، وفي الركعة الثانية بقدر سورة آل عمران....
وكان يُسمع نحيبه وبكائه كصوت طفل صغير بين يدي مولاه يناجي الله بتواضع وذل وخشوع يناجيه بلغة الأضداد: اللهم أنت القوي وأنا الضعيف، أنت العزيز وأنا الذليل، أنت الغني وأنا الفقير، مع البكاء حتى تبتل لحيته، يقول أحد العلماء "لولا الأضداد لما عُرف الله".
مجالس الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلاقة الشيخ بها:
قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ..)، وقد وردت أحاديث شريفة عن فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والحث عليها والإكثار منها.
قال صلى الله عليه وسلم: (من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشراً).
وقال عليه صلى الله عليه وسلم: (زينوا مجالسكم بالصلاة علي فإن صلاتكم علي نور لكم يوم القيامة).
وقال صلى الله عليه وسلم: (صلوا علي فإن الصلاة علي كفارةٌ لكم).
وقال صلى الله عليه وسلم: (من الجفاء أن أُذكر عند رجل فلا يصلي علي) صلى الله عليه وآله وسلم.
وكثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم سبب لقربه يوم القيامه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة)؟.
وكذلك سبب لشفاعته، وكثرة الصلاة عليه سبب البراءة من النفاق والبراءة من النار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تفتح أبواب الخير وتنفي الفقر، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم نور للإنسان على الصراط يوم القيامة ... لذلك نرى معظم العلماء الربانيون يتعلقون بمجالس الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لما لها من فوائد لا تعد ولا تحصى ... اللهم صلى عليه وسلم تسليماً.
ولذلك حرص الشيخ يحيى الصباغ على إقامة المجالس ودعمها وإكرام من يرتادها، ويعتبر هو والشيخ عارف عثمان بن رشيد الحسني الباني 1872 - 1965م من أحد أركان تأسيس مجلس الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. والشيخ محمد الهاشمي، والشيخ سعيد البرهاني رحمهم الله تعالى.
الذين جاءتهم الإشارة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأسيس مجلس له صلى الله عليه وآله وسلم.
ففي هذه المجالس يُرفع البلاء عن البلاد والعباد بفضل بركتها، فصلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله.
والله عز وجل أخبر عباده بمنزلة نبيه صلى الله عليه وسلم عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة يصلون عليه، ثم أمر أهل العالم السفلي بالصلاة عليه والتسليم ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعاً.
ولا يخفى علينا كتاب الإمام الجليل النبهاني في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:
"أن هناك صحبة برزخية مع النبي صلى الله عليه وسلم لن ينالها إلا من كان ذا سريرة طاهرة وقلب صاف مع حضرة الحبيب الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم".
وكلهم من رسول الله ملتمس غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم
يقول النبهاني:
هو حي في قبره بحياة
كل حي منها له استملاءُ
ملأ الكون روحه وهو نور
وبه للجنان بعد امتلاءُ
وهكذا دأب العلماء المربون على الاشتغال بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم والتأسي بصفاته وأخلاقه إذ لا يكفي القول بدون الفعل، وعكفوا المحبون على معرفة شمائل الحبيب لأن الإنسان مفطور على محبة الصفات الجميلة، فالتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم يقيناً من شرور كثيرة، فلا أجمل من صورة بيوتات المسلمين وهم على نهج واحد في عقد مجلس للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الأسبوع مرة أو مرتين تكون فرصة لاستحضار شخصه الشريف صلى الله عليه وسلم باستحضار صفاته وشمائله الكريمة. ومن ثم الدعاء للفرج وقضاء الحوائج ورفع البلاء.
إن من يواظب إسبوعياً على هذه المجالس لهو الخير كله، في الدارين يناله هو وأولاده وأهله. وصلى الله عليه وسلم.
وإذا تساءلنا كم هو وكيف كان ورد الشيخ في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟
لقد كان الشيخ يحيى ورداً يومياً في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ألف مرة يصليها كاملة ولا أحد يقطع عليه هذا الورد وكان يقول لابنته: يا بينية إن الكهرباء إذ أراد الإنسان أن يقوم بتشغيلها فلا بد أن يكون لها توتراً محدداً وكذلك الورد عنده في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لا بد أن يتم الألف، وكان للشيخ علاقة وثيقة بالحضرة المحمدية حتى أنه يستأذنه في شؤونه.
ورحم الله من قال:
إذا أنت أكثرت الصلاة على الذي
صلى الله عليه في الآيات
وجعلتها ورداً عليك محتماً
لاحت عليك بشائر الخيرات
كرامات الشيخ رحمه الله:
قلوب العارفين لها عيون
ترى ما لا يُرى للناظرينا
وأجنحةٌ بغير ريشٍ
تطير في ملكوت رب العالمينا
قال العلماء الربانيون إن كرامة الأولياء ثابتة من الكتاب والسنة والإجماع، أحياء وأمواتاً وأن منهم الاقطاب والأبدال وغير ذلك...
ومن كان طريقه مشيد بالكتاب والسنة ومبني على سلوك أخلاق الأنبياء والأصفياء فإن له من الكرامات نصيب.
ولقد تواتر عن الشيخ يحيى كرامات كثيرة نقلها من رأوا الشيخ وصاحبوه وعاشروه، وهذه أقوال لبعض من صاحب الشيخ رحمه الله.
قال الشيخ العلامة أديب الكلاس رحمه الله أن شيخه العلامة الولي الكبير صالح الفرفور أرسله إلى مسجد الشيخ محي الدين ليُدرِّس فيه كتاب نور الإيضاح على المذهب الحنفي، يقول الشيخ أديب: دخلت المسجد وإذ بالشيخ يحيى يتصدر المسجد يُدرس التفسير وكان يتكلم عن حادثة الإفك للسيدة الطاهرة عائشة رضي الله عنها، ثم تكلم الشيخ يحيى في تفسيرها وأعطاها حقها إلا أنه كان يتكلم رحمه الله بالعامية.
فيقول الشيخ أديب الكلاس: فقلت في قلبي لو أن الشيخ يتكلم بالفصحى لكان أفضل، ونظر إلي الشيخ يحيى الصباغ فجأة وأصبح يتكلم بالفصحى ثم هز برأسه وقال لي منيح هيك؟!!.
والقصة الثانية: التي سنذكرها في كراماته، قصة زوجته الحاجة أم منصور وغياب ابنها عنها، كان للشيخ ابن يدرس في مصر انقطعت أخباره عنهم، فشعروا بشوق كبير للاطمئنان عليه.
فقال الشيخ لزوجته وهو يمسك العصا ويحركها في الغرفة والعصا تتجه نحو الخزانة: إذا أردت أن تأتي بابنك من مصر فأخرجي العشر ليرات المخبأة في الخزانة، فما كان من الزوجة إلا واستجابت له وأعطته العشر ليرات، وهنا توجه الشيخ بصدق ونادى على الإمام البوصيري من باب التوسل بعد أن قدم الشيخ العشر ليرات لأول من التقى به على الباب.
هنا يجب أن نتعلم منه رحمه الله كيف عرِف بأمر العشر ليرات، لأنه من الذين يتوكلون على الله، لا يبيت وفي منزله متاع فائض، طعام أو مال، وبيقين قوي متوكل على الله عز وجل، من شدة صدقه وتوكله على الله استطاع أن يكشف أمر العشر ليرات، وقدمها صدقة بين يدي الله عز وجل قبل الدعاء، وتوسل بالإمام البوصيري تأدباً، هذه المقدمات قبل سؤال الله عز وجل عن حاجته، أننا نفتقر في أيامنا هذه إلى هذه المعاني الدقيقة الراقية مع الله عز وجل.
ألا ليت نتعلم ونعمل بطريقة هذا المربي الذي أحب الله عز وجل وتفاني في حبه وتعظيمه، ومن ثم جعل أخلاقه وصفاته تتأسى بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم قلباً وقالباً، فهو لم يسأل الله عز وجل إلا بالنفقة أي الصدقة، وأي صدقة وبيته خال من عشر ليرات.
وقد أجاب الله عز وجل سؤله في اليوم التالي ويأتي ساعي البريد ليطمأنهم عن ولدهم.
رحمك الله يا شيخ يحيى -كنت خير خلف لخير سلف.
وفاته:
عاش الشيخ رحمه الله ما يقارب خمسة وثمانين عاماً، توفي يوم الأربعاء 20 صفر سنة 1381ه.
ودفن في مقبرة بئر التوتة في حي المهاجرين.
رحمه الله وجزاه الله خيراً، فهو وإن لم يترك مؤلفات وكتب، فقد ترك لنا سيرته الرائعة التي إن تنقلنا بين ثناياها تشعرنا بدفء المحبة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم.
أيقظ في قلوبنا جذوة هذا الحب العظيم، الذي به تكون لنا ستراً ونجاة يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون.
فالمحبون قد اشتعلت قلوبهم بذكر المحبوب واشتغلت عن اللذات وانقطعت أهواؤهم عن عارض الشهوات، فلا بد من الاتصال والاجتماع به صلى الله عليه وسلم.
ولعلنا نختم من سيرته، رحمه الله قصة تمايل الشجر والورق طرباً للصلاة على الحبيب صلى الله عليه وسلم.
فقد ذكرت ابنة الشيخ ناجية وزوجها الشيخ أمين عاشور، أن والدها أخذهم في نزهة في منطقة دمر، وبدأ بالصلاة على النبي ونادى عليها يا ناج صلي على النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ الورق والشجر يرقص طرباً، وتقول: إنها كثيراً ما تشاهد روحانية الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم والشيخ يحيى يناجيه ويسلم عليه جهاراً. صلى الله عليه وسلم.
رحمك الله يا شيخ يحيى، فقد أيقظت قلوبنا لنتعلم كيف نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تعالوا نتعاهد معاً على أن نكثر من الصلاة عليه بحب وتعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم، ونكثر من قراءة سيرته العطرة صلى الله عليه وسلم، ونعمل جاهدين في إتباع سنته الشريفة.
يكفينا حديثه الشريف عندما قال : (المرء مع من أحب) صلى الله عليه وسلم.
المراجع:
د. عبد اللطيف الفرفور / أعلام دمشق في القرن الرابع عشر الهجري
محمد مطيع الحافظ / تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري
أسامة البدوي / النفحات الربانية في حياة القطب الشيخ يحيى الصباغ

تحميل



تشغيل