مميز
الكاتب: ناصح
التاريخ: 19/06/2012

ما نزل بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة

مقالات

ما نزل بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة


الكاتب: ناصح

منذ بداية هذه الأزمة التي حلت بنا وأهل الله ينبهونا بأن سبب هذا البلاء هو ذنوبنا، بل وحذرونا أن ذنوبنا هي السبب في بلاء قادم الينا، ولكن من منا يا ترى فتش نفسه التفتيش الدقيق الذي يكتشف به عيوبه وذنوبه ليتوب منها ويقلع عنها قبل أن يأتي هذا البلاء حتى لا يكون سبباً في نزوله، ومن منا فعل هذا بعد قدوم المحنة عسى الله أن يرفعها عنا.

بعض أصحاب الذنوب الظاهرة قد يكونون أفضل حالاً من بعض المعدودين من الصالحين، ذلك إذا نبهتهم هذه الأزمة وألجأتهم إلى الله فأقلعوا عن ذنوبهم مهما عظمت، فإنهم حينذاك أثرت فيهم هذه الأزمة وغيرت من حالهم، أما من يرى نفسه من الصالحين ولكنه إن دقق يرى أن هذه الأزمة لم تغير فيه شيئاً بل ربما على العكس يلوم هذا لأنه لم يتوب ويلوم هذا لأنه يعرفه صاحب فواحش، فعندها يكون صاحب الفواحش الذي تاب من فواحشه أفضل حالاً من هذا الذي يرى نفسه من الصالحين دون أن تحرك فيه هذه الأزمة شيئاً من معاني التوبة والرجوع إلى الله.

والحقيقة أنني في هذه الكلمات إنما أتحدث عن نفسي أولاً فقد كنت واقعاً في هذا الفخ، أرى نفسي بعيداً عن المعاصي الظاهرة، عن النظر إلى النساء عن الفواحش، محافظاً على صلواتي والحمد لله، أحضر بعض مجالس الذكر.

ولكني وبعد فترة من الأزمة سمعت قول الله عز وجل (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) على لسان واحد من الصالحين، حينها وكأنني أسمع هذه الآية لأول مرة، فعلمت أن التوبة مطلوبة من الجميع، من الفاسق، من صاحب الفواحش، حتى الذي يرى نفسه مستقيماً على شرع الله، حتى وإن كان حقيقة مستقيماً على شرع الله فهو مدعو بصريح هذه الآية إلى التوبة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك التوبة وهو رسول الله فهو يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ).

فكل واحد يتوب على حسب مقامه، ورحم الله من قال "منهم من يتوب من الذنوب، ومنهم من يتوب من العيوب، ومنهم من يتوب من النظر الى ما سوى المحبوب".

حينما سمعت هذه الآية بدأت أفتش نفسي فوجدت نفسي واقعاً في ذنب من أعظم الذنوب، وهو نسيان بعض أجزاء وآيات متفرقات من كتاب الله حفظتها في صغري وقصرت في تعهدها حتى تفلتت مني، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم معروف في التخويف من نسيان شيء من القرآن (عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ آيَةٍ أَوْ سُورَةٍ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا).

فبدأت أخاف وأرى نفسي سبباً في نزول البلاء وسبباً في تأخر رفعه، مع أني كنت قبل هذا ربما لم يخطر في بالي هذا أبداً.

ولو دققت لوجدت أكثر من هذا، فما أكثر الأمراض القلبية الباطنة التي قد تهلك صاحبها إن لم يفتش عنها ويتخلص منها، الكبر والعجب وحب الظهور وغيرها من الأمراض والتي قد يظن المرء أنه بعيد عنها لكنه إن صحب الصالحين وقرأ كتبهم تكشفت له خفايا نفسه ودقائق هذه الأمراض في قلبه.

أهل الله ينبهونا أيضاً إلى ضرورة التضرع إلى الله في الأسحار أن يرفع عنا هذا البلاء، ولكن من منا نحن الذين نعتقد اعتقاداً جازماً بأن الحل هو الوقوف في باب الله، من منا طبق هذه الوصية وقام في الأسحار متضرعاً وواظب على هذا.

إني أدعو نفسي أولاً وأدعو بقية إخواني إلى أن نلتزم بتطبيق هذه الوصية، فالحل هنا والله، عسى إن تاب البعض ورجعوا إلى الله أن يرفع الله الغمة عن الأمة بسببهم، وعلينا أن لا نرى أنفسنا مهما فعلنا من الصالحات سبباً في رفع البلاء ولكن نقول الحمد لله الذي وفقنا أن نسلك سلوك من يرفع بسببهم البلاء، والحمد لله الذي جمعنا مع من يرفع بسببهم البلاء.

أسأل الله عز وجل أن يوفقنا لحقيقة التوبة وأن يرفع عنا هذا البلاء بفضله وكرمه، وإنا متفائلون بتفاؤل أهل الله أن هذه الغمة زائلة وذلك مهما رأينا أمورها تعقدت، لكن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق مما نرى بأعيننا، فهو يقول (إِذَا وَقَعَتِ الْفِتَنُ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِالشَّامِ) وفي رواية (إِذَا وقَعَتِ الفِتَنُ فَالأَمْنُ بالشَّامِ)

ورحم الله القائل:

ولرب ضائقة يضيق بها الفتى

وعنــد الله منهـــا المخــرج

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها

فرجت وكنت أظنّها لا تفرج

وأختم بخير ختام، كلام الله عز وجل (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)

ولن يغلب عسر يسرين بعون الله وفضله.

تحميل