مميز
الكاتب: د. مصطفى السباعي
التاريخ: 14/06/2012

السر في حادثة الإسراء

مقالات
السر في حادثة الإسراء
للدكتور مصطفى السباعي رحمه الله تعالى
من أعظم الذكريات التاريخية مكانة في تاريخ الإسلام وأكثرها احتفاء من قبل المسلمين، هي هذه الذكرى التي نحيا بظلالها هذه الأيام، ذكرى الإسراء والمعارج.
ففي ليلة الإسراء والمعراج يجتمع المسلمون في شتى أنحاء العالم في بيوت الله يتلون تفاصيل هذا الحادث المعجز الذي وقع لرسولهم صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرناً، ويتأملون ما فيه من العبر والعظات، ويتذكرون عناية الله برسولهم الكريم، ويعاهدون الله على أن يتجردوا من كل خلق ذميم، وأن يتصفوا بكل سجية حميدة، ويجددون بيعتهم لله، ووفاءهم لرسوله وثباتهم على دينه.
إن القرآن سجل هذه الحادثة بوضوح في قوله تعالى: [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا]
إنما يعنينا في هذا الحديث أن نستفيد من هذه الذكرى في واقعنا الحاضر، وأن نتذكر ما يرتبط بها من أحداث وقعت في تاريخنا القديم والحديث..
كان العرب عند مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم منقطعين عن العالم الخارجي إلا قليلاً، مشتتين داخل جزيرتهم، ولا يعلمون من أسرار الكون إلا أراضهم ورمالهم وجبالهم وسهولها.
والألوهية عندهم تتجسد في أصنام من صنع أيديهم، إليها يتجهون بالعبادة والدعاء، وعندها ينتهي الأمل والرجاء، هكذا كانوا حين جهر الرسول صلوات الله وسلامه عليه بدعوته، وهي تقوم على الإيمان بإله واحد، ومع أن رسالة الإسلام كانت تدعوهم إلى إصلاح أوضاعهم الدينية والاقتصادية، فقد كانت تشعرهم أن القدر قد اختارهم لمهمة كبرى، من أكبر المهمات التي تحملتها أمة في التاريخ إلى شعوب الأرض..
تلك هي رسالة الانعتاق والتحرر والعلم والحضارة على أثاث ثابت من الإيمان والعقل والخلق الكريم .. وبينما كان رؤساء قريش يتفانون في تكذيب الرسول ومحاربة دعوته، وقعت حداثة الإسراء والمعارج من الأرض إلى السماء: الإسراء من مكة إلى بيت المقدس، والمعراج من الأرض إلى السماء. وصعقت قريش لهذا النبأ .. إن بين مكة وبين بيت المقدس مسافة شهر على الرواحل، فكيف يقطعها محمد في ذهابه وإيابه؟ .. وإن الإنسان ليستطيع أن يتجول في أنحاء الأرض أما السماء، فما إليها سبيل. فكيف يصعد إليها محمد ثم يعود منها في ساعات؟ ...
وما لمكة وبيت المقدس؟ وما هي الصلة بين الكعبة والأقصى، أليست الكعبة عند هؤلاء هي كل ما في الأرض من معابد؟ وما هي الصلة التي تربط بين سكان مكة وسكان بيت المقدس؟ أليس سكان مكة أشرف أمم الأرض لأنهم حراس الكعبة وسدنتها؟ فما حاجتهم إلى الشعوب الأخرى وما صلتهم بها؟.. وهذا أول تفسير واقعي وسياسي لمغزى هذه الحادثة.
ثم يمضي التاريخ مسرعاً.. فإذا جيوش الصليبيين الغربيين تدق أبواب بيت المقدس وإذا بالمذابح تجري أنهاراً في شوارعها ومسجدها الأقصى .. وإذا هي عاصمتهم الدينية لمدة تقرب من مائة سنة..
ثم يمضي التاريخ فإذا بصلاح الدين الأيوبي يدق أبواب بيت المقدس مرة أخرى، ويستولي عليها فلا يراق دم، ولا تهتك حرمة، ولا يخفر عهد .. وتظل بيت المقدس وفلسطين كلها تحت حكم العرب والمسلمين، وتظل معابدها وكنائسها أمانة يحسنون القيام عليها والحفاظ على حرمتها، حتى تدخلها جيوش الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، ويقول القائد الانكليزي (اللنبي) قولته المشهورة: "الآن انتهت الحروب الصلبية"...
يقول ذلك وهو يظن أنهم انتزعوها إلى الأبد من أيدي أصحابها العرب والمسلمين .. ويأبى الإنكليز أن يخرجوا من فلسطين إلا أن يدعوا وراءهم "إسرائيل" قائمة في قلب البلاد العربية تغمرها روح الشر والبغي والعدوان..
وها نحن ما نزال في صراع مرير دائم مع إسرائيل .. وها هي قصة المسجد الأقصى وبيت المقدس وبلد الإسراء والمعراج ما تزال قائمة بفصولها الدامية لم تنته بعد ..
فهل عرفنا السر في حادث الإسراء؟ وهل أدركنا الآن أي مغزى عظيم قد انطوى عليه هذا الحادث المعجز؟ وكم فيه من بشائر ونذر لنا نحن العرب والمسلمين؟
ولقد ربط حادث الإسراء ما بين بيت المقدس خاصة وبلاد الشام عامة، وبين جزيرة العرب قبل أن تكون بلاد الشام عربية مسلمة، ووصل رسول الله في إسرائه ما بين حدودها الروحية قبل أن تتصل حدودها الأرضية ببضعة عشر عاماً..
ووضع رسول الله بهذا الإسراء أمانة عظيمة في أعناقنا نحن العرب والمسلمين: أن نحتفظ بهذه الأرض كجزء لا يتجزأ من وطننا الكبير، وأن لا نسمح للغزاة المفسدين بانتزاع شبر من أرضها ما دمنا أحياء، وأن ندفع عنها بكل ما نملك من قوة، وأن نعتبر الدفاع عنها واجباً يحتمه الدين والعقيدة، لا مفر لكل من يؤمن بالله واليوم الآخر من القيام به إلى آخر مدى من القدرة والاستطاعة.
ولو أن هذه الذكرى العظيمة كانت لأمة مثل أمتنا في وضعها وصراعها مع الطغيان والظلم والاحتلال لاستفادت منها إلى أبعد حدود الاستفادة للدعاية لقضيتها، ولحشد القوى الروحية والمادية، واستثارة المشاعر والعواطف للدفاع عنها..
فلماذا لا نفعل ذلك الآن؟ لماذا لا نستفيد من ذكرى الإسراء والمعراج في شرح قضيتنا من جديد للعالم الإسلامي كله لتذكيره بهذا الجزء الغالي من أرضنا الحبيبة؟ لماذا لا نستفيد من هذه الذكرى لاستثارة العواطف الدينية والقومية في شعبنا العربي مسلمة ومسيحية؟!.. إن ذكرى الإسراء إلى بيت المقدس في أرض فلسطين دون غيره من أجزاء الأرض، والمسجد الأقصى يجاور كنيسة القيامة أكبر كنيسة وأقدمها لدى مسيحي العالم كما يجاور بيت لحم مهد المسيح ومهوى أفئدة المسيحين في العالم.. أفليس من شأن هذه الذكرى أن تستثير شعورنا جميعاً نحو هذا الجزء المحتل من الدنيا العربية التي تكافح اليوم في سبيل التحرر والوحدة والاستقلال؟
إن من حق هذه الذكرى علينا أن نتخذ من أيامها موسماً تهرع فيه الجماهير إلى بيت المقدس لنزور أماكنها وذكرياتها التاريخية، وتنطلق إلى الحدود لتشاهد ما يثيرها من وضع الأعداء وعدوانهم المتكرر، وهي مناسبة لأن تقام في بيت المقدس أروع الاحتفالات والمهرجانات لتقوية عزائم سكانه المرابطين على حدود الأعداء وهم تحت مرامي قنابلهم وطائراتهم، كما أن من حق هذه الذكرى أن تعتبر عيداً قومياً، تقام فيه المهرجانات في كل بلد وكل قرية في دنيا العرب والإسلام للتحدث عن فلسطين وتاريخها وذكرياتها.
أيها العرب والمسلمون .. لقد كان يوم 27 رجب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح الروحي لبيت المقدس، ثم كان يوم 27 رجب عهد صلاح الدين الأيوبي يوم الفتح العسكري لبيت المقدس واستردادها من أيدي المغتصبين، فاذكروا دائماً هذا اليوم، واجعلوا منه مبدأ الانطلاق لتحرير الجزء المحتل من فلسطين الغالية. ولتحرير الأجزاء المحتلة في الوطن العربي الواحد، ولتحرير العالم الإسلامي كله من آثار الاستعمار والاستغلال والعدوان.
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}
مستخلص من كتاب:
من أحكام الصيام وفلسفته في ضوء القرآن والسنة

تحميل



تشغيل