مميز
الكاتب: أ. سمير العربي
التاريخ: 09/06/2012

كفران نعمة ... أم كراهية وحسد

مشاركات الزوار
كفران نعمة ... أم كراهية وحسد
أ. سمير العربي
(لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)
عندما أصغي إلى قصة سبأ وسيل العرم ... كيف كانوا ينعمون بجنات تمتد مسافات شاسعة يمشون في ظلالها، عن يمين وشمال، وينعمون بثمارها يقال لهم: كلوا من رزق ربكم واشكروا له، بلدة طيبة ورب غفور. فأعرضوا، فأهلكهم الله بسيل العرم، وتبدلت نعمتهم حرماناً ... استحضر صورة دمشق، قبل الأحداث الأليمة ...
يوم كانت تنعم بأمان لا تعرفه بلاد أخرى ... نعم وفيرة وطمأنينة وأمان ... مساجدها عامرة، وأسواقها خيراتها وفيرة، والناس في وداد وتعاون ... وأطفالها يرتعون في حدائقها الغناء ... ومنتجعاتها في الصيف تغص بضيوفها ومصطافيها ... مدارسها ...جامعاتها ...منتزهاتها.. نبع الفيجة ... عين الخضراء ... نبع بقين والينابيع القريبة منه .. في مضايا والزبداني ... الغوطتان وعسال الورد ورنكوس ... وقرى القلمون جمال تلك المناطق، وفواكهها المتميزة ... خضارها الطيبة ... مطاعمها العامرة ... وحلوياتها المشهورة ...
تحضرني صورة الأطفال ذكوراً وإناثاً في الصيف، وهم يتأبطون مصاحفهم متجهين إلى دورات القرآن ...كما تحضرني صورة ليالي رمضان حيث كانت تكتظ مساجدها وتغص وتفيض بالمصلين، وأسواقها تجمع بين نشوة العبادة وموسم الربح والتجارة ... والاستعداد للأعياد ... لياليها نهار يضيء بالمسرة والروحانية والحياة والحركة ... بلدة طيبة ورب غفور.
ما الذي جرى لك يا شام؟ ماذا دهاك؟ وما الذي أصابك فأقفرت بعد إمراع، وتعست وشقيت بعد سعادة؟ ماذا أصابك حتى أوحشت جنباتك ... وشقي أبناؤك الذين كانوا يوزعون السعادة والأنس على الآخرين؟؟
إنها (الحرية ...) ...وللحرية الحمراء باب ...يجب أن تضرج لها الدماء وتسفك من أجلها. يجب أن تسفك لها دماء الأحبة بيد أحبتهم، وتشيع الكراهية والأحقاد في سبيلها، وتوحش الديار بعد أنس، وتدمر بعد بناء.
الحرية التي تقتضي أن نجبر الآخرين على وجهة نظرنا، وإلا فإن دماءهم وأموالهم مباحة ... وهم عملاء السلطة.
إنها (الإصلاح) الذي جعل المساجد تخلو من مصليها إلى القلة، وتتوقف فيها الدروس ومجالس العلم والذكر، والذي جعل المدارس منطلقاً للشباب الذين تعلموا أقذر أنواع الشتيمة والبذاءة ... وفي سبيل (الإصلاح والحرية) كل شيء يهون !!
الإصلاح الذي جعل دكتاتورية الثورة تفرض على الناس: إما معنا ... أو علينا ... إما إغلاق المحلات أو إحراقها ...
النوم ... الأمان ... يجب أن نفتقدهما في سبيل الإصلاح والحرية ... فالليل يجب أن يكون قلقاً وخوفاً .. وأمانهم لن يتحقق إلا بعد إسقاط الوطن ... نعم الوطن. أما النظام فلن تستطيع أيديهم أن تصل إليه !!
إنها ثورة من أجل ... (الحرية) التي ستأتي عبر مشروع يخطط له برنارد ليفي، ويباركه جوزيف ليبرمان ... وتتلى عليه صلوات جون ماكين، ويتزعمه برهان غليون ... وتوافق عليه بعد ذلك الأكثرية الإسلامية ...!!
حرية ... يفرضها علينا من لا يعرفون معنى الحرية ... وإنما يعرفون الفوضى الخلاقة .. ثم يسمونها (الحرية).
يقولون: إلى متى نتحمل الأخطاء ... لقد طال انتظارهم أربعين عاماً .. فإلى متى؟
أذكر كيف كان بعض المنادين بها يحاورون ... وينتصرون في الحوار ... وتعلو كلمتهم.. وتنال حجتهم القبول. ولكن ذلك لم يعجبهم فبحثوا عن حوار عبر الاغتيالات والخطف وقصف المدفعية ورصاص البنادق .. وبالصدور العارية!! التي تخفي وراءها المتفجرات التي تنشر الموت الزؤام الذي يغتال الوطن بكل أطيافه ...
(لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)
وهاهم يقولون وهم ينشرون الشر والفساد: علي وعلى أعدائي ...
ماذا أصابك يا شام؟
أخطاء الدولة كثيرة، ولكي تصحح تلك الأخطاء يجب أن يدمر الوطن، فتدمر الجسور، وتحرق المزارع، وتلغى امتحانات الطلاب، وتغلق المدارس وتحرق المصانع وتدمر محطات توليد الكهرباء وتغلق الطرق الرئيسية ... ويقتل الجنود لأنهم جنود، فالجنود إما أن ينضموا إليهم أو أن يكون القتل مصيرهم ... إنها الحرية !!!!
إننا نناشد الدولة بكل أجهزتها قطع الطريق على هؤلاء بإعادة النظر في طريقة التعامل مع المغرر بهم، ومع ضحايا الحرية المزيفة، ممن أجبروا بالحرية على اغتصاب الحرية وإلغاء الحرية ... أن تحدد زاوية الهدف فلا تتجاوزه ثم تزيل العوائق التي تحول دون سلامة الوطن وسلامة الشعب.
عدو الوطن والشعب أصبح واضحاً فلا توسعوا دائرة الهدف ... لأنكم بذلك تخدمون أعداء الوطن والشعب. لا تدعوا ردود الفعل والتعسف منهجاً في التعامل، لأنكم بذلك تخدمون أعداء الشعب .. خذوا على أيدي الذين يتعسفون في أسلوب المعالجة لأنهم جزء من المشكلة وليسوا علاجاً للمشكلة.
فليعزل المجرمون ثم تقلم أظافرهم ... وليعرضوا أمام محكمة الوطن .. والتاريخ .. والحق ....لمحاكمتهم
لتعود بلاد الشام إلى السلام ... ويعود أطفالها إلى ملاعبهم آمنين ... ويعود عمالها إلى مصانعهم مطمئنين .. وليعود المصلون إلى مساجدهم ومعابدهم بأمان ... لا يهددهم مضلِل ومتاجِر بدمائهم. ولا يحوّل مساجدهم إلى منطلق هتافات وشتائم بذيئة ومظاهرات مخربة.
ليعود الفلاحون إلى مزارعهم ... والعمال إلى مصانعهم ... والمصطافون والمتنزهون إلى منتزهاتهم ومصايفهم، وليعود الطلاب إلى مدارسهم وجامعاتهم لا يهددهم مجرم بالموت والقتل. لتعود ليالي الأنس والسعادة إلى ربوع بلادنا.
لتعود المحبة بدل الكراهية ... والتراحم والتعاون بدل الصراع والنزاع والاتهامات المتبادلة، التي جعلت من وطننا وشعبنا أشلاء.
ليعود وطن المحبة والأمن والسلام.

تحميل



تشغيل