مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 26/05/2012

ترجمة الشيخ محمد صالح الحموي رحمه الله

تراجم وأعلام

العارف بالله المربي الجليل الشيخ محمد صالح الحموي "رحمه الله"
1350هـ/1340هـ - 1931/2009.
الباحثة: نبيلة القوصي
اللهم يا من رفعت الكواكب، وأجريت المراكب، ويا من نوره على قلبي ساكب، لا تحرمني من مشاهدة المواهب.
إلهي ... حبك سامي فوق الأسامي.
إلهي ... يا مالك الممالك، اجعلني إليك سالك.
إلهي ... سبحانك، سبحانك، إلهي ... سمعني ألحانك.
إلهي ... من المحبة ولو حبة ...
اللهم يا من لطفت في خلق السماوات والأرض، ولطفت في خلق الأجنة في بطون أمهاتها ألطف بنا وبأمة حبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم يا لطيف.
مناجاة للشيخ صالح الحموي رحمه الله.
تحمل كتب التراجم بين دفتيها سطور وسطور من أخبار سلفنا الصالح من الأمة الإسلاميةـ، والذي يقول زماننا خالٍ، فليراجع نفسه وكلامه، فالخير في هذه الأمة باقٍ إلى يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: "مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره".
وهكذا كانت سيرة الشيخ صالح الحموي رحمه الله منهج كامل لحياة طلاب علم وعمل لزماننا هنا، وسبيلاً يسير عليه كل من أراد سلوك طريق التربية والإرشاد من جيلنا، فكان تصوفه تصوف علم وعمل، خالي من شوائب المتصوفة في زماننا، تعالوا نخترق السطور ونستخلص العبر والعظات في سيرة الشيخ رحمه الله.
· بداية ... نتحدث عن عصره:
شهدت دمشق في القرن الرابع عشر هجري حركة علمية واسعة لعلماء أفاضل، فقد كانت دمشق في تلك الفترة تمر بمرحلة ذهبية من الناحية العلمية، تُخرج علامة علماء عاملين محبين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وتعيش البلاد استقراراً سياسياً وأمناً اجتماعياً مهد لظهور وبلورة هذه الحركة العلمية الكبيرة.
· من هو الشيخ صالح الحموي؟ رحمه الله
لقد شغل منصب إمام لمسجد السادات المجاهدين مدة من الزمن، وتعلق به وبدروسه التي يقيمها، فأصبح للمسجد حكاية عطرة جميلة تحكي لنا هذه الحكاية بعض المراجع، فلنعود إلى الوراء ونتعرف أولاً إلى السيرة الذاتية للشيخ محمد صالح الحموي رحمه الله.
· مولده ونشأته:
ولد الشيخ في دمشق / حي العمارة البرانية / زقاق حكر السرايا 1350ه/1931م في بيت متواضع / من أبوين صالحين.
والده الشيخ محمد بن اسما عيل الحموي، كان أميّاً ولكن محباً لأهل العلم والعلماء، حكيماً في إرشاد الأولاد، يحثهم على الاستقامة والطاعة، عمل الأب في طاحونة له في جوبر،كان متقن لعمله، يحضر دروس ولده ويسمع له في بكاء تيمناً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "عينان لا تمسهما النار عيناً بكت من خشية الله..." بقي كذلك إلى أن توفي سنة 1978.
أما والدته /العابدة الصالحة/ فاطمة الحداد، أسرتها من العائلات الميسورة، شهد لها بالصلاح والعبادة، كانت أمية لكن كثيرة العبادة والذكر والتسبيح، وتحث أبناءها على العمل بجد وكسب مال الحلال.
أخوته: إسماعيل، محمد خير، وكان للشيخ ثلاث أخوات.
أولاد الشيخ محمد صالح: تزوج ثلاث نسوة، ولم يجمع على عصمته إلا اثنتان، وكان له تسعة أولاد، ثلاثة ذكور وست إناث.
· نشأته العلمية:
وضعته أمه عند امرأة ليتعلم القرآن الكريم، وأحكام الفقه، وقد حفظه صغيراً.
وكان يتردد إلى كتّاب الشيخ سعيد البرهاني والشيخ بشير الشلاح رحمهما الله، ويذهب مع خاله إلى درس الشيخ أبي الخير الميداني في جامع التوبة.
إن الذي نلمسه من شيخنا الجليل ترابط أسري فريد، قلما نجده عند الأسر المسلمة، حيث تقول مراجعنا:
إن والده زرع فيه الزهد، والقناعة، والدأب على العمل، وإتقان العمل، والصبر على الشدائد.
أما والدته فقد زرعت فيه حب ذكر الله، حب رسول الله، التنشئة على الكسب الحلال، والنظافة وترتيب الأشياء وحفظها.
وكانت جدته تحثه على حفظ القرآن، والوقوف بين يدي الله، وخاله يأخذه إلى دروس العلماء.
وبذلك نشأت في هذه الأسرة على الود والحب والتناصح المتبادل سائرين إلى المولى عز وجل بعزيمة وإرادة قوية وقلب صاف.
وسر هذا الأمر ينبع من الأسرة التي تجعل جل اهتمامها تنشأة الفرد تنشأة إسلامية إيمانية صحيحة. قال صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه".
· أما عن العمل وكسبه للعيش:
جمع الشيخ رحمه الله بين طلب العلم والعمل الدنيوي، وعمل في طاحونة والده، وما لبث أن عمل بنصيحة والدته ليعمل في معمل نسيج كان يديره الشيخ عبد الرزاق الحلبي رحمه الله.
أتقن العمل كخياط، ثم فتح دكان صغير عمل فيه لوحده وأبدع في خياطة جبة العلماء، أجرى عليها تعديلاً جعلها أكثر هيبة وجمالاً.
وبقي بين العلم والعمل، إلى أن استلم إمامة مسجد السادات المجاهدين، وتفرغ لطلابه ومريديه ومسجده.
· شيوخه:
لازم الشيخ صالح رحمه الله الشيخ محمد صالح الفرفور رحمه الله، وحضر دروسه في الأموي وجامع فتحي ومسجد السادات الأقصاب.
الفقه الحنفي - التفسير - الحديث - العقيدة - التصوف - اللغة العربية.
- الشيخ عبد الرزاق الحلبي- الشيخ أديب الكلاس- الشيخ إبراهيم اليعقوبي- والشيخ مظهر المصري- هاشم الخطيب- وقرأ على الشيخ صبحي البفجاتي – رحمهم الله.
- وقرأ الفقه الحنفي والأحوال والعقيدة على الشيخ رمزي البزم رحمه الله.
- وقرأ النحو والصرف والبلاغة على الشيخ محمد السكري.
- والقرآن وتجويده على الشيخ عبد القادر الأرناؤوط والشيخ سعيد البرهاني رحمهم الله.
وكانت مجالسه مقصداً لطلاب العلم.
· منهجه التربوي:
يقول الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}
فالتزكية هي تغير الواقع السلوكي للفرد، وتخليه عن الأخلاق المذمومة والتحلي بالأخلاق المحمودة، وهذا لا يتم إلا من خلال التربية.
فالصحابة رضوان الله عليهم خير مثال لذلك، حيث كان صلى الله عليه وسلم موجهاً ومصلحاً ومربياً لهم، من خلال كلامه وسكوته، وإقراره ونهيه وحبه وغضبه، فأنشأ جيلاً غيّر وجه الإنسانية على وجه الأرض.
وشيخنا الفاضل اتصف بصفات تؤهله ليكون مربٍ بامتياز، هذا الاجتماع العلم والعمل لديه ومجاهدة النفس في جميع المجالات. ويتصف الشيخ كمربي:
1- فهمه الشامل لملامح الدين من خلال بناء عقيدة صحيحة وفهم سليم للقرآن والسنة النبوية، وتمسك بكلام الفقهاء المعتمدين وعدم الأخذ بالأقوال الشاذة.
2- السلوك الإيماني الصحيح والسليم، فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم قدوة له، في جميع تحركاته وسكناته.
3- الخبرة بالنفوس: من خلال مخالطته للناس ومعاشرته، حيث اكتسب هذه الخبرة فأصبح بصيراً بأحوالهم فامتلك الفراسة الإيمانية، من خلالها يعرف كيف يعالج مريديه.
4- اتصاله المباشر بمريديه: فقد سخر نفسه ووقته وحياته لتربية مريديه، من خلال دروسه، ومجالسه، وإحياء الليالي المباركة، ومن خلال النزهات والزيارات.
فكان الشيخ رحمه الله يعتمد أساليب تربوية شتى، ولكن ليس المهم أن نعرف هذه الأساليب المتنوعة، ولكن معرفة كل داء والدواء له هو لب هذا العلم.
ويشهد لهذا الكلام تلامذته ومريديه، وهذه بعض أقوالهم:
"أهم الأمور التي جعلت قلبي يتعلق بالشيخ رحمه الله الحنان والرحمة اللتان اكتنفني بهما، نظراته الممتلئة بالعطف والرحمة والحنان، كأنه أم رؤوم".
"كنت قبل تعرفي على الشيخ رحمه الله أمر من أمام دكانه، وأسلم عليه وربما يكون بيدي آلة موسيقية...!
فعلمت من بعد الهداية أن الشيخ رحمه الله تعالى حينما يراني، كان يدعو لي بظهر الغيب بالهداية ويرجو الله: "اللهم اجعله من إخواننا وأحبابنا"، فتملك قلبي وغير الأحوال والأعمال والآمال من خلال ذلك الحنان".
وكان للشيخ رحمه الله طرق وأساليب تربوية فعالة منها: العون المادي، كان يمدهم بالمال لقضاء ديونهم.
ويسأل مريديه عن أوضاعهم الأسرية بلغة الحب والألفة:
"الله يرضى عليه يا أيمن دير بالك على أبوك وأمك".
"بابا لا تنسى تسلم على أبوك وأمك وأخواتك"
وله طريقة جميلة في الترغيب بالآخرة والجنة حيث يقول:
"لا تقول بدي مصاري، خليك عايش مع الباري حتى يكون مركبك جاري".
"يا ولدي المال ما سمي مالاً إلا لأنه يميل بصاحبه عن الصواب، والدرهم لأنه يدر الهم على صاحبه والدينار لإشارته إلا النار: دي نار".
ويقول: "مالي أرى الناس ذهبوا إلى من عنده ذهب" "مالي أرى الناس منفضة إلى من عنده فضة" "مالي أرى الناس مالوا إلى من عنده مال"
ويقول : "بابا يرضى عليكم ديروا بالكم على بعض" "لا تنسوا بابا، الناجي يأخذ بيده أخيه يوم القيامة" "يا ولدي إذا أخوك بخير فأنت بخير".
وهكذا نجد الشيخ رحمه الله قد أخذ المعرفة والذكر والأوراد من مدرسة الشيخ محمد الهاشمي والشيخ البرهاني، والعلم والشريعة والدعوة من مدرسة الشيخ صالح الفرفور. مما سهل الله عليه طريق معرفة الله والوصول إليه، وقد اشتهر بجمعه لمحبة الله تعالى ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فدموعه وأحواله وأقواله كانت أقواله كانت دليل ذلك، ويقول: "يا ولدي بدك تعيش بالله، وتحب الله، وتفنى بالله، فإياك أن تدخل على الله وفيك بقية لغيره"
ويقول: "ففي فنائي فنى فنائي وفي فنائي وجدت أنت
أما إذا سمع قصيدة فيها مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضت عيناه شوقاً وحباً له صلى الله عليه وسلم، فهو الذي قال: والله سهرت أياماً والليالي، ولم أستطع النوم عندما سمعت قول المنشد:
غالي غالي النبي غالي سهرني الليالي شوقه شاغل بالي
هذا وقد تعلق قلب الشيخ بمجالس الذكر والحضرة، وذلك لما وجده من الأنوار والأسرار والفتوحات والتجليات، وقد زاد تعلقه بالحضرة ودفاعه عنها بعدما أكرم الله عز وجل أخاه إسماعيل بالوقوف على قدميه المشلولتين بالحضرة -حيث بقي أخاه قرابة تسع سنين مشلول لا يعرف دواؤه أي طبيب-.
ومن دفاعه: "هل هنالك أحد ينكر على من يذكر..؟! والله شيء عجيب..!!".
ثم يقول: كيف ينكرون علينا ذكر الله وهو الذي يأمرنا بذلك لقوله عز وجل: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً}، وقوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}.
والحضرة رآه الشيخ أمر مباح وليس بواجب على المسلم، ولا يأذن لأحد من مريديه إلا من وثق بدينه وعلمه "رحمه الله".
· أما عن أخلاقه:
كان الشيخ صالح الحموي رحمه الله محمدي الطلعة، هاشمي المنظر، إن رآه الناظر هابه، وإذا خالطه أحبه، صاحب جلال ووقار وهيبة يتخللها لين وعطف وحنان لا يوصف.
جميل الملامح، أبيض البشرة كزهر الربيع في وجهه، أشهد العينين، واسعتين وكان ربعةٌ من الناس، وليس بالسمين ولا بالنحيف، وصوته جهوري، يتقن علم الطبقات، لا تسأم النظر إلى وجهه، ولا سماع حديثه، كأن الله عز وجل جعل من محياه مصابيح يعكس نورها على الحاضرين.
وقد عرف أهل الله التصوف: كمال الأدب مع الخالق والمخلوق ومجاهدة نفس وتزكيتها، والتزكية كما قلنا تحلي بمكارم الأخلاق المحمودة، والتخلي عن الصفات المذمومة، جعل الشيخ من هذا الكلام سلوك عملي إيمانه على نفسه ومن ثم أهله وأصحابه وغيرهم. هذا الطريق يحتاج إلى زاد إيماني صحيح، فكان للشيخ رحمه الله طريق يسير فيه نحو الله من مقام العبودية لله عز وجل بتذلل وفقر وخشوع له.
والعبودية ليست في صلاته ونوافله، إنما في تحركاته وكلامه يُشعرك بأن عين العبادة هو العبودية لله عز وجل - رحمه الله.
لقد أخذ الشيخ منذ بداية حياته العلمية يدرسُ ويدرسَ، ويقيم حلقات العلم، إلى أن عُين إماماً وخطيباً في مسجد السادات المجاهدين في عام 1960. فأقام عدة دروس:
- درس القرآن الكريم والتجويد - والكثير من التصوف والأخلاق، ودروس عدة كتب في الفقه الحنفي، وبعض كتب العقيدة / ودرس عدة كتب في الحديث والشمائل المحمدية.
وكان للشيخ رحمه الله دروس خارج المسجد، وهو درس يوم الثلاثاء للعائلة يجتمع به مع أفراد عائلته.
وكان له درس خاص مع كبار تلامذته في بيته بعد صلاة الفجر يوم الأحد ودرس في الهامة، حيث أقام فيها مجلساً ودرس تصوف في مساء كل أربعاء ومازال قائماً يجتمع عليه أهل البلدة وينتفعون منه. وكان له تأثيراً كبير عليهم.
ومن فضائل الشيخ إقامة مجالس الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان رحمه الله يقيم احتفالاً بمناسبة ولادة سيد الوجود صلى الله عليه وسلم، فإذا دخل شهر ربيع الأنوار تهلل وجهه، وفاض السرور من قلبه، ويبدأ بتهيأة نفسه والناس من حوله، وتذكيرهم بذكرى ولادة الحبيب صلى الله عليه وسلم.
وكان يُرى الشيخ في مجالس الاحتفال وقد فاضت دموعه، وانتعش قلبه شوقاً للرسول صلى الله عليه وسلم.
نسأل الله عز وجل أن يكرمنا بنفحات السرور والفرج التي كستا وجه شيخنا الجليل، ويذيق قلوبنا من محبة رسوله مما ذاق قلب هذا الشيخ رحمه الله.
وكان للشيخ بعض الحكم لما لا؟!! وقد ملأ الإخلاص قلبه، واعتادت جوارحه التقوى والورع، فأجرى الله على لسانه ينابيع الحكمة التي لا يخفى أثرها في النفوس منها:
- الله خالق الحب والنوى يعطي الإنسان ما نوى.
- جاهد بتشاهد.
- خليك على الشرع حتى ما تخربط بالزرع.
- لا تقول: شو ساوي؟ بل قل: يا مداوي يا الله.
- خليك مع الأول وعنه لا تتحول.
- موت نفسك تُحي الأنوار والأسرار بقلبك.
- أهل اليقظة ما غابوا عن الله لحظة.
- لو لا اسم اللطيف لذهبنا شقف وتنتيف.
- جذبة من جذبات الحق، تعدل عمل الثقلين.
· وفاته:
جاء عام 2009 حاملاً معه الأحزان، ففي هذا العام توفي الشيخ العارف بالله أحمد الحبال الرفاعي، والشيخ أديب الكلاس، والشيخ عبد الرحمن الخطيب الميداني الحسني، والشيخ محمد عوض الذي كان له مع الشيخ صحبة، تأثر كثير بوفاته وظهر عليه ذلك.
في هذه الأثناء بلغ الشيخ صالح الحموي من العمر ثمانية وسبعون سنة، وهو ما زال مواظباً على دروسه ومجالسه، وبدأ يشعر بوجع في قدميه، فأخذ يتغيب عن الدرس وفي يوم الجمعة 12 حزيران جاء الشيخ إلى المسجد من أجل صلاة الجمعة، وجلس يتكلم بعد الصلاة مع بعض الإخوان ... فكثر منهم البكاء ثم قال:
"أنا وكلت الشيخ حامد الديراني بدرس الجمعة، فإذا لم آتي يوم الجمعة القادم فهو الذي يعطيه"
فبكى الشيخ ثم أنهى الدرس وعاد إلى المنزل، وقال لزوجته: "أنا ودعت الشباب في المسجد، وسلمت كل دروسي فيه".
وفي مساء الاثنين خرج إلى لمشفى من أجل إخراج ماء في رئته، والساعة الثانية عشر ليلاً بعد أن صلى العشاء والوتر بمعية ابنه الشيخ أحمد وقرأ الورد بعد الصلاة، إذا بالشيخ يسلم روحه الطاهرة لبارئها سبحانه وتعالى. ولطالما تحدث الشيخ عن هذه اللحظة قائلاً: "الموت جسر مهيب ولكنه يقرب الحبيب من الحبيب".
مات الشيخ صالح الحموي رحمه الله ... وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وكانت وفاته يوم الأربعاء 24/ جمادى الآخر 1430 الموافق 17 حزيران 2009م.
وخرجت جنازة من داره في حي العمارة في موكب مهيب إلى المسجد الذي أحبه وأحب السكن قربه... مسجد بني أمية، حيث صُلي عليه عقب صلاة العصر ثم خرج نعشه من المسجد الأموي باتجاه جامع السادات المجاهدين، وعندما وصل النعش إليه فاضت الدموع وكثر البكاء، فالشيخ بقي أكثر من أربعين سنة يُدرس في هذا الجامع وله مجالس ودروس فيه، وكأنما روحه بقيت فيه، هذا ما أكد البعض إن روحانيات الشيخ بقيت في المسجد رغم وفاته وانقطاعه عن المجيء بجسده ولكن روحه فيه، رحمك الله يا شيخ صالح، ودفن في مقبرة الدحداح.
وفي الختام أحب أن أختم ببعض ما كان يتغنى ويترنم به الشيخ، كان رحمه الله يحب دمشق الشام، فقد تملكت من لبه، وكان لا يفتر يدعو لها كل يوم وخاصة في صلاة الفجر، فيقول:
"اللهم احفظ الشام وأهل الشام" آمين يكررها ثلاث.
وكان لا ينصح بالخروج منها إلا لضرورة مع نية العودة إليها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بدخولها عند اشتداد الفتن، وكان رحمه الله يقول: "الخارج منها بسخط الله إلا أن ينوي العودة إليها"
وعدما يُسأل عن الإقامة في المدينة المنورة ومكة المكرمة يقول: "بابا نذهب إليها بشوق، ونرجع إلى شامنا بشوق". وإذا عاد من سفرٍ قال: "بابا ما في أحلى من الشام وهوى الشام"
رحمك الله يا شيخنا - الفاتحة - رجاء القبول للنفع والفائدة.

المراجع والمصادر
تعطر الأيام في سيرة قمر الشام
سيرة العارف بالله الشيخ محمد صالح الحموي/ أيمن محمد قضماني
علماء يتحدثون الجزء الأول / الدكتور محمد وهبة

تحميل



تشغيل