مميز
الكاتب: الكاتب: محمد سليمان
التاريخ: 03/05/2012

وإنكم لا تزالون بخير ما عرفتم الحق وكان العالم فيكم غير مستخف به

مقالات
وإنكم لا تزالون بخير ما عرفتم الحق
وكان العالم فيكم غير مستخف به
السيد محمد سليمان
نقل الإمام الغزالي في كتاب العلم من الإحياء أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يقول "أنتم في زمان خيركم فيه المسارع في الأمور وسيأتي بعدكم زمان يكون خيرهم فيه المتوقف لكثرة الشبهات". قال حذيفة رضي الله عنه: "أعجب من هذا أن معروفكم اليوم منكر زمان قد مضى وأن منكركم اليوم معروف زمان قد أتى وإنكم لا تزالون بخير ما عرفتم الحق وكان العالم فيكم غير مستخف به". إنها وصايا من صحابيين جليلين ما أحوجنا إلى تأملها وإمعان النظر فيها. أما الكلام المنسوب لابن مسعود رضي الله عنه، فيخبرنا بحال المسلم الصادق في إسلامه إذا كثرت الشبهات أمامه، فإنه يتوقف حتى يظهر له الحق ولا يسارع في اتباع ما يميل إليه بادي الرأي. وأما وصية حذيفة رضي الله عنه، الذي عرف بأنه كان يسأل رسول الله عن الفتن والشر، فإنه يدعو إلى معرفة الحق والتمسك به عندما تنقلب الموازين فيغدو المنكر معروفاً؛ وبإيجاز بليغ أرشد رضي الله عنه إلى سبيل معرفة الحق ألا وهي طريق العلماء، كيف لا وهم ورثة الأنبياء. فحث حذيفة رضي الله عنه على ألا يستخف المسلمون بالعالم فيهم، ولا شك أن تحذيره من الاستخفاف بالعالم الصالح يشمل التحذير من المساس بمكانته الشخصية وإلقاء رأيه ظهرياً.
أسوق هذه الوصايا وقد هالني أن قرأت كلاماً يجاهر في الانتقاص من جمهرة علماء هذه الأمة ابتداء من الإمام الغزالي وانتهاء بالعلامة محمد سعيد رمضان البوطي. لم يكن ذلك مناقشة علمية تصدر عن عالم مجتهد، بل محاولة رخيصة لاستثمار الفتنة الراهنة لتأجيج مشاعر الناس ضد العلماء العاملين.
نعم، لم يكتف مروجو الفتنة بالإعراض عن الهدي النبوي، ثم بالتأفف من العلماء الذين صدعوا بتذكير الأمة، على كل المستويات، بوجوب الالتزام بحكم الشرع بالإصلاح وفي الوقت نفسه الابتعاد عن الفتنة حقنا للدماء وقطعاً للطريق على الأعداء المتربصين بالشام وأهله. بل فتح بعضهم صفحة جديدة من الغي سودوها بكلام يدعو إلى الثورة على الإسلام ممثلا بالعلماء ورثة الأنبياء على الأقل – هكذا قال أحدهم – منذ الإمام الغزالي حتى العلامة البوطي! هذا الهجوم على ورثة الأنبياء يكشف بما لا يدع مجالاً للشك أن فريقاً من منتقدي العلامة سعيد رمضان البوطي حفظه الله لا يصدر عن اجتهاد شرعي علمي، ولا ينشد مجرد الانتصار لموقف أو تحليل سياسي، بل يستهدف بشكل مستقل – وربما بشكل رئيس – تنفير الناس من الشرع الحنيف وصدهم عن الاستماع للعلماء العاملين واتباعهم.
فالمتتبع لمواقف هذا الفريق يجد أن هناك حملة منظمة ومنهجية لتنفير الأمة من الشرع الشريف من خلال المساس برموزه التاريخية والمعاصرة من السادة العلماء الذين قيضهم الله للذود عن حياض الشرع وإظهار حكمه للكافة. وتتجلى هذه الحملة من خلال ممارسات لا يمكن أن تكون تمت عن جهل أو خطأ، وأعني ما يلي:
1. تشويه كثير من كلام العلامة سعيد رمضان البوطي حفظه الله وفتاواه عبر بعض الفضائيات والمواقع الالكترونية. ولا يمكن أن يكون هذا التشويه تم عن غير قصد، والكلام الكامل والفتاوى الواضحة غير المحرفة أو المجتزأة منشورة ومعروفة لمن أراد أن يتثبت ويتعرف موقف الشيخ حقاً ومن ثم مناقشته بضوابط الشرع والمنهج العلمي.
2. تغييب بعض مواقف الشيخ البوطي وفتاواه عن هذه القنوات (مثل الفتاوى الخاصة بحكم الصائل والتظاهر والقاتل الملجأ). ومن الوضوح بمكان أن هذه الفتاوى التي صدرت بشكل عام وتشمل جميع الأطراف في الفتنة الدائرة تتناقض مع الصورة المشوهة التي يريد هذه الفريق اختلاقها عن الشيخ البوطي وزرعها في أذهان الناس لصدهم عن الشرع الذي يبينه؛ ولذلك لم يكن من محيص أمامهم من تجاهل هذه الفتاوى وتغييبها لكي لا يتجشموا مشقة التوفيق المستحيل بينها وبين افتراءاتهم على الشيخ.
وبعد هذا التشويه لبعض الفتاوى وتغييب بعضها الآخر، جاء تصريح بالدعوة إلى المساس (برمزية الشيخ البوطي) باعتباره يمثل – كما يقر هذا الفريق المتعدي نفسه – العالم الزاهد الملتزم بأصول الشرع، وذلك ليغير الناس – لاسيما الشباب – موقفهم من الشيخ البوطي ومن ثم لينفروا من السواد الأعظم من علماء الأمة والعلم – بل قل الدين – الذي حملوه جيلاً عن جيل.
ولذلك تجاوز أحدهم – وهو يدعي الانتصار للقرآن الكريم واستلهام مواعظه – العلم والتاريخ بزعمه أن علماء الأمة منذ الإمام أبي حامد الغزالي أورثوا الأمة الرضا بالظلم والاكتفاء من الدين بالجزئيات والركون إلى الخرافات! ولما وقف هذا المتجاوز أمام سيرة الشيخ البوطي ولم يملك إلا أن يقر له بما عاينه فيه من يعرفه بالصحبة والمشاهدة وعرفته الأمة عنه بالشهرة والاستفاضة من زهد ينأى به عن التزلف للحكام أو التملق لسلطان، فإنه لم يجد سبيلاً للاعتراض على الشيخ إلا بالانتقاص من علماء الأمة الذين ينتمي الشيخ إلى دوحة العلم الذي يجمعهم ويصدر عن معين النبوة الذي يلتمس كلهم منه والذين يمثل الشيخ بقيتهم في عصرنا. فوجدنا هذا المتجاوز يدعو إلى رفض موقف الشيخ البوطي لا لأن هذا المعترض اهتدى إلى دليل شرعي يرجحه على الأدلة الشرعية التي أعلنها العلامة البوطي على الملأ (فهذا المتجاوز ليس مظنة علم شرعي أصلاً)، بل لأن الشيخ البوطي ينتمي إلى – كما قال – ((التيار الديني التقليدي الذي يعد امتداداً للتيار الأشعري والذي ساد لفترة طويلة في الفكر الإسلامي، على الأقل منذ الغزالي أي تزامنا مع عصور التدهور التي دخلتها الحضارة الإسلامية...)) ويزيد هذا المتنطع في بيان رأيه قائلاً إن العلماء الزاهدين مثل الشيخ البوطي – كما يقر هو له بالزهد – لم ينافقوا السلطان ولم يتقربوا منه أو يتزلفوا إليه أو يطمعوا بما عنده، لكن مشكلتهم – فيما يرى هو – أنهم يعتبرون أن ((دور عالم الدين من صنفه يجب أن يكون في دعم السلطة (السلطان المتغلب) والاستقرار على الوضع القائم مهما كان هذا الوضع سيئاً)).
هي إذاً (ثورة) على الشرع الشريف الذي شرحه ونقله الأئمة الأعلام (على الأقل منذ الغزالي!) يريد إشعالها فريق من الناس على هامش الفتنة متقنعين بالانتصار لمطالب الإصلاح. فهل وقفتم أمام نموذج فاضح للإعجاب بالرأي وطاعة الهوى أظهر من موقف هذا الفريق من المعترضين على الشيخ البوطي؟ الذين لما أعيتهم حجة العلامة البوطي أن يدحضوها، وتضاءلوا أمام زهد الشيخ وورعه، ثاروا على مصدر تلك الحجة ومدرسة ذلك الزهد والورع! (وأنا أعني الفريق المتعدي الذين يمثلهم ذلك الذي اقتبست من كلامه المسيء، لا العلماء المجتهدين الذي خالفوا الشيخ في اجتهاده مع انضباطهم، مثله، بأدب الخلاف والحرص على الأمة).
وبعد، فإنه لا يمكن – بتقديري – النظر إلى محاولة المساس برمزية العلامة البوطي في سياق الانتصار لموقف سياسي، بل إنها محاولة مشبوهة تتناغم وتتكامل مع حملة عالمية لإفقاد المسلمين احترامهم لمقدساتهم وذواتهم من خلال إظهارهم عاجزين المرة تلو الأخرى أمام الإساءة لهذه المقدسات. فمن تطاول على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكلام والرسوم الذي أخذ يصدر عن أفواه شخصيات من مختلف المستويات الدينية والسياسية والثقافية في الغرب، إلى حرق المصحف، إلى تدنيس المسجد الأقصى وغيره، نجد الآن من أبناء جلدتنا من يريد تقويض مكانة العلماء في المجتمع. هؤلاء الذين يريدون المساس برمزية الشيخ البوطي وورثة الأنبياء الذين يتصل بهم إنما يرقصون على الموسيقى التي يعزفها المسيؤون لرسول الله والمصحف الشريف في الغرب ويحطبون بحبلهم من حيث يدرون أو وهم لا يشعرون.
ولعل قائلاً يقول إن وجود فريق من الناس دأب على الاعتراض على العلماء ومدرسة العلم الشرعي تحت شعار التجديد ليس أمراً جديداً. وهذا صحيح، لكن الجديد هو ما قاله المتعدي المشار إليه من أنه لم يعد يجدي توجيه النقد دون تسمية العلماء بأسمائهم، لأن النقد المجرد للأفكار دون المساس برمزية عالم مثل الشيخ البوطي بالذات لا يحدث الصدمة المطلوبة لدى الناس والتي يراد بإحداثها صرفهم عن العلماء! هي إذاً مرحلة جديدة من الهجمة على العلماء حصن الشرع الشريف. ولولا الأقوال الصريحة والقرائن القوية، لقلت إن هذا الفريق – كأناس آخرين– اختلطت عليه الأمور؛ فالفتن كما يقال إذا أقبلت تشابهت. لكنهم صرحوا بما في أنفسهم ((وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ)).
وحسبك دليلاً على نوايا هؤلاء أنهم يستخفون بكتب العلامة البوطي التي طبقت شهرتها الآفاق، وتلقتها الأمة على مختلف مستوياتها الثقافية والعلمية بالقبول وارتدت عنها خائبة سهام المرجفين والناقدين. فأي صلف وأي استعلاء يزين لهذا المتعدي أن يضع نفسه فوق عقول الأمة جمعاء فيصف انتشار هذه الكتب بأنه كان نتيجة (غسيل دماغ خضع له الناس) - كذا - أو أن هذه الكتب تقنع السطحيين فقط. فجل الأمة إذاً من السطحيين حسب ما يراه هذا! أيصرف هذا الزعم البين بطلانه الناس عن كتب الشيخ البوطي أم يكشف لهم صلف هذا الذي يعترض اعتراضاً غير علمي على الشيخ البوطي؟ أو يمكن لهذا المتجاوز أن يدفن كتب العلامة البوطي؟ هيهات! أنى له أن يدفن الكتب في حفرة وهو يطمر نفسه، من فرقه إلى قدمه، بالتراب الذي يرفعه من الحفرة.
لو كان هذا الفريق المتعدي على العلماء يقيم وزناً لضوابط الشرع لأصغى إلى تحذير ابن مسعود رضي الله عنه من المسارعة في الشبهات – ناهيك عن القتل المحرم – ولتورع وتوقف قبل أن يذكي نار فتنة تزهق فيها أرواح الأبرياء. ولو كان هذا الفريق يتوخى اجتهاداً شرعياً يوصله إلى معرفة الحق لالتزم بوصية حذيفة رضي الله عنه باحترام العلماء. ولا شك أن هذا المتعدي يعرف – مهما تدنى علمه الشرعي – أن ابن مسعود وحذيفة رضي الله عنهما من صحابة النبي الذين أضاءوا للأمة سبيلها التي خطها رسول الله وسلكها العلماء مذّاك، قبل الغزالي، ومنذ الغزالي إلى العلامة البوطي.

تحميل



تشغيل