مميز
الكاتب: عبد الكريم المدني
التاريخ: 21/04/2012

ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه

مقالات
لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ[1]
عبد الكريم المدني
الحمدُ لله الذي رفع قدر العلم وأهله، وجعل لهم مزيّة على غيرهم بما أعطاهم من معرفة وتبيان، وما علّمهم من السنّة والقرآن، فقال جلّ جلاله وتعالى في علاه:
((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ))
وصلّى الله وسلّم وبارك على سيّد أهل العلم خير من علّم وعن الله -تبارك وتعالى- تعلّم، سيّدنا محمّد القائل في جوامع كلمه الشريف: ((خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه)) والقائل في الحديث الشريف: ((خياركم في الجاهليّة خياركم في الإسلام إذا فقهوا)) وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الغرّ الميامين وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أمّا بعد:
فقد علمنا ممّا تقدم من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، شيئاً من فضل العلم والعلماء، وأنّ الله تبارك وتعالى قد رفعهم منازل ودرجات عنده، وأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم ربط خيرية الرجال في هذه الأمّة بالفقه في الدين وبتعلُّم كتاب الله تعالى وتعليمه، سواء كان تعليم قراءته وتجويده وحروفه أو تعليم أحكامه وحدوده وآدابه، ويكون ذلك بتوضيح الكتاب الكريم وفهمه من خلال السنّة المطهرّة الشريفة، فإن الله تعالى يقول:
((إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا))
ولقد قدمت بهذا الكلام المختصر جداً عن فضل العلماء ومكانتهم، من أجل أن ألحقه بما سأذكر من الكلام عما نراه في زماننا هذا، من تجاهل لهذا القدر الذي أعطاه الله تعالى للعلماء، ومن استخفاف بهذا الفضل الذي فضّلهم به صاحب المنّة والفضل تبارك وتعالى، حتى أصبحنا نرى بكل وضوح انعكاساً في القيم وتحولاً في المبادئ...! كما قال أحد السلف رحمهم الله تعالى:
وزمانٌ عُكّسَت أحوالُه صار فيه الوجه في حدّ القفا !!
ومن هذه الانعكاسات والتحولات -أيّها الأخوة الكرام- ما نراه من أنّ معيار التكريم والتفضيل، قد انعكس عند كثير من المسلمين، لدرجة أنّه عندما يُفضلّ الشخص ويُكرّمُ من قبل هيئةٍ ما أو مؤسسةٍ ما، فإننا نجد أنظار الناس تتجه إليه بالإعجاب والتعظيم، بسبب أنّه قد كرّم من قبل الهيئة الفلانية أو المؤسسة الفلانية...!
ولربما كانت هذه المؤسسة أو الهيئة، لأناس لا يعرفون الله تعالى، بل لربما كانت تابعةً لأعداء الله تعالى وأعداء دينه، ومع هذا نجدهم يعظمّون من كرّمته...!
ونجد في نفس الوقت -مع الأسف- تغافلاً وتجاهلاً لمن ينبغي أنّ يكون لهم هذا الإجلال والإكبار، إنّهم أولئك الذين لم تعظمهم الهيئات والمؤسسات بل عظّمهم أعظم عظيم، ذو العزّة والجلال تبارك وتعالى
نجد في نفس الوقت -مع الأسف- تجاهلاً وانتقاصاً لقدر من أثنى عليهم العظيم في كتابه الكريم، ولمن أثنى عليهم سيّد الخلق ووصفهم بالخيرية...!
وإنّ العقل ليحتار أيها الأخوة، وإنّ العقل ليتعجبّ، وإنّ الإنسان ليتسائل...!
ما سرّ هذه المفارقة العجيبة؟! وما السبب في هذا الإنحراف المنهجي الخطير؟! ومن وراء هذه الحرب الشرسة التي تهدف لهدم رموزنا، وتضييع قيمنا والسؤال الأهم مِن هذا كلّه، هو: ما السبب في أنّ بعض إخواننا من المسلمين، يساعدون أعدائنا على مقصدهم الخبيث هذا، من حيث شعروا أو لم يشعروا...؟!
إنّها أسئلة ينبغي لنا نحن المسلمين أن نقف عندها وقفة جادة صادقة ... إننا لو أمعنّا النظر جيّداً وتفكرنا كما ينبغي لنا أنّ نُفَكّر، فإنّنا -أيّها الأخوة -سنجد أن هذه المصيبة وهذا الإنحراف الحاصل إنّما سببه تربوي أخلاقيّ ليس إلا...!
وأنّها تعود إلى سبب واحد لا ثاني له، وهو أنّ النفوس لم تتزكى كما أمر الله تبارك وتعالى، وأنّ الاهتمام بالجانب التربوي الخلقيّ، المزكي للنفوس الأمّارة بالسوء، لم يستوفي حقّه عند كثير من شبابنا وأبنائنا...!
نعم هذه هي الحقيقة المبكية المؤلمة، التي تتجلّى اليوم في واقعنا الذي نراه والذي نعاصره، والتي كانت سبباً في هذا الانعكاس في القيم والتحول في المبادئ لدى الكثير من شبابنا...!
وإن هذا المرض لمرض خطيرٌ -جدّ خطير- أيّها الأخوة، فكثيراً ما صدّ هذا المرض أصحابه عن قَبول الحقّ، وكثيراً ما جانب أهله السعادة والتوفيق، وذلك لأنّ أمراض نفوسهم كانت مسيطرة عليهم، ولأنّ معيار الحقّ عندهم إنّما كان، ما وافق نفوسهم وأهوائهم، فكانوا إذا وافق العالم أو الناصح رأيهم وأهواء نفوسهم اتبعوه وأثنوا عليه وعظمّوه وأعجبوا فيه وقالوا عنه عالم الحقّ، وأمّا إذا خالف هذا العالم أو الناصح رأيهم وأهوائهم نبذوه وراء ظهورهم ولم يجعلوا له أيّ قيمة أو فضلٍ كما كانوا يرون سابقاً بل نسبوا إليه عكس ما كانوا يعترفون به من علمه وفضله، وخيريته...! ولنرى هذا المثال المعبرّ لهذا المرض الخطير الذي أصاب النفوس، إنّه مرض الكبر والغرور، مرض العجب والحقد، ويالها من أمراض خطيرة...!
هي واقعةٌ تبين لنا حال من يتبع هواه وإن كان يعلم الحقّ بل حتّى وإن كان يراه بعينه، لكنّ مرض نفسه قد أعمى بصيرته، وسدّ أمامه الأفق فلا يتمكن من رؤية شيء إلا ما تدعوه إليه نفسه وأهوائها ورغباتها، حتى لو ألجأه ذلك أن يعلن عن تناقضه العجيب في مسألةٍ واحدة في وقت واحد، فيتغيّر منهجه وتنعكس مفاهيمه وتتحول مبادئه...!
((كان سيّدنا عبد الله بن سلام رضي الله عنه حبراً من أحبار اليهود وكان يقرأ في التوراة ويعلم أنّ النبيّ الأميّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- سيبعث في آخر الزمان، وكان يحبّ أن يراه ويتبعه، فلما جاء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى المدينة ذهب إليه ونظر في وجهه الكريم فقال: لمّا نظرت في وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب. وتأمّله فتحقق أنه هو النبي المنتظر، وقال له إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيّ: ما أوّل أشراط الساعة؟ وما أوّل طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمّه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((أما أوّل أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أوّل طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه، وإن سبق ماء المرأة نزعته)) فقال: أشهد أنك رسول الله حقاً ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك.
فجاءت اليهود فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: ((أي رجل عبد الله فيكم))؟ فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيّدنا وابن سيّدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا قال: ((أرأيتم إن أسلم عبد الله))؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمداً رسولُ الله.
فقالوا: شرنا وابن شرنا وجاهلنا وابن جاهلنا وانتقصوه فلم يدعوا نقيصة إلا ورموه بها، فقال عبد الله رضي الله عنه: هذا ما كنت أخاف عليه يا رسول الله وأحذر. قال سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض أنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام))
فانظر أخي وتأمل، كيف أنّهم رغم اعترافهم أولاً أنّه سيّدهم وأعلمهم وخيرهم لمّا خالف قوله أهوائهم، وخالف قوله رغبات نفوسهم المريضة الممتلئة بالكبر والعجب والغرور والحقد والحسد...!
نكثوا على أعقابهم، وأنكروا ما يعرفونه من حقائق عنه، واتهموه بما ليس فيه إرضاءً لنفوسهم المريضة وصدّاً لها عن الحقّ الذي يسمعوه...!
فكانوا حقّاً قومٌ بهت، يأتون بالبهتان والأكاذيب، ويرمون الشخص بما ليس فيه مع أنّه سيّدهم وعالمهم وحبرهم وخيرهم، وقد كانوا يعترفون بهذا قبل قليلٍ أمّا الآن فقد تغير حالهم، فلا يعترفون بشيء من هذا، بل إنّهم يبهتونه بما ليس فيه وينتقصونه بما يعرفون في قرارة نفوسهم براءته منه، كلّ ذلك بسبب النفوس المريضة، التي لا تحبّ أن يخالفها في أهوائها ورغائبها أحد...!
وإننا وللأسف نرى في هذا الزمن الحاضر، نفوساً قد أضرت بها هذه الأمراض وفتكت بها أيّما فتك، حتى أنّ هذه الأمراض أصابت أصحابها بغبش في الرؤية أو ربما أصابت أصحابها بالعمى في بعض الأحيان والعياذ بالله تعالى ...!
فانقلبت مفاهيمهم السليمة، وانعكست قيمهم ومبادئهم، وتردت أخلاقهم بشكل عجيب، بسبب النفوس المريضة التي تأنّ من مرضها وتحتاج لعلاج وتزكية ... فرأينا من التخلف الحضاري والتردي الأخلاقي الذي يُظهر فساد النفوس ما نراه ونسمعه اليوم، من تهّجم وقدحٍ وتنقيص، وربما سبٍّ وشتم، لأكابر علماء الأمّة من الذين يشهد لعلمهم وإخلاصهم وصدقهم الشرق والغرب، ولمن نفع الله على أيديهم وهدى بهم خلقاً كثيراً، ثم أنّك تقف دهشاً مما ترى ومما تسمع من القدح والتهجم على أشخاص هؤلاء العلماء الأجلاء، من قِبَلِ البعض...!
وتتسائل في غمرة دهشتك واستغرابك، لما كلّ هذا وكيف يصحّ منكم هذا وأنتم تعلمون أنّ الذي تقدحون به اليوم هو من كبار العلماء بنظركم قبل قليل...؟!
فتجد الجواب الغريب والعذر الذي ينطبق عليه قول القائل "عذرٌ أقبح من ذنب" أن هذا كلّه، لأنّ هذا العالم خالف رأيه رأيهم، وخالف اجتهاده اجتهادهم، ولم يفتي لهم بما أرادوه، ولم يقل بما قالوه مما يعتقدون أنّه هو الصواب الذي لا يعتريه خطأ أبداً...!
فتقول لهؤلاء الأخوة: يا إخواني إنّ هذا الذي تتكلمون عليه بهذه الطريقة وهذا الذم والقدح، إنّما هو نفسه المخلص الذي كنتم جميعاً ترون فيه الصدق والإخلاص، وهو نفسه العالم الذي كنتم ترون فيه المكنة العلمية التي لا تجارى، والمبلغ عن الله تعالى أمره الذي لا يتوانى في ذلك، إنّه هو نفسه الذي كنتم تعولون عليه في حلّ المشكلات وتبيين المبهمات، إنّه هو نفسه الذي كنتم تقصدونه لإزالة ما علق في أذهانكم من الشبه والخرافات، إنّه هو الذي مازلتم تستعينون بكتبه التي ملأت مكاتبكم وجامعاتكم ومدارسكم، إنه هو نفسه الذي كانت وما زالت مسموعاته التي تسمعونها -لوقت قريب- ضياءً لكم تهتدون بها من ظلمة نفوسكم وشبهاتها...! إنها ظاهرة كفران العشير التي حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم منها النساء خاصة عندما قال: (إن أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط)، لكن السواد من الأمة قد ابتلي بها اليوم ... فنسأل الله العافية.
فما هذا الذي غيرّكم ومن هذا الذي غرّكم؟! وكيف تناسيتم كلّ هذا وأخذتم تقدحون به، وتذمونه وتصفونه بما ليس فيه، كيف يصدر منكم كلّ هذا الكلام كيف ولما ؟!
وتنصت لعلك تسمع الجواب الذي يسرّك، ولعلك ترى أثر الصحوة في أفئدة هؤلاء الأخوة فتتفاجأ بقول قائلهم: إنّه ليس كما ذكرت إنّه جاهل لا يعرف من العلم شيئاً، إنّ أمثال هؤلاء لا ينطبق عليهم قول عالم، إنّهم خونة، إنّهم مفترون إنّهم متخاذلون، إنّهم إنهم...الخ، ويتكلم بما لا يحسن أن يُذكر من السوء!
فتتركه وتبحث عن غيره، لعلّه يجيبك بأحسن منه جواباً وأبلغ منه حجّة فتسمعه يقول: نعم لقد كان عالماً وكان كما ذكرت من الحنكة والذكاء والعلم والإخلاص لكنه اليوم بات بعد العلم جاهلاً، وبعد أن كان مرجعاً للأمّة، بات هو نفسه لا يعرف كيف يزن الأمور بميزان الشرع، نعم هذا الذي كنّا لا نألوا جهداً في أن نتعلم منهُ ما يحرسنا ويصوننا من الباطل، صار اليوم لا يعلم الحقّ من الباطل، بل ليس هذا فقط، لقد صار ممن أخلد إلى الأرض واتبع هواه...!!
ثم تمعن النظر، وتتركهم وتكلم نفسك: فيما كلّ هذا؟! لما يقولون كلّ هذا الكلام الغريب؟! وكيف تسوغ لهم نفوسهم قولهم بالرجل ما ليس فيه، ونكران الخير والعلم والإخلاص والصدق الذي بين جنبيه؟! فلا تجد إلا جواباً وحيداً ليس هناك غيره إنّها نفوسٌ لم تتزكى، إنّها نفوسٌ مريضة تحتاج للداوء العاجل والسريع...!
فالنفوس المريضة عندما ترى أن هناك من يخالفها في هواها، ويقف ضد رغباتها وحاجاتها، فإنّها حينها تظهر ما كانت تخفيه من بواطن السوء والشر الكامن فيها من الغرور والكبر، ومنّ الحقد والحسد، فهي مريضة أمراضٌ خطيرة كانت بحاجة منذ زمن لأن تشفى منها، ولكنّ أعراضها كانت خفيّة، وعندما وُضعت هذه النفس على المحك واختبرت الاختبار الأصعب، وطُلب منها -لا أن توافق المخالف لها بل- أن تتأدب مع من يخالفها فقط، وعندما طلب منها أن تعلم أن الإجتهادات من قبل العلماء ينبغي أن تحترم وإن كانت مخالفةً لأهوائها، وإن كانت تراها خطأً، وعندما طلب منها أنّ تعلم أنّ العلماء لهم قدرهم ومنزلتهم التي لا يمكنك أن تتعداها، عندها أظهرت هذه النفوس ما كانت تخفيه من قبل، وظهرت أعراض الأمراض الخطيرة الذي كانت تعاني منها...!
هذا هو الجواب ليس غيره أيها الأخوة، إنّه لا يمكنك أن تجد تبريراً لما تسمعه ولما يحصل اليوم غير هذا...! وإنني أتمنى أن تصل هذه الكلمة لأولئك الإخوان حتى يحذروا وينتبهوا من نفوسهم لكي لا يقعوا بما وقع به اليهود الذين كانوا لا يعرفون الحقوق لعلمائهم إلا عندما يوافقونهم، فلمّا خالف العالم والحبر رأيهم، وخالف أهوائهم نسوا كلّ ما كانوا يعلمونه فيه من علم وفضل، بل تناسوا ذلك وأنكروه، ورموه بكل صفّة سيئة وبكل قول قبيح...!
لا أيّها الأخوة، لا ينبغي لنا أن يكون هذا شأننا نحن المسلمين، بل ينبغي لنا أن نعلم قدر علمائنا الذين ما علمنا عنهم في حياتنا، بل لم يعلم آبائنا وأجدادنا من قبلنا عنهم إلا كلّ علمٍ وخيرٍ وصدق وإخلاص، فبأي حقٍّ نأتي اليوم لننزع عنهم شيئاً من هذه الصفات التي تواترت عنهم، وعلمها القاصي والداني، بأيّ منطق وأي عقل وأي شرع وأي دين نفعل هذا...؟!!
إنّه منطق النفوس المريضة إنّه منطق النفوس التي تحتاج إلى تزكية لينجوا صاحبها ويكون من المفلحين قال الله تبارك وتعالى: ((قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها))
يجب علينا أن نؤدي الحقوق لأهلها، وأن نعرف لكلّ واحد حقّه...! يقول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((ليس من أمتي من يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقّه)) رواه الإمام أحمد في مسنده.
يا أخي الكريم لنعرف لعلمائنا قدرهم وحقّهم، ولنعرف لأخيارنا حقّهم وقدرهم، ولنعرف لساداتنا قدرهم، وإلا هلكنا فيمن هلك، وما تهلكنا إلا نفوسنا الأمّارة بالسوء التي لم تتزكى، والتي تريد أن تنتصر لرغباتها وأهوائها حتى ولو كان ذلك بالمخالفات والمعاصي نعوذ بالله تعالى من ذلك...!
فيجب أن تعلم أنّ العالم له حرمة، وأنّ حرمته عند الله عظيمة، فقد قال سيّدنا الإمامُ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وكرّم الله وجهه: ((العالم أفضل من الصائم القائم الغازي في سبيل الله، وإذا مات العالم شيّعه سبعة وسبعون ألفاً من مقربيّ السماء، وإذا مات العالم إنثلم بموته في الإسلام ثلمّةً لا تسد إلى يوم القيامة))!
ألا تستشعر أخي هذه الأهميّة والقدر والعلوّ للعالم ؟!، هل تعلم من الذي أولاه هذه الأهمية ؟!، هل هي من عند مؤسسات أو هيئات ؟، أم من عند دول وملوك ؟!، إن هذا التعظيم وهذه الأهميّة، لم تكن من قِبَلِ هيئات ولا دولٍ ولا مُلوكٍ، بل هي لهم من قِبَلِ ملك الملوك...!
من قبَلِ الخالق العظيم الذي يقول للشيء كن فيكون، العظيم الذي لا عظيم إلا من عظّمه، والكبير الذي لا كبير إلا من كبّره، والربّ الذي لا محبوب إلا من أحبّه ولا مقرَبّ إلا من قرّبه ، ولذا فيا أخي الكريم لنشفق على أنفسنا ولنعرف قيمة علمائنا وكبارنا، وإيّاك أخي الحبيب أن تشارك في هذه الحملة الشرسة الخبيثة التي لا أستبعد أن يكون من يقودها اليوم، هم أحفاد اليهود الذين قالوا لعبد الله بن سلام إنّه شرّنا وابن شرّنا وجاهلنا وابن جاهلنا، بعد أن قالوا له خيرنا وابن خيرنا وعالمنا وابن عالمنا، إنّ أحفادهم وأتباعهم إلى هذا اليوم يعملون على هدم الرموز الصالحة للأمّة، وعلى هدم القيم والمبادئ الإسلامية الراقية وعلى إماتتة الخلق الحسن في نفوس المسلمين، فإيّاك أخي أن تنخرط في مخططهم البشع الأسود الأسوء، إيّاك أن تتيه بك السبل فتدخل في انتقاص العلماء والوقيعة في أعراضهم إياك أخي الكريم أن تكون ممن يخوض في القدح والنيل منهم، لا يا أخي أشفق على نفسك، وارحمها...!
ألا تعلم أنّك ستقف بين يدي الله تعالى وسيسألك، وسيحاسبك على كلّ صغيرة وكبيرة، فمن أنت حتى تدخل لقلوب العباد ونيّاتهم، وتتهمهم بما ليس فيهم هذا إذا كان للعامة فكيف إذا كان بالعلماء الذي يجتهدون لنصرة الحقّ والدين، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر...!
نعم لك أن تتبع من تثق بعلمه وصدقه، لكن إيّاك أن تسيء للعلماء الآخرين -الذين شاع علمهم وعرف صدقهم - فتقدح بهم وتتهمهم بما ليس فيهم لمجرد مخالفتهم لرأيك وهواك، إذاً أنت تنجرّ بذلك خلف حملة اليهود وأتباعهم التي يروجونها لهدم الرموز، ولقلب الحقائق، والعبث بالقيم والمبادئ، والأقبح من هذا كلّه أنّ نفعل هذه المصائب ونقترف هذه الكبائر ثم نبرر الأعمال والأقوال الشنيعة والأخلاق المتردية نبرر كلّ هذا باسم الدين، ويا عجباً! إنّ هذا ينطبق عليه قول أحد شيوخنا حفظهم الله تعالى حين قال: أسوء تبرير لخرق الفضائل الأخلاقية ما ألبس جلباب الدين، فإنّ فيه تعدٍ على الخلق والدين معاً ... !
فيا أخي الكريم خذ نصيحتي هذه ولا تسمع للمبطلين، واتق الله، وجاهد نفسك، واعمل على تزكيتها فأنت بتزكية النفس تفلح وتنجح، وحالك يصلُح وتربَح.
قال الله تبارك وتعالى: ((قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها))، ولله درّ من قال
يا خادم الجسم كم تسـعـى لـخـدمـته أتطلبُ الربحَ مما فيه خسرانُ ؟!
أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، فإنّه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنّا سيئها فإنّه لا يصرف عنّا سيئها إلا أنت، لبيك اللهم وسعديك والخير كلّه بيديك والشرّ ليس إليك، إنّا بك وإليك ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم، وصلّى الله وسلّم وبارك على سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله وأصحابه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين...!
[1] رواه أحمد والحاكم وغيرهما بألفاظ متقاربة

تحميل