مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 15/03/2012

أسواق مدينة دمشق القديمة

معالم الشام

أسواق مدينة دمشق القديمة


"أسواق هذه البلدة من أحفل أسواق البلاد وأحسنها انتظاماً وأبدعها وصفاً، لا سيما قيسارياتها، فهي مرتفعة كالفنادق، ولها سوق يُعرف بالسوق الكبير، يصل من باب الجابية إلى باب شرقي، وفيه بيت صغير جداً قد اتخذ مصلى، وفي قبلته حجر يقال إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان يكسر عليه الآلهة التي كان يسوقها أبوه للبيع" ا.هـ كتاب / رحلة ابن جبير / لأبن جبير من علماء القرن السادس الهجري.


ويقصد ابن جبير بالسوق الكبير، الشارع المستقيم وما يحيط به من أسواق صغيرة متفرعة.


ظهرت مدينة دمشق كأقدم عاصمة في العالم، وأقدم مدينة مأهولة بالسكان، كانت عاصمة الآراميين، ثم أصبحت فيما بعد قلب الامبراطورية الرومانية، ومركزاً تجارياً هاماً للرومان، لتسويق وتوزيع المنتجات بين أوروبا والشرق.


حيث قام الرومان بتجديد بناء مدينة دمشق على حطام البناء القديم، وزاد من شهرتها عندما أصبحت مركزاً للديانة المسيحية في العصر البيزنطي عام 39م.


وازدادت أهميتها بعد الفتح الإسلامي، وبدأت الأسواق الدمشقية القديمة في الظهور كظاهرة فريدة الصنع والجمال، وفي زيادة من عددها مع تعدد تخصصاتها، وفي العصر المملوكي والأيوبي والعصر العثماني، حيث أخذت في لفت أنظار السائح العربي والأجنبي على حد سواء.


فأسواق دمشق القديمة، قائمة على أرض قديمة العهد، تفوح منها عبق هذا القدم، ومزينة ببضائع مختلفة الألوان والأغراض تحمل الزائر وتطوف به لكل زمان بنفس المكان، تماماً مثل الحكاية الجميلة.


بدأت هذه الأسواق الظهور في العصر الروماني، مكشوفة السقف مزودة بأروقة جانبية، مثالها الشارع المستقيم، الذي كان يمتد من باب الجابية إلى باب شرقي على طول 1600 متر، بناه القائد الروماني بومبي عام 64 ق.م، وسُمي بشارع الأعمدة لبناء الأعمدة الضخمة على جانبية، حيث عُثر على بعضها أثناء مشروع ترميم السوق عام 2008م.


وكان الذي يقف في باب الجابية يرى الباب الشرقي، أخذت ملامح هذه السوق تتغير، بعد الازدهار الاقتصادي وزيادة الطلب لأسواق جديدة، ولا ننسى أن في سوق الشارع المستقيم تتوزع الكنائس الجميلة والعريقة وأشهرها (حنايا)، وعلى طرفي الشارع المحلات التجارية المتنوعة البضائع، وهذا السوق داخل السور القديم، والآن قبل المضي في جمال أسواقنا لا بد أن نذكر كلام "مالك بن بني" في تعريف الحضارة حيث قال: "الحضارة تسير كما تسير الشمس، فكأنها تدور حول الأرض مشرقة في أفق هذا الشعب، ثم متحولة إلى أفق شعب آخر".


فهي محاولات إنسانية للوصول إلى حياة أفضل فهي حصيلة جهود أمم، فالأسواق بدأت غير مسقوفة، وبتصميم يميز الرومان، ثم تتالت عليها بعض التغيرات بعد المجيء لفتح الإسلام، وبقدوم الوالي العثماني مدحت باشا 1878 أصبح للسوق الطويل (الشارع المستقيم)، ملامح جديدة، أخذ بتوسيع السوق القديم بإضافة محلات تجارية جديدة وعلى مساحات واسعة وفرعية من السوق الطويل، لدرجة أن الباب الشرقي لم يعد يُرَى من باب الجابية.


فأصبح هذا السوق يسمى سوق مدحت باشا، وقالت المصادر أن الأسواق القديمة يبلغ عددها خمسين سوق، لم يبقى منها إلا بحدود العشرين سوق.


وأخذت تُنسب الأسواق إما إلى الحرفة القائمة فيها، أو إلى اسم بانيها، ومعظم الأسواق القديمة داخل السور القديم وحول الجامع الأموي.


فقط سوق السنانية الذي ينسب إلى الوالي العثماني سنان باشا، وسوق الدرويشية نسبة إلى الوالي العثماني درويش باشا 982ه - 1574م ، هذان السوقان يقعان خارج أسوار المدينة من جهة الغرب.


هذا وسوف نقوم بزيارةٍ لأهم أسواقنا القديمة، التي ما زالت محط أنظار السائح الأجنبي والعربي، للشكل الجمالي التي اكتسبتها، فهي على أرض قديمة، يفوح منها عبق هذا القدم، ومزينة ببضائع مختلفة الألوان والأغراض، تحملنا وتطوف بنا لكل زمان، تماماً كالأساطير والحكايا الجميلة.


سوق مدحت باشا:


نعود لسوق مدحت باشا الذي سمي بالسوق الطويل، ثم بسوق جقمق نسبة إلى الأمير سيف الدين جقمق 822هـ / 1419م، ونائب السلطنة في دمشق، ثم أخذت معالم السوق بالتغيير في عهد الوالي مدحت باشا الذي أنشأه عام 1878م.


يمتد فوق سوق الشارع الطويل ( المستقيم ) مع أسواق فرعية تحيط به ، وسوق مدحت باشا موازي لسوق الحميدية. وفي نهاية هذا السوق باتجاه الباب الشرقي توجد عديد من الكنائس الجميلة العريقة، وأهمها كنيسة (حناينا) التي تعود إلى العهد البيزنطي.


أما ماذا يبيع هذا السوق:


يضم سوق مدحت باشا محلات تجارية كثيرة مختلفة البضائع ومتعددة الألوان، فهناك محلات للمناشف، الحرامات، بياضات، حبوب، بذور، بهارات، قهوة، نحاسيات، مشربيات.


هذا السوق أصبح مع العصور ثاني أهم أسواق دمشق القديمة بعد سوق الحميدية. 


سوق الحميدية:


نأتي الآن إلى سوق الحميدية، والذي لا تكتمل رحلة الزائر لدمشق إلا بزيارة هذا السوق.


وتعود نشأته إلى العهد العثماني، في عهد السلطان عبد الحميد عام 1863م، والذي وقد نُسب إلى اسمه، يتميز هذا السوق بسقفه من الخشب (سابقاً) ثم من الحجارة تفادياً للحريق.


يمتد سوق الحميدية من باب السعادة القديم عند جنوبي القلعة حتى الجامع الأموي، ويمتد من فوق خندق القلعة.


إذاً بداية سوق الحميدية من نهاية شارع النصر مع شارع الثورة (وهو عند باب النصر سابقاً)، وينتهي عند بوابة معبد جوبتير الدمشقي الإغريقي أشهر المعابد القديمة الإغريقية (القريبة من باب البريد)، حيث نجد أعمدته الرخامية المرتفعة المزينة بكؤوس مزخرفة من الرخام، وأمامه ساحة يعتقد أن تحتها ساحة المعبد الإغريقي، ومن الساحة نجد أنفسنا أمام البوابة الرئيسية للجامع الأموي.


قبل أن ندخل سوق الحميدية يجب أن نشير إلى بعض الأوابد الأثرية التاريخية، التي تحيط بهذا السوق، حيث تتوضع قلعة دمشق الشهيرة، التي هي من أهم الآثار العسكرية الأيوبية 599ه، 1202م بناها الملك العادل الأيوبي تتألف من أثنى عشر برج، ولها بابان في الجهة الشرقية تفتح على المدينة، والثاني وفي الجهة الشمالية من جهة بردى، محاطة القلعة بخندق مياه، كان في داخلها قصور وحمامات ومساجد، ومقر للسلاطين.


والتي يقف أمامها تمثال البطل القائد صلاح الدين الأيوبي، وضريحه الذي يقع بين السوق وحي العمارة التاريخي وهو بجوار الأموي من بابه الشمالي، عند المدرسة العزيزية التي بناها الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين الأيوبي 592/1195، وقد تهدمت المدرسة وبقيت التربة.


يتخلل هذا الشارع المكتبة الظاهرية التي بناها الظاهر بيبرس أيام حكمه لدمشق، وهو أشهر سلاطين المماليك، دُفن في المدرسة التي بناها 678/1279، ودفن معه ابنه الملك السعيد. ومقابلها المدرسة العادلية الكبرى والتي دفن بها الملك العادل.


هذا مع وجود مبان ومساجد قديمة.


عودة لسوق الحميدية الذي بُني على مرحلتين: الأولى في عام 1780 عهد السلطان عبد الحميد الأول، بطول 600 متر وعرض 15 متر، مسقوف بالخشب، الذي استُبدل الخشب بالحديد والتويتاء لحمايته من الحريق في عهد الوالي حسن ناظم باشا، وعلى حوامل نصف دائرية معدنية، وعلى جانبيه المحلات التجارية، سُمي السوق بالسوق الجديدة، وكان يسمى بسوق الأروام في العهد اليوناني.


أما المرحلة الثانية في عام 1884م عهد السلطان عبد الحميد الثاني، حيث قام بتوسيع السوق الجديدة، وسمي بسوق الحميدية نسبة إلى السلطانين، والذي أصبح في القرن التاسع عشر ميلادي من أهم المراكز التجارية في دمشق.


ولا ننسى في هذا السوق وجود البيمارستان النوري الذي أصبح متحف الطب والعلوم عند العرب.


ومن جهة الجنوب مسجد السيدة رقية، وقيل هي بنت الحسن الصغرى والتي توفيت وهي صغيرة من شدة الحزن.


وحول سوق الحميدية يوجد أقدم المباني الأثرية: بيت جدي، بيت نظام الدين، قصر نعسان، مكتب عنبر، مقهى النوفرة.


 وسوق الحميدية نجده دائماً في حالة نشاط مستمر، فسقفه الجميل قد أعطى للزائر فرصة التسوق عبقة وراحة، حيث يحميه من شمس الصيف، ومطر الشتاء، مما يتسنى للزوار التسوق دون ملل وتعب، خاصة وأن محلاته التجارية تتنوع فيها البضائع المختلفة الأغراض البديعة الألوان.


مصنوعات نحاسية - أقمشة بأنواعها - صناعات تراثية - ملابس جاهزة - أدوات للزينة - أحذية مفروشات - سجاد – سجاد – تحف - هدايا وغيرها.


يمتد سوق الحميدية إلى سوق المسكية أمام الأموي وعند أعمدة جوبتير وهو سوق القرطاسية والكتب.


واشتهرت الحميدية بوجود محلات تبيع البوظة العربية (الآيس كريم المصنوعة بالدق)، أشهرها محل (بكداش) الذي زاره شخصيات كبيرة ورسمية طلباً بالاستمتاع بمذاق هذه البوظة، وهو معروف منذ 125 سنة.


أما الأسواق المتفرغة عن الحميدية والمسماة كلاً بحسب تخصصها.


سوق البزورية:


يصل ما بين سوق مدحت باشا وقصر العظم، وهو مشهور بحوانيته الصغيرة، يُباع فيه كل ما يتعلق بالأغذية والحبوب، والبهارات، الفواكه المجففة، العطورات، واللوز والفستق والفواكه المجففة والأعشاب الطبية، وحلويات الأعراس، والمناسبات كالسكاكر والشوكولا والملبس.


 وكان يسمى بسوق العطارين، هذا السوق مغطى جميعه بساتر معدني، وفي بداية هذا السوق يوجد أشهر قصر دمشقي وهو قصر العظم.


سوق الصاغة: 643هـ/ 1245م


بين البزورية والحميدية يُعرض فيه المصوغات اليدوية.


سوق الحريقة:


خلف الحميدية ومخصص لبيع الأقمشة


سوق القباقيب:


المجاور لسوق البزورية وهو سوق صغير، اشتهر بالقباقيب، التي تحدث صوتاً مميز على الأرض، واستغل التجار كثرة الأجانب قاموا بصناعة مميزة وهي مجسمات الكراسي القش، أو قطع تزينية كمزهريات الرمل.


سوق الحرير:


ويسمى بسوق النسوان أو سوق (تفضلي يا ست) لكثرة ما ينادي الباعة على المتفرجات، وهو من الأسواق المميزة والمتفرعة عن الحميدية والتي تقع بين مدحت باشا والحميدية، أنشأه درويش باشا عام 1574م ، ويقع مدخله في آخر سوق الحميدية، بالقرب من الجامع الأموي، وعنده باب الحرير أو الحديد ، ويؤدي سوق الحرير إلى سوق الخياطين.


سوق الجمرك:


يباع فيه الأقمشة الحريرية، الأغباني، وإلى جانبه سوق الصوف يختص ببيع الصوف بأنواعه.


سوق الخياطين:


أنشأه الوالي العثماني شمس الدين باشا 1553م الذي يتميز بوجود أقدم مدرسة للحديث بناها نور الدين زنكي دار الحديث النورية، ووجود مقام الشهيد نور الدين زنكي -ومقام ابن ابي العيد وبجانبه الشيخ صالح عبد القادر الكيلاني. وفي هذا السوق يُباع لوازم الخياطة والحياكة.


وإذا عدنا إلى سوق المسكية حيث يقع خلفه سوق البريد الذي يضم مطاعم ومحلات لبيع المأكولات الشعبية، إضافة إلى الكتب والقرطاسية.


وإذا تابعنا المسير إلى الشمال نصل إلى سوق النحاسين، وسوق المناخلية وسوق السروجية المخصص للسروج.


أما سوق العصرونية المخصص لبيع مستلزمات البيوت والمطابخ المنزلية، يتخلل هذا السوق المدرسة العادلية الصغرى التي أنشأتها زهرة خانون ابنة السلطان العادل الأيوبي.


والعصرونية جاءت من وجود المدرسة العصرونية التي بناها الإمام شرف الدين عبد الله بن محمد بن أبي عصرون في العهد الأيوبي، حيث يوجد مقامه هناك، في إحدى هذه المكتبات حالياً.


وسوق الجابية - وسوق باب سريجة والمغطى بساتر معدين، مخصص لبيع الخضار والفواكه، والمنتجات الغذائية والأسماك الطازجة.


وسوق مردم بك المغطى أيضاً، مخصص لبيع الألعاب، والأدوات الرياضية والشرقيات.


ويتخلل هذه الأسواق حوانيت للحلاقين، حيث كانوا يدعون المارة للحلاقة.


وهناك أسواق تقع في الساحات العامة والمكشوفة كسوق الجمال في حي الميدان، وسوق الغنم والبقر، بالقرب من قلعة دمشق، سوق الخيل زمن الأمير تنكز.


أما الأسواق الحديثة: سوق الصالحية الموازي لسوق الحمراء، سوق الجمعة، سوق المزة، سوق حبوبي .... جميعها جاءت على شكل جديد.


وبعد هذه الجولة الجميلة، نقول:


هذه هي أسواق دمشق القديمة التي كان لها نكهة خاصة تميزها عن بقية الأسواق، تجعل المتسوق يُحلق في عالم جميل، لما تكسوه من ألوان زاهية وروائح ندية، والمقامات الشريفة الموزعة بين حاراتها تُبارك للبائع والمشتري، وتذكرهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (رحم الله امرئ سمحاً إذا باع وسمحاً إذا اشترى).


 


المصادر والمراجع:


رحلة ابن جبير / لابن جبير


دمشق / لعبد القادر الريحاوي


العمارة الإسلامية / لعبد القادر الريحاوي