مميز
الكاتب: الدكتور محمود رمضان البوطي
التاريخ: 15/11/2019

الإسراف والتبذير .. نذيرا شؤم يتهددنا

مقالات

ظواهر ومظاهر سلبية لم تعرفها الشام قبل قرن أو نصف قرن من الزمن، ولعلها من أسباب انمحاق البركة في حياتنا، وكثرة المصائب في بلدنا، هذه الظواهر تشهدها المجتمعات الإسلامية عموماً الغنية والفقيرة. الكل واقع في براثنها، إنها مظاهر الإقبال على نعمِ الله بتعالٍ وكبرياءٍ، إنها مظاهر الإسراف والتبذير وعدم تقدير النعم التي يكرمنا لله سبحانه وتعالى بها. مظاهر تخالف الذوق الإنساني الرفيع وتتعارض مع مظاهر الحضارة الإسلامية، وتناقض ثوابت ديننا الحنيف التي لا تتبدل بتبدل الأزمان والأوطان، كما لا تختلف باختلاف أحوال الناس ما بين شدة ورخاء.


فلماذا قلبنا للمنهج الإسلامي في التعامل مع النعم والموارد التي يكرمنا الله سبحانه وتعالى بها ظهر المجن، وهو منهج نص الله سبحانه وتعالى على خطوطه العريضة في قرآنه، وأكد المصطفى صلى الله عليه وسلم جوانبه التفصيلية في سنته.


يقول الله تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) . ويقول سبحانه: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) . قال علماء الأصول: إذا كان النهي في النص نهياً جازماً فالنهي يفيد التحريم، والحرام ما يثاب تاركه امتثالاً ويعاقب فاعله.


والإسراف: كما قال علماء اللغة صرف الشيء فيما لا ينبغي زائدًا على ما ينبغي، أو هو تجاوز الحد في كلِّ فعل يفعله الإنسان. وأما التبذير: فهو إنفاق المال في غير حقِّه. والأبواب التي يتصور فيها الإسراف والتبذير كثيرة. أبرزها: الإسراف في الطعام والشراب، في تكديس اللباس، عند استخدام الماء والكهرباء، والإفراط في اقتناء أي سلعة زيادة عن الحاجة، رمي وإتلاف ما له قيمة مما يمكن أن ينتفع به الآخرون، كل ذلك من الإسراف والتبذير المحرم والممقوت عند الله عز وجل، سواء صدرت هذه التصرفات من غني أو فقير.


ودعوني أضع النقاط على الحروف أكثر، وأبين بعض صور ومظاهر هذه الظاهرة في مجتمعنا:


بالنسبة للكهرباء، كم من أنوار قد أضيئت في بيوتنا في مساجدنا في شوارعنا وليس هناك من يستفيد من هذا النور الضائع، إما لسطوع الشمس في وضح النهار ترفاً، أو لعدم وجود من يستفيد من النور الذي أضيء في المكان ليلاً، هذا من الإسراف والتبذير المحرم لأنه تبديد للموارد بلا طائل وصرف للشيء فيما لا ينبغي. ونحن كثيراً ما نقع في هذا الحرام ولا نبالي.


وبالنسبة للماء، يملأ أحدنا كأس ماء فيشرب نصفها ويريق البقية، وكم من صنبور في بيوت ومرافق المسلمين لم يغلق بإحكام تتابع نقاط الماء منه هدراً، ولو جمعنا هذا الماء المهدور لتشكل منه سيلاً ضائعاً كم من أناس هنا وهناك بأمس الحاجة إليه، وفي الوقت ذاته نرى أناساً يغسلون مركباتهم، أو يريقون الكثير من الماء أمام بيوتهم هكذا من دون ضرورة ولا مبالاة. أليس هذا من مظاهر عدم تقدير النعم وتبديد الموارد التي يحق لك الانتفاع بما تحتاج إليه فقط، وما زاد فليس من حقك أن تبدده، هناك أناس على مقربة منك لا تصل إليهم الماءُ لقلتها، ولئن كنت ترى أن الماء موفور لك بشكل أو بآخر فإنه عما قريب يمكن أن يذهب، ولست بمأمن عن ذلك.


حتى عند الوضوء والغسل اللذين تعبدنا الله عز وجل بهما، كم وكم يحمل الناس الوزر من حيث يسعون إلى الأجر، ولو أني حدثتكم عن المنهج الإسلامي والهدي النبوي في استخدام الماء عند الوضوء والغسل وهما من العبادات، لعلمتم كم نحن واقعون في الآثام عند استهلاك الماء في المباحات. فقد روى الإمام أحمد وابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ ؟ قَالَ. أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ). وقد ثبت في الصحيح عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ. ولمسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وسلم (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، يَسَعُ ثَلاَثَةَ أَمْدَادٍ، أَوْ قَرِيباً مِنْ ذلِكَ). والمد نصف لتر من الماء، والصاع أربعة أمداد يعني ما يقارب لترين.


ورحم الله رجالاً من أهل هذه البلدة كان أحدهم يفتح الصنبور بأقل ما يسمى فتح، حتى لكأن الماء ينزل كالخيط، وإذا أراد أن ينتقل بين عضو وعضو خلال الوضوء يغلق الصنبور. ويقول: هناك أناس بحاجة لهذا الماء الذي يهدر. واعلم أخي القارئ أنك عندما تدفع قيمة الماء الذي تهدره لن ترفع بذلك الوزر عن كاهلك.


أيضاً كم هيَ بقاياَ الطّعامِ التي تُلقى بينَ الأقذارِ في الفنادقِ والمطاعم وفي بيوتِ المسلمين، يلقونها بعدَ أن شعرواَ بالشِّبَعِ كما يلقون المهملات، ومن الناس من يمسح يديه وفمه بشمم وأنف ثم يضع المنديل على بقية الطعام ليرمى جميعه في المهملات، وبطون فقراء المسلمين وأولادهم جائعة هنا وهناك، هذا التصرف القميء لا يوزن بميزان ذوق ولا بفهم ولا بأخلاق ولا بدين من كفران النعمة. في كل يوم نرى على قارعة الطرق بقايا طعام مرمية أمام حاويات القمامة، بقايا الخبز - بل أرغفة خبر في بعض الأحيان - منثورةً، والرّبُّ يرى، والمنعمُ المتفضّلُ يراقب، ورسولُ اللهِ يقول: (أكرموا جوارَ نعمِ اللهِ فإنّها إن ذهبت لن تعود). وهيَ موشكةٌ أن تذهب إن لم نتب توبةً نصوحة من هذه الأعمال المشينة، إن نتف الخبز هذه لأشبه ما تكون بإنسان عزيزة عليه نفسه، إن أهنته قلب لك ظهر المجن وأدبر عنك وهيهات أن يعود. ما ضر لو وضعنا على موائدنا قدر الحاجة، وما زاد بعد ذلك من طعام يكرم ويحفظ ليؤكل لاحقاً.


ومن مظاهر التبذير أيضاً الأوراق والكتب التي ترمى في الشوارع وخاصة نهاية العام الدراسي، هل تدرون كم من أسرة تعيش على قيمة هذه الأوراق إذ يبيعونها لمصانع إعادة التدوير لتصنّع من جديد، ناهيك عما في صورة رمي هذه الأوراق والكتب من ازدراء للغة القرآن، ولما فيه من امتهان لأسماء وكلمات معظمة قد تضمنتها وإن لم تكن كتب دين.


وهناك مظاهر أخرى للإسراف والتبذير لا مجال للتفصيل فيها في هذه العجالة، من تكديس للثياب وأناس في بلدتكم بحاجة إلى أن يتقو بها برد الشتاء وحر الصيف، من استبدال للهواتف المحمولة والسعي للحديث المتطور في وقت كان الأولى أن يسد بهذا المال حاجة أخ لك قد أرهقه دفع آجار بيت يأوي إليه مع صغاره .. ومن ومن ومن ... ومظاهر الإسراف والتبذير لا تنقضي لو أردنا حصرها.


فإن كنت يا أخي القارئ ويا أختي القارئة ممن قد عافاكم الله من بلاء الإسراف والتبذير، فإن لكم في هذه التذكرة ما يحثكم على تذكير وتنبيه غيركم، الإسراف والتبذير .. نذيرا شؤم يتهددنا، وواجب النصح منوط في عنق كل مسلم.  

تحميل