مميز
الكاتب: الدكتور محمود رمضان البوطي
التاريخ: 18/06/2020

أليس الله بكاف عبده ؟!

مقالات

تدني قيمة النقد، الغلاء، الفقر .. محور حديث الناس وشغلهم الشاغل، بل إنه الهاجس الذي يؤرق اليوم فكر الكثيرين، أينما حللت وإلى أي فئة أصغيت وجدتهم حول هذا يدندنون؛ كلام ينم في فحواه وجوهره عن التذمر والشكوى من الوضع الاقتصادي الصعب؟!


ومن المخجل أن ننسى في خضم هذه الظروف النعمَ الجليلة والأعطيات الجزيلة التي لم ينقطع رفدُها من الله عز وجل، كيف لا؟ والمنعم المتفضل سبحانه وتعالى يرى ويسمع كيف ذهلنا عما أكرمنا به من نعم نتقلب بها، وحسبكم نعمة العافية التي تفيض بها أجسامنا، ونعمة الأمن والأمان، ونعمة المأوى، ونعمة الكفاية ...


ترى .. ماذا يفيد الرخاء والغنى وتوافر أسباب الرفاهية لو أن مرضاً ألم بولدك، فخرجت تجوب به الطرقات طولاً وعرضاً تقرع أبواب المشافي، أو تقف لساعات على باب طبيب تستجدي معاينته؟ ماذا يفيد المال عندما تجد نفسك قد سلبت نعمة الأمن والأمان وغدوت فريسة سهلة للصوص والمجرمين؟ ماذا يفيدك توافر السلع بأرخص الأثمان وأنت في العراء لا تملك بيتاً يؤويك وأسرتك. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما رواه البخاري في الأدب والترمذي: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِه، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا". أي من جمع الله له بين عافية بدنه وكفاف عيشه مع قوت يومه وسلامة أهله، فقد جمع الله له جميع النعم، فينبغي ألا يستقبل يومه ذلك إلا بشكره ولا يفتر عن ذكره كما قال العلماء. ومن منا اليوم من لم تجتمع له سائر هذه النعم؟!


فحذار أن تنسيكم الجعجعة التي تخوضون بها أو التي تتردد على أسماعكم نعمَ الله عز وجل، فتزعزع رضاكم عن الله وتنسيكم شكره، فتخرجكم من دائرة (رضي الله عنهم ورضوا عنه)، وتدخلكم في دائرة (وقليل من عبادي الشكور). ولنستبدل جلسات التذمر والتأفف هذه بجلسات توبة وإنابة على ما فرطنا في جنب الله عز وجل، ولنذكِّر إخواننا بشكر النعم التي قد غُمر بها كل واحد منا من فرقه إلى أسفل قدمه. إذ بالشكر تدوم النعم، وبجحودها تزول.


فإن كان كَبُر على أحد تنفيذ هذه النصيحة؛ لأنه يرى أنه يتقلب بشقاء لا مثيل له في دول العالم. ويكرر عبارات من قبيل: أي حياة تعيسة هذه؟ (شو هالعيشة بهالبلد؟!)، ويرى أن الله تعالى قد جرده من نعمه، وأنه قد قطع عنه رفده - وليس هو بذاك الرجل، فإني أنصحك يا هذا بدلاً من أن تشكو الله إلى خلقه وتبث شكواك لعبد مثلك لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، أنصحك بأن ترفع يديك إلى علياء سماءه وتسأله أن يرفع البلاء .. لأن التذلل على باب الله عينُ العز، والشكوى لغير الله عين الذل.


نفكر بكل الحلول، ونقرع كل باب، ونتخذ كل حيلة ووسيلة خوفاً على الدنيا أن تتفلت من أيدينا، ولا نلتفت إلى باب من أرسل البلاء، وسلط الأعداء. ألم تقرأوا قول الله تعالى: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ". أي هلا تضرع هؤلاء الذين أخذناهم بالبأساء والضراء، فاستكانوا لربهم وخضعوا، فيصرف عنهم بأسه وعذابه. إن هي إلا معادلة بسيطة قد لخصها سيدنا العباس رضي الله عنه بقوله: ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة.


لقد شغلتنا الدنيا وشؤونُها، فنسينا أمرَ الآخرة وشؤونَها. والنبي صلى الله عليه وسلم فيما رواهُ أحمد وابنُ ماجه والحاكمُ يقول: "من كانتِ الدّنيا همّهُ شتّتَ اللهُ شمله، وجعلَ فقرهُ نُصبَ عينيه، ولم يأتهِ من الدّنيا إلا ما كُتِبَ له. ومن كانتِ الآخرةُ همّهُ جمعَ اللهُ شمله، وجعلَ غناهُ في قلبه، وأتتهُ الدّنيا وهي راغمة".


فلماذا تشتت همك بين واجبات الدنيا ومتطلباتها؟! والرزق مقسوم والأجل مكتوب، أرح نفسك من التدبير. فإن الرزاق قد تكفل بشؤون خلقه، وقد روى الترمذي من حديث سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً". فأين المتوكلون على الله؟


والله تعالى يقول: (أليس الله بكافٍ عبده ويخوفونك بالذين من دونه). بلى يا رب .. أنت بذاتك وعظمتك من تكفينا وتؤوينا وتطعمنا وتسقينا، توكلنا عليك في كل شؤوننا وهمومنا ومشكلاتنا، وإن كان رزقنا منوطاً بالدولة الفلانية والجهة الفلانية فلا حاجة لنا بهذا الرزق. هذا ما ينبغي أن يكون عليه لسان حالنا؛ لأن أهل التوكل واليقين لا تزيدهم الشدائد إلا يقيناً بالله ومعرفة بالله وتوكلاً على الله .. وما هذه القوانين الخارجية والإرجافات الداخلية بالنسبة لهم إلا هباء ما يلبث أن يتلاشى.


وخلاصة القول: كل ما تسمعونه من هذرمات؛ أصوات فارغة كصوت الطبل، لا تنقص من رزقك المقسوم ذرة، ولا تقدِّم من ميعاد أجلك لحظة، لكنها تحمل في طياتها نداءً يقول لك: تب إلى ربك، أقلع عن ذنبك، تنبه من غفلتك .. فهل من مستجيب؟!

تحميل