مميز
الكاتب: الأستاذ بشار بكور
التاريخ: 24/12/2011

عُشَّاقُ الكتبِ

مقالات
عُشَّاقُ الكتبِ
بشار بكور
قديماً قيل: وللناس فيما يعشقون مذاهبُ[1]
حقّاً، إن الناس شتى في العشق: فقوم يعشقون المال، وآخرون يلهثون وراء السيادة والجاه، و قسم تراه مُدَلَّهاً بالنساء، و نوع آخر قد كَلِفَ بغير هذه المذكورات مما يُحمَد ومما يذم. أما عشاق الكتب فحديثهم ذو شجون، حديث ليس بالسرّ، حديث تسمعه و تراه وتحسّه في حياتهم، في أخبارهم، في أقوالهم، في أفعالهم... حديث باق على وجه الدهر، لا يفنى حتى تفنى الأرض وما عليها من كتب هؤلاء العُشّاق و آثارهم.
فإن هؤلاء العشاق ما كان يؤنسهم في وحشتهم إلا الكتبُ والدفاتر، ولا يصحبهم إلا الأقلامُ والمحابر.
قال قائلهم:
سَهَري لتنقيح العلومِ أَلذُّ لي
وتمايُلي طَرَباً لحَلِّ عويصــــــــــــــةٍ
وصَريرُ أقلامي على أوراقهــا
وألذُّ من نقْر الفتاة لدُفِّهـــــــــــا
من وصلِ غانيةٍ وطِيب عِنــــــــاقِ
أشهى و أحلى من مُدامةِ ساقِ
أحلــــــــــى من الدُّوكاه والعُشَّــــــــــاقِ
نَقْري لألقي الرَّملَ عن أوراقــــــــي[2]
قال بعضهم: كنت عند أبي أيوب أحمد بن محمد بن شجاع، فبعث غلامه إلى اللغوي، محمد بن زياد، المعروف بـ"ابن الأعرابي" يسأله المجيءَ إليه فعاد إليه الغلام، فقال: قد سألته ذلك فقال لي: عندي قوم من الأعراب، فإذا قضيتُ أرَبي معهم أتيت. قال الغلام: وما رأيت عنده أحداً إلا أني رأيت بين يديه كتباً ينظر فيها، فينظر في هذا مرةً وفي هذا مرة، ثم ما شعرنا حتى جاء فقال له أبو أيوب: إنه ما رأى عندك أحداً، وقد قلت له: أنا مع قوم من الأعراب، فإذا قضيت أربي أتيت، فأنشد:
لنا جلساءُ ما نَملُّ حديثَهــــــــــــــــــــــــــــــــم ألبّاءُ مأمونون غيباً ومَشهـــــــــــــــدا
يفيدوننا من علمِهم علمَ ما مضى وعقلاً وتأديباً ورأياً مســــــــــــــــــــدّدا
فلا فتنةً نخشى ولا ســــــــــــــــــوءَ عشرةٍ ولا نتّقي منهم لساناً ولا يـــــــــــدا
فإن قلت: أمواتٌ فما أنت كـــاذب وإن قلت: أحياءٌ فلست مفنَّدا[3]
وهاك أخبارَ أشهر عشاق الكتب، علنا نقتدي بهم فنقتبس من أنوارهم، ونفيد من طيب أحوالهم:
أبو عثمان الجاحظ، عمرو بن بَحْر (163 – 255 هـ) يقول عنه ياقوت الحمَوي: «كان من الذكاء وسرعة الخاطر والحفظ بحيث شاع ذكرُه وعلا قدرُه واستغنى عن الوصف.» [4]
ويقول أبو هِفَّان: «لم أر قطُّ ولا سمعت مَن أحب الكتبَ والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنَّه لم يقع في يده كتابٌ قطُّ إلا استوفى قراءته كائناً ماكان حتى إنه كان يكتري دكاكينَ الورَّاقين ويبيت فيها للنظر»[5]
وقيل لأبي العيناء: ليت شعري أيَّ شيء كان الجاحظ يحسن ؟ فقال: ليت شعري أيَّ شيء كان الجاحظ لا يحسن.[6]
يحدثنا الجاحظ عن فضل الكتاب، وغبطة مَن لازمه وقرّتْ عينه به، فيقول: «[الكتاب] نعم الذّخرُ والعُقدة هو، ونعم الجليس والعُدَّة، ونعم النشرة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس لساعة الوحدة، ونعم المعرفةُ ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخِيل، ونعم الوزير والنزيل[7].... والكتابُ هو الذي إنْ نظرتَ فيه أطالَ إمتَاعَك، وشحَذَ طباعَك، وبسَط لسانَك، وجوَّدَ بَنانك، وفخَّم ألفاظَك، وبجَّح نفسَك، وَعمَّر صدرك، ومنحكَ تعظيمَ العوامِّ، وصَداقَةَ الملوك، وعَرفتَ به في شهرٍ ما لا تعرفُه من أفواهِ الرجال في دهْر، مع السلامةِ من الغُرم، ومن كدِّ الطلب، ومن الوقوفِ بباب المكتِسب بالتعليم، ومِن الجُلوس بين يَديْ مَن أنت أفضلُ منه خُلُقاً، وأكرمُ منه عِرْقاً، ومع السلامةِ من مجالَسَة الْبُغَضاء ومقارنةِ الأغبياء»[8] ولعل القارىء يعجب إذا علم أن الجاحظ مات بسقوط بعض الكتب عليه. فهو العاشق الذي قتله معشوقه.
ويذكر ابن النجّار عن ابن الخشّاب، أبي محمد عبد الله بن أحمد، النحويّ اللغوي المفسّر المقرىء المحدِّث (492-567هـ) أنه لم يمت أحدٌ من أهل العلم و أصحاب الحديث إلا وكان يشتري كتبَه كلها، فحصلتْ أصولُ المشايخ عنده، وكان كمُّه لا يخلو من كتب العلم.[9]
الأديب والوزير جمال الدين القِفْطي، علي بن يوسف، (568- 646 هـ). لما أقام بحلب، واختارها له وطناً ومسكناً، كان يسعى كلَّ السعي في شراء الكتب واقتنائها وجلبها من البلدان البعيدة، واستطارت شهرته بهذا الغرام العلمي في الآفاق. فتوافد عليه الورّاقون والنسّاخون وباعة الكتب من كل حدب وصوب، حتى اجتمعت له مكتبة نادرة المثال، نافس في اقتنائها وبذل النفيس والكثير في شرائها، وأنفق عمره في حفظها وتنظيمها والاقتباس منها.[10]
قال عنه ابن شاكر الكتبي في كتابه "فوات الوفيات": «وجمع من الكتب ما لا يوصف، وقُصِدَ من الآفاق، وكان لا يحب من الدنيا سواها، ولم تكن له دارٌ ولا زوجة، وأوصى بكتبه للناصر صاحب حلب، وكانت تساوي خمسين ألف دينار.»[11]
يقول ابن الجوزي: حدثني شيخنا، قال: ابتدأني مرضٌ فقال لي الطبيب: إن مطالعتَك وكلامَك في العلم يزيد المرضَ، فقلت له: لا أصبر، و أنا أحاكمك إلى علمك، أليست النفس إذا فرحت وسُرَّتْ قويت الطبيعةُ فدفعت المرضَ؟ فقال: بلى، فقلت له: فإن نفسي تسرُّ بالعلم، فتقوى به الطبيعةُ، فأجد راحةً. فقال: هذا خارجٌ عن علاجنا.[12]
يقول محمد بن الجهْم البرمكي: "إذا غشِيَني النعاس في غير وقتِ نوم - وبئس الشيءُ النومُ الفاضِلُ عن الحاجة - تناولتُ كتاباً من كتب الحِكَم، فأجدُ اهتزازي للفوائِد، والأريحيَّة التي تعتريني عند الظفَر ببعض الحاجة، والذي يغشَى قلْبي من سرور الاستبانة وعزِّ التبيين أشدَّ إيقاظاً مِن نَهيق الحمير وهَدَّةِ الهدْم."[13]
و يقول أيضاً: "إذا استحسنتُ الكتابَ واستجدتُه، ورجوتُ منه الفائدة ورأيتُ ذلك فيه - فلو تراني وأنا ساعةً بعدَ ساعةٍ أنظرُ كم بقي من ورقِهِ مخافَةَ استنفاده، وانقطاعِ المادَّة من قَلْبِه، وإن كان المصحفُ عظيمَ الحجم كثير الورق، كثير العدد - فقد تَمَّ عيشي وكَمُلَ سروري."[14]
أقول: إن الكتاب دون ريب خيرُ خدينٍ، وأفضلُ قرين، مأمونُ العثرات، محمود الخلوات. وأختم هنا بطرفة: اعتاد أحد محبّي الكتب أن يقضي في مكتبته كل يوم خمس ساعات. واتفق ذات مرة أنه تأخر عن موعد العشاء، فذهبت امرأته إلى المكتبة لتذكره بموعد عشائه. فوجدته غارقاً بين أكداس الكتب، فقالت له: ليتني كنت كتاباً! فقال لها: ولماذا؟ قالت: لو كنت كتابتاً لظفرت بوقتك كله. فأجاب: ولكنك أفضل لوكنت تقويماً سنوياً. قالت: وماذا تعني بهذا؟ قال: لو كنت كذلك لحظيت كل عام بتقويم جديد.[15]
[1] هذا عجز بيت، وصدرُه: ومن عادتي حبُّ الديار لأهلها
[2] "صفحات من صبر العلماء" ص 139. للعلامة عبد الفتاح أبو غدة. مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، ط 3 1992م.
[3] "معجم الأدباء" لياقوت الحموي 6/2533 تحقيق إحسان عباس، دار الغرب- بيروت 1993م.
[4] المرجع السابق، 5/2102.
[5] المرجع السابق، الصحيفة نفسها.
[6] "جمع الجواهر" للحصري القيرواني ص204 ، تحقيق البجاوي، دار الجيل- بيروت 1978م.
[7] "الحيوان" 1/38. تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل-بيروت1996 م.
[8] المرجع السابق 1/51.
[9] "صفحات من صبر العلماء"، ص 321، نقلاً عن "ذيل طبقات الحنابلة" لابن رجب. قد يستغرب البعض جَعْلَ الكتاب في الكمّ. في الواقع، إن الأكمام قديماً لم تكن كالأكمام التي نعهدها اليوم، فقد كانت كبيرة وواسعة، وكان من عادة العلماء أن يجعلوا فيها كتبهم إذا حملوها. انظر عنه تعليقاً نفيساً للعلامة عبد الفتاح أبو غدّة رحمه الله تعالى في حاشية الصحيفة 241 وما بعد من نفس الكتاب.
[10] "صفحات من صبر العلماء"، ص 271.
[11] "فوات الوفيات" 3/ 118، تحقيق إحسان عباس. نشر دار صادر-بيروت 1973-1974م.
[12] نقله عبد الرحمن الفرحان في كتابه "عشّاق الكتب" ص 57 عن كتاب ابن الجوزي "روضة المحبين". نشر دار البشائر الإسلامية-بيروت 2002م.
[13] "الحيوان" 1/ 53 باخنصار يسير.
[14] المرجع السابق.
[15] "عشّاق الكتب" ص 258، بتصرف يسير، نقلاً عن كتاب "الضاحكون".

تحميل



تشغيل