مميز
الكاتب: العارف بالله ملا رمضان البوطي
التاريخ: 22/07/2019

خلاصة الوصية التي كتبها العلامة الشيخ ملا رمضان البوطي في شبابه لطفله الوحيد

مقالات

خلاصة الوصية التي كتبها العلامة الشيخ ملا رمضان البوطي


 في شبابه لطفله الوحيد[1]



 



أيها الولد: أوصيك بالتفكر في نفسك بأنك محدَث، خلقت من ماء مهين بواسطة الوالدين، كما خلقا أيضاً كذلك، وهلم جراً، إلى أبينا آدم. وهو قد خلقه الله عز وجل بقدرته من تراب، كما أنزل في كتابه المبين، لقوله تعالى: )إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ[ [آل عمران: 3/59] وقوله: )إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ[ [ص: 38/71]. فإذا علمت بأنك محدَث علمتَ حدوث غيرك أيضاً من السماوات والأرض وما فيهما، لأنه لا فرق بينك وبينه في ذلك. غير العزيز الحكيم القديم، فإنه خالق غير مخلوق، محدِثٌ غير محدَث، ليس له أول ولا آخر، ولا شيء من صفات المحدَثات فإنه لو كان فيه شيء من ذلك لما صلح للألوهية، كما لا يخفى على ذوي الألباب.



فإذا علمت حدوثك وحدوث سائر العالم، عرفت بأن للعالم خالقاً محدِثاً أوجده من العدم من غير مادة. وهو الله الرزاق المحيي المميت الفعال لما يريد. لا شريك له في ذاته، أي ليس متعدداً، لا في ذاته ولا في صفاته بأن يماثله فيها أو في بعضها غيره.



فحينئذ تعلم أن إلهك هو الله الواحد الأزلي الأبدي الذي ليس له نظير ولا أوّل ولا آخر المنزه عن الكم والكيف وأين ومتى، الذي خلق جميع الأشياء ودبرها، كما خلقك. وأنه لا بدّ أن يكون لذلك الإيجاد من حكمة، فإن الله عز وجل منزه عن أن يعبث بفعله، كما قال تعالى: )أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ[ [المؤمنون: 23/115] )وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ[ [الأنبياء: 21/16].



وتلك الحكمة لا بدّ أن تكون الابتلاء والامتحان لأمثالك من المكلفين، لقوله تعالى: )الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا[ [الملك: 67/2]. فمن آمن به وعمل صالحاً يدخله بفضله جنات تجري من تحتها الأنهار كما وعد في كتابه المبين. والكريم إذا وعد وفى، بل قد يزيد. ومن كفر به – أعاذنا الله وسائر الإخوان – يدخله ناراً خالداً فيها.



فإذا تفكرت حق التفكر في نفسك وغيرك من الآيات، علمت أن كل ما سوى الله آيات دالّات على وجود واجب الوجود، وأن الدنيا ليست مستقلة بالذات. بل إنما هي واسطة. والمقصود بالذات إنما هو الآخرة، وعلمت بأن الآخرة هي السعادة الأبدية للمؤمنين والشقاوة الأبدية للكافرين، وهي نتيجة الدنيا بحسب الظاهر. وعندئذ تشمر عن ساعد الجد لإرضاء ربك وامتثال أمره، ولا تعمل للدنيا إلا من حيث هي واسطة، على طريق الشرع.



فيا أيها الولد: إذا وعيت ما ذكرنا، فألق السمع للكلام الآتي وأنت شهيد، وتأمل فيه حق التأمل أيها السعيد، واعمل به فإنه هو السبب للحياة الأبدية والأمر السديد. وهو هذا الذي أقوله لك:



اعلم أن الله خلق الجنة والنار، وخلق أشياء كثيرة أخرى لا يعلمها غيره من الملائكة والإنس والجان وسائر الحيوانات والجمادات. ولم يكلف نوعاً من هذه الأنواع غير الإنس والجن، كما قال عز وجل: )وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 51/56]. فخلق الإنسان وركب فيه الشهوات النفسية من الميل إلى الطعام والملابس، والتكلم بكلام الدنيا والنظر إلى المحرمات، وشهوة الفرج، وحب الجاه والمال، والكبر والحقد والحسد، والنميمة والغيبة، وفراغ النفس من الطاعات والمشاق، ومع ذلك سلط عليه الشيطان الإنسي والجني.. ثم كلفهم بترك تلك الشهوات النفسانية إلا أن تكون عن طريق الشرع، وبعدم اتباع الهوى وعدم امتثال نصائح الشيطان الإنسي والجني، حيث قال تعالى: )إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا[ [فاطر: 35/6] )فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ[ [النساء: 4/135] )قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها[ [الشمس: 91/10].



فصار الإنسان إذن مكلفاً بتزكية النفس والامتثال للأوامر واجتناب النواهي. فلا بدّ لك أن تشمر عن الساعد وتجاهد حق المجاهدة كلاً من الشيطان والنفس بتوفيق الرحمن.



ولا يخفى أن هذه المجاهدة يلزم لها العلم. فإن البَطَل الذي يبرز للعدو، إذا لم يكن ماهراً في أصول المحاربة ومكائدها من الكر والفر، يُغلب في أول مرة.



فالآن إذا أردنا أن نرجع إلى ديننا ونطيع مولانا ونكون من أشرف الأمم، فاللازم علينا التفقه في الدين والنظر إلى الدنيا بتحقيقها ودناءتها، وأن نتأمل في هذا الحديث الصحيح الذي رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منكبي فقال: )كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل[. زاد الترمذي: )وعدّ نفسك من أهل القبور[.



فإذا عرفت حكمة خلقك، وحقيقتك، وأنك عبد مأمور بتقوى سيدك وبالعمل لآخرتك، وبأن الدنيا آلة لعمل الآخرة، وأنك مكلف بالأحكام الشرعية في جميع أحوالك وأفعالك الاختيارية، حتى إن كل خطوة من خطواتك وقول من أقوالك، لا بدّ له من قصد مصلحة، حتى إن كل خطوة من خطواتك وقول من أقوالك، لا بدّ له من قصد مصلحة، وإلا فهو من الإثم إن قصدت به الإثم أو مما لا يعني إن لم تقصد شيئاً، فأقبل عندئذ إلى الله بقلبك وإخلاص نيتك، واجعل مقصودك رضاه وحب من يحبه، واترك النفس والشيطان، فإنهما يريدان إخراجك من النور إلى الظلمات، ويريد الله إخراجك من الظلمات إلى النور. فقد قال تعالى: )اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ[  [البقرة: 2/257].



فإذا أقبلت على الله صدقاً، ينبغي أولاً أن تتعلم العلم، فإنه روي )ما اتخذ الله من ولي جاهل، ولو اتخذه لعلّمه[. والمراد بالجاهل الجاهل بالعلوم الوهبية، أما الجاهل بمبادئ العلوم الظاهرة مما يجب عليه تعلمه، فهو واجب على عامة الناس، وليس من ضرورات تعلمه أن يصبح المتعلم ولياً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )طلب العلم فريضة على كل مسلم[.



وأما العلوم التي أوصيك بالبعد عنها، فثلاثة: حرام، ومكروه، ومباح. أما الأول فالفلسفة[2] والشعبذة والسحر والتنجيم والرمل وعلوم الطّبائعيين، وأما الثاني فكأشعار المولدين المشتملة على الغزل والبطالة، وأما الثالث فكالعلوم التي لا سخف فيها ولا شيء مما يكره، أو ينشط لشر أو لخير.



وإذا أردت أن تتعلم، فكن في أيام تعلمك متيقظاً زاجراً لنفسك عن المعاصي، ولا تكن مثل بعض طلبة الزمان، حيث لا يلتفت إلى ما لا بدّ له منه، ولا يسأله في هذه الحالة، من لا يعلم، وينبذ العلم وراء ظهره من يعلم. ويتبعون الشهوات أيام التعطيل مثل يوم الجمعة وليلتها، ولا يعلمون أنهم يحرمون من ثواب الوقت وفضيلته، والعوام يقتدون بهم ويتبعونهم في ذلك لحسن ظنهم بهم حيث يرون أنهم أهل علم، فيَضلون ويُضلون، مع أن ليلة الجمعة ويومها موسمان للطاعة والدعاء والصلوات، فبسبب لهوهم يحرمون من فضيلتهما العظيمة التي لا تدرك.



وحاصل الكلام أيها الولد أنني أوصيك باتباع الكتاب وسنة النبي صلى الله عليه وسلم في جميع حركاتك وسكناتك، وترك ابتداع عوام الزمان. فإن البدعة شَرَكُ الشِّرك. فحذار أن تتعلم أو تعلم أو تعمل شيئاً إلا بنية خالصة، وكن غريباً بين أظهر أصحابك، فإن تلك الغربة محمودة لحديث: )الدين بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء[. ولا تغفل عن الله في وقت من الأوقات.



وزكِّ نفسك من الرذائل والأمراض القلبية، كالغضب والحقد والحسد والعجب والرياء والفخر والحرص على الدنيا والطمع والبخل وحب الجاه. لأن من الفروض العينية معرفتها ومعرفة أسبابها وعلاجها.



ويا أيها الولد: عليك بالرياضات والدعاء من الله بالتوفيق، ولا تلتفت إلى ثقل الأمر على نفسك. فإن غالب الفواكه قبل الإدراك طعمها حامض أو مر، ثم يدرك. وإن الدنيا وإن كانت لذيذة عند أهلها وفي الوهلة الأولى، لكنها طعام فيه سم عند ذوي البصائر وبعد تدقيق النظر. وإن طاعة الرحمان وإن كانت ثقيلة في البداية وعلى النفس الأمارة، لكنها خفيفة لذيذة، بل ليس شيء أحلى منها، في النهاية وعلى النفس المطمئنة، وإن ترك الدنيا يكون سبباً لاستراحة البدن في الدارين، وأما حبها وازديادها فيكون سبباً لوقوع صاحبها في الأحزان دائماً.



وإياك وحب الجاه، وهو سعي الإنسان إلى أن يكون معظّماً في القلوب.



وعلاجه بأن تعلم أن إرضاء قلوب الناس عن نفسك لا ينفعك لأنه غير باق. أما تنظر إلى فرعون كيف عظموه حتى عبدوه، ثم إلى ماذا صار وصاروا؟.. فلو عَظُمتَ أيها الولد في قلوب الناس ما تصل إلى عشر معشاره. ولكن إن جاهدت نفسك في تقوى الله تعالى وإرضائه عنك، تحصل لك الحياة الأبدية إن شاء الله تعالى، ويكون رضاه عنك سبباً لرضاهم عنك. فإن القلوب كلها بيده يقلبها كيف يشاء.



إن الجاه يكون سبباً للكمال الوهمي لا الحقيقي. فإن شرفك عند الناس أمرٌ وهمي لا حقيقة له، كالزبد الذي على وجه البحر ينقلب بسرعة. كما أن العلم بالمعلومات المتغيرة كمال وهمي ينقلب جهلاً. كأن تعلم مثلاً أن زيداً في الدار، ثم يخرج، فينقلب علمك جهلاً، وأما علمك بالمعلومات الثابتة كالعلم بوجود الله، وبأنه متصف بكل صفات الكمال، ومنزه عن كل صفات النقصان، فهو كمال حقيقي لا يزول لا في الحياة ولا في الممات.



ثم أيها الولد: إذا علمت حقائق الأمراض القلبية وأسبابها وعلاجها، وأن العلم بذلك فرض عين على كل مؤمن، علمت حينئذ أنه يلزمك الاجتهاد في تصفية قلبك عنها وعن وسوسة الشيطان.



* * *



ثم عليك بالصمت أيها الولد، سيما عن المحرمات والمكروهات فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: )من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت[.[3]



ويا أيها الولد: إن أردت سلوك طريق السلف ولا تكون لإبليس هدفاً، فعليك بتزكية القلب من الآثام، وتقليل الكلام ما استطعت، لا سيما في الغيبة والنميمة، حيث يصعب الاحتراز عنهما في هذا الزمان، بل صارتا فاكهة المجالس والضيفان، كلما اجتمعوا اشتغلوا بعيب غائب أو بنقل كلامه إلى الغير على وجه الإفساد. وقد قال الله تعالى: )تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا} [القصص: 28/83] وقال: )إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ[ [الحجرات: 49/10] وقال تعالى في ذم الغيبة: )أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ[ [الحجرات: 49/12] والوعيد في ذلك كثير جداً.



ثم أحثك على أن لا تعلق قلبك بغير الله، إلا أن يكون رسولاً له أو نبياً أو ولياً. بل كن محباً لله لا غير، إلا من حب يقربك حبه إلى الله عز وجل. فإنه وحده الباقي في كل وقت، قدير على كل ما يريد مما ينفعك أو يضرك. وكل ما سواه مقهور تحت قدرته كيف يشاء لا يقدر على جلب نفع لك ولا ضر. فإذا أثرت سواه عليه تعالى صار هذا الإيثار حماقة بل جنوناً.



ولا تقل إني محب لله وتارك للدنيا، وأنت مخالف لما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن دليل حب الله تعالى الامتثال لأوامره واجتناب نواهيه، لا مجرد الميل النفساني.



ثم كن ما استطعت خائفاً من الله تعالى فإنك لا تدري على أي النهايتين يختم عمرك. وإنك لو أطعت الله تعالى دوام عمرك لا تعلم أنه يقبل منك طاعتك أو يردّها عليك. ومع ذلك فقد قال الله تعالى: )وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ[ [الأنعام: 6/91]. فلا تصير مستحقاً للجنة بطاعتك ولو بلغت نهاية طاعة الإنسان. وإنك لا تعلم أن غضبه تعالى بأي ذنب يحصل، أعاذنا الله منه. ولكن أكثر خوفك من سوء الخاتمة أعاذنا الله وجميع المؤمنين منه، حتى يكون ذلك سبباً ليقظتك وتهيئك في كل وقت للموت.



ثم عليك بإقامة الصلوات المفروضة بأركانها وشرائطها، ذا خشوع وتضرع وحياء من الله، حاسباً نفسك بين يدي الله وأنت تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وخائفاً منه عدم قبوله لها. بل يحتمل أن يغضب عليك بسبب إساءتك. واستشعر منته عليك حيث أذن لك، عبداً عاصياً، بمناجاته. ثم عليك بالسنن الراتبة، فإن من واظب على تركها صار مردود الشهادة.



ثم أوصيك بملازمة الجماعة، فإنه قد اختلف فيها على ثلاثة أقوال: فرض كفاية، وسنة مؤكدة، وفرض عين. فلا تتركها ما استطعت أي ما لم تكن معذوراً بأعذارها المذكورة في كتب الفقه.



ولا تكن إماماً ما استطعت، بأن وجد من يصلح للإمامة غيرك، لا إن لم يصلح، وأنت تصلح، فلا تتركها له حينئذ، ولكن أتقن معرفة شروطها وآدابها فإن الإمامة ضمان.



وخلاصة ما نوصيك به أن تكون عاملاً بالسنة في جميع حركاتك وسكناتك، ولا تعمل بالبدع التي ابتدعها أهل الزمان فإن البدع شَرَكُ الشِرْك كما قلنا، والشَرَك حبالة الصيد التي يصيد بها الصياد. فالبدع مثل تلك الحبالة في جلب الشِرْكِ. فلتكن أعمالك البدنية والمالية كلها بالسنة.



* * *



ثم أيها الولد لا يفيد التطويل في الكلام، بل لا يفيد الأجْلافَ ذكرُ ألف شاهد ومثال، ويكفي لمن ألقى السمع وهو شهيد مثال واحد، فيتأمل فيه ويخرج به من الضلال، فلنخرج لك زبدة الكلام، وعليك بالإصغاء والفكر التام إلى الختام، لتنال به أعلى المقام وتعمل به على الدوام، وهي أن الله تعالى خلق حياتين: حياة أبدية وهي حياة المؤمن في الجنة، والكافر في النار، وحياة فانية تزول قريباً وهي الحياة الدنيا، عبارة عن اللهو واللعب والتكاثر في الأموال والأولاد.



فانظر إلى الحياتين وتفكر فيهما أيهما أبقى وألذ. فإن أوصاف الجنة لا تعدّ، والنعمة العظمة رؤية الباري تعالى وسيد الكونين محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وسائر الأنبياء عليهم السلام. وأما هذه الحياة فهي كما ترى، لا تخلو – ولو لمن كملت له كفرعون ونمرود وأمثالهما – عن نقص وحزن وألم. فكيف بغيرهم؟ ومع هذا سيدخلون جهنم داخرين وإلى الأبد معذبين، كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلوداً غيرها.



فخذ لنفسك الحياة الأبدية ولو كانت مؤجلة. فإن التاجر ربما يبيع متاعه نسيئة لكون الفائدة فيها، أكثر مما في الحال. واترك الحياة العاجلة الفانية. ولا تقل: آخذ كلتا الحياتين، فإنهما لا تجتمعان، لأن العاجلة تحصل باتباع الشهوات، والآجلة تحصل بتركها والمحافظة على الإيمان. وقد مرّ أن العمل جزء من الإيمان. وقد قال العلماء الكبار والأولياء الخيار: من ابُتلي بترك الآداب وقع في ترك السنن، ومن وقع في ترك السنن وقع في ترك الواجبات، ومن وقع في ترك الواجبات وقع في ارتكاب المحرمات، ومن وقع في ارتكاب المحرمات وقع في ترك الفرائض، ومن ابتلي بترك الفرائض وقع في احتقار الشريعة، ومن ابتلي بذلك فقد وقع في الكفر نعوذ بالله تعالى. فينبغي للإنسان أن يحفظ الآداب دائماً في جميع الأمور كلها بقدر وسعه، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. فانظر أيها الولد كيف يصير ترك العمل القليل سبباً لزوال الإيمان الجليل. أعاذنا الله وإياكم والإخوان من سلب الإيمان.



ثم لا يكفي في حبك مجرد الطاعة، كما قد تتوهم ما قلناه آنفاً، بل يلزمك أن تحبه حباً شديداً حتى لا ينفك القلب عن مراقبته وملاحظته وشهوده، حباً ذاتياً، لا بحيث إذا أعطاك تحبه وإذا منعك تترك الطاعة، فيصدق عليك قوله تعالى: )وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ[ [الحج: 22/11] فإن كان حبك له ذاتياً وتعبده لذاته فلن تتغير عن حالك وإن قلبك إلى ألف حال. فليكن حبك من هذا القبيل بحيث لو تعلم أنه يعذبك بالنار أبداً مع طاعتك إياه، تطيعه وتحبه ولا تعصيه.. ذلك لأنك لو علقت حبك لله بحصول نفع من الله لك أو دفع ضرر عنك، يحتمل أن لا يوجد شرطك، فيسلو حبك ويذهب. بل كن محباً لله بلا شرط، كي لا تزول أبداً. هذا هو رأس مال كل خير ودفع كل ضرّ، كما قيل: أخرج من قلبك الغير، وليكن إلى الله السير، يدفعْ عنكَ كل ضير وترى منه كل خير.



ثم كن حارساً على باب قلبك، كي لا يدخله شيء آخر. ثم كن ذاكراً بقلبك ولسانك لله ذكراً كثيراً، واستغث وتوسل برسول الله[4] صلى الله عليه وسلم وكن محباً له ومصلياً عليه، كثيراً، امتثالاً لأمره تعالى وإجلالاً للنبي وتوقيراً. وكن مجتهداً في طاعة ربك بالبدن والمال، وكن متضرعاً إليه في أوقات الابتهال مثل جوف الليل والسحر، وبعد الفرائض وعند الفطر من الصوم والعشر الأواخر من رمضان، والعشر الأوائل من شهر ذي الحجة لا سيما يوم عرفة، وأول ليلة من رجب وليلة النصف من شعبان، وليلة المعراج، وليلتي العيدين، ويومهما، وأيام التشريق ولياليها واحرص على صوم أيام بعض منها، وأحياء لياليها بالطاعة والدعاء، راجياً من الله حسن الخاتمة والتوفيق للأعمال المقرِّبة.



وعليك بركعتي الضحى أو أكثر إن وفقت.. وعليك بالتهجد شاغلاً قلبك بالله لا بالدنيا، وإلا فالنوم خير منه، وعليك بصوم أيّام البيض، لكن بالتدرج لئلا يثقل عليك الأمر. بل افعل شيئاً من الصوم مثلاً، وقم إلى بعض التهجد، وداوم، حتى تصير متطبعاً به، وكذلك الوظائف الأخرى أقبل إليها شيئاً فشيئاً.



لا تزال كذلك وكما أوصيتك، إلى أن تموت. فإن الله كريم لا يخيب السائلين. وكن مواظباً على قراءة الآيات والأذكار التي تصير سبباً لحسن الختام، وعلى الأذكار الواردة في الصباح والمساء.



والحمد لله على الإيمان والإتمام. وعلى سيدنا محمد أفضل الصلاة والسلام.



[1] هذا التلخيص لا يعني أي تدخل في الصياغة. فكل ما تقرؤه هو نص ما كتبه أبي، ولكن نظراً لطول الرسالة حذفت ما قد يمكن الاستغناء عنه، واكتفيت بإيراد الأهم من كلامه، وإذا لاحظت فرقاً في الصياغة بين هذه الوصية والمقالين السابقين، فذلك لأن أبي رحمه الله كان عند كتابته لهذه الوصية حديث عهد باللغة العربية واستعمالها.



[2] اعتمد والدي فيما بعد، ما ذهب إليه الجمهور من أن دراسة الفلسفة جائزة، لذوي الملكة العلمية الواسعة، والذين استقرت في عقولهم حقائق العقيدة الإسلامية. وعلى هذا الأساس فقد درّسني فيما بعد أهم مباحث الفلسفة وهو (المقولات العشر). وفي هذا يقول صاحب السّلّم: (والقولة المشهورة الصحيحة           جوازه الكامل للقريحــه



                         ممـــارس السنــة والكتــــاب          ليهتدي به إلى الصواب)



[3] متفق عليه.



[4] مر أنه رحمه الله نبه من قال: يا رسول الله، أن يقول يا الله. وقد يتنافى مع ذلك التنبيه قوله هنا: واستغث برسول الله. ولعل قصده بالأمر بالاستغاثة هنا أن يقول: اللهم إن استغيث برسولك فاجعله غياثاً لي.



تحميل