مميز
الكاتب: فاطمة عبد الرؤوف
التاريخ: 21/05/2012

أنت وطفلك وأيام الامتحانات

مشاركات الزوار

أنت وطفلك وأيام الامتحانات


فاطمة عبد الرؤوف


كم تبدو صعبة أيَّام الامتحانات، فكثيرٌ منَ الأُسَر ترفَع درجة التوتُّر إلى أقصى حدٍّ، وتُعلِن حالةَ الطوارئ في البيت، ويُصبِح الهدف الأساس أنْ يلتَصِق الطفل فوق مكتبه لا يُغادِره إلا للظُّروف القُصوَى؛ كتناول الطعام، أو قَضاء الحاجة، أو الذهاب لدرسٍ خاص، رأيتُ بأمِّ عيني أمًّا يُصِيبها القولون العصبي أيَّام امتحانات طفلتها، وأبًا لا يستطيع النوم من القلق والخوف!


أموالٌ كثيرة تُنفَق، وأعصاب تتوتَّر؛ من أجْل مُرور هذه الأيَّام، في الوقت الذي لم ينشغل فيه أحدٌ بقِيمة ما تعلَّمَه الطفل على وجْه الحقيقة، وقِيمة ما تبقَّى في عقله المجهد بعد مرور الامتحانات، وتسلم الشَّهادات، والنتيجة: أبناء حاصِلون على درجات علميَّة ورقيَّة بعد كلِّ هذا الجهد وهذا المال الذي تَمَّ إنفاقه، فهل من الممكن أنْ تعني الامتحانات أمرًا آخَر بالنسبة لنا ولأطفالنا وللأمَّة ككلٍّ؟


في البداية يجب أنْ نقتنع نحنُ أولاً بقيمة العلم الحقيقيَّة، فالعلم وسيلةٌ أكيدة لمعرفة الكون؛ ومن ثَمَّ معرفة خالق هذا الكون العظيم -سبحانه وتعالى- إنَّ التسبيح الذي يهتَفِ به العالِم من أعماق قلبه وعُمقه يختَلِف عن التسبيح الذي يَلُوكُه لسانُ الجاهل دون علمٍ؛ ((مَن سلَك طريقًا يلتَمِس فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنَّة، وإنَّ الملائكة لتضَعُ أجنحتَها لطالِب العلم رضًا بما يصنَع، وإنَّ العالِم لَيستَغفِرُ له مَن في السماوات ومَن في الأرض، حتى الحِيتان في الماء، وفضْل العالِم على العابد كفضْل القمر على سائر الكواكب، وإنَّ العلماء ورَثَة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمَن أخذه أخذ بحظٍّ وافِر))، فالطفل يجبُ أنْ يتعلَّم أولاً، ثم يحصل على الشهادة ثانيًا.


لا بُدَّ أنْ تشتعل في قلْب الطفل الرغبةُ في التعلُّم، بدلاً من إشعال الرغبة في المنافسة، وهي وإنْ كانت مطلوبةً للتشجيع فذلك بدرجةٍ محدودة، ففي بعض البيئات تصل المنافسة إلى حدِّ الحقد والحسد بين الأطفال.


لا بُدَّ أنْ يُوقِن الطفل أنَّ الغشَّ شيء حقيرٌ، وهو ليس فرصة ولكنَّه اختبارٌ وابتلاء.


·       الأسرة المسلمة أسرةٌ هادئة الأعصاب، تُتقِن عملَها، وتتوكَّل على الله -عزَّ وجلَّ- فهي تَحرِص في أيَّام الامتحانات على:


§       أداء الطفل الصَّلوات في وقتها وفي المسجد.


§       تلاوَة الطفل لوِردِه من القُرآن الكريم.


§       مُراعاة عُمر الطفل في تحديد عدَد ساعات الاستذكار والاستراحة، فالطفل الصغير يستَذكِر نصفَ ساعة ويستَرِيح نصف ساعة، والأكبر سنًّا يستذكر نصف ساعة ويستريح نصف ساعة، والأكبر يستذكر ساعة إلا ربع ويستريح ربع ساعة... وهكذا.


§       منع المشتِّتات التي تَعُوق تركيزَ الطفل؛ فسطح المكتب لا يوجد عليه غير المادَّة المطلوب استذكارُها، ويجب الحرص على أنْ يسود جوُّ الهدوء المنزل، فلا داعي للزيارات العائليَّة في هذا التوقيت، وعلى الأطفال الأصغر سنًّا أنْ يلعبوا بعيدًا عن الطفل الذي يستَذكِر.


§       منْح الطفل جزءًا من الوقت لدعمه دراسيًّا، شرح بعض النِّقاط الصعبة، المراجعة، مع ملاحظة أنْ نتواصَل مع الطفل بكلِّ الحواس؛ فننظُر لعينَيْه أثناء الشرح، ونهتمُّ بنبرة الصوت الواضحة حتى نستَرعِي سمعه، ومن الممكن أيضًا أنْ نُكرِّر الكلام أكثر من مرَّة؛ حتى يحسُن استيعابه، ومن المهم أيضًا لمسُ رأس الطفل أو كفِّه؛ لتركيز انتباهه، وإشعاره بالحنان، كما أنَّه من الممكن تقديم مجسمات يلمَسُها؛ حتى يتذكَّر المعلومة بسهولةٍ، ومن المفيد جدًّا تدريبُ الطفل على الامتحانات، وتمثُّل جوِّ اللجنة، وحلِّ الكثير من الأسئلة.


§       من المهم الاهتمامُ بطعام الطفل وغِذائه، ليس فقط أيَّام الامتحانات، وإنما لا بُدَّ من نظام غذاء صحِّي للطفل إذا أردنا طفلاً نابهًا نشيطًا مُتَفاعلاً، ولقد أثبتت الدراسات العلميَّة أنَّ الغذاء المتوازن المشتَمِل على الفيتامينات الأساسيَّة يرفع من مُعدَّل الذكاء، بينما ينحَدِر ذكاء الأطفال الذين ورثوا الذكاء من والديهم لكنَّهم لم يلقوا العناية الغذائيَّة الكافية، هؤلاء الأطفال أيضًا مُعرَّضون لأنْ يصبحوا أكثر عدوانيَّة وأقل في مستوى التركيز، المشكلة أنَّنا نُنفِق الكثير على الغذاء، ولكنَّه في كثيرٍ من الأحيان لا يكون غذاءً صحيًّا، فالأطعمة المعلَّبة والوجبات الجاهزة باهظة الثمن لا تَفِي بالحدِّ الأدنى من الحاجات الغذائيَّة للطفل.


 تنتَبِه بعض الأُسَر لهذا الأمر في أيَّام الامتحانات، وهذا ليس كافيًا؛ فالعقل لن ينمو فجأةً في هذه الأيَّام، لكنَّها بادرةٌ طيِّبة يجبُ أنْ نُشجِّعها لتستمرَّ؛ فيكون من مسؤوليَّاتنا أنْ نُوفِّر الغذاءَ الصحيَّ لطِفلنا من أجْل حياةٍ متوازنة ذكيَّة.


§       ليس غذاء الجسد فقط ما يحتاجُه الطفل، بل هناك غذاء أكثر أهميَّة منه، وهو الغذاء العاطفي؛ فالطفل بحاجةٍ لإشباع عَواطِفه من الحب والحنان، بحاجةٍ لكلمة (أحبك)، بحاجةٍ للمسةٍ حانية، بحاجةٍ للدَّعم وبثِّ الثقة، هو بحاجةٍ لذلك دائمًا وليس في أيَّام الامتحانات فقط، ولكنَّه في حاجةٍ أكثر في هذه الأيَّام.


§       إنَّ أيَّام الامتحانات فرصةٌ رائعةٌ كي نُعلِّم الطفل اللجوء لله تعالى بالدعاء والاستعانة به -عزَّ وجلَّ-في تيسير الدراسة، وتذكُّر المعلومات، وسُرعة البديهة، فنُعلِّمه كيف يأخُذ بالأسباب ثم يتوكَّل على الله، وكيف يلجَأ لله تعالى


ما أجمل أنْ نُعلِّمه أذكارَ الصباح والمساء في هذا الوقت! ما أجمل أنْ يُردِّد الطفل كلَّ صباح وكلَّ مساء:(حسبي الله الذي لا إلهَ إلا هو، عليه توكَّلتُ وهو ربُّ العرش العظيم)، يقينًا سيشعُر بها بشكلٍ مختلف عن الأيام العاديَّة.


 إنَّ هذه الأيَّام العصيبة -أعني: أيَّام الامتحانات- قد تكون فرصةً عظيمة لِمُراجعة سياستنا التربويَّة، فلنغتَنِمها.


تحميل