مميز
الكاتب: الشيخ محمد جنيد الديرشوي
التاريخ: 15/12/2011

حكم مسِّ الأجهزة الإلكترونية التي يُخزَّن فيها القرآن الكريم

بحوث ودراسات

حكم مسِّ الأجهزة الإلكترونية التي يُخزَّن فيها القرآن الكريم، وحملِها


(دراسة فقهية مقارنة)

د. محمد جنيد بن محمد نوري الدّيرشوي

مقدمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شهد العالم في مئة السنة الأخيرة تقدّماً مذهلاً في مجال العلوم والتقنية، واستطاع الإنسان أن يكتشف الكثير من أساليب الاستفادة ممّا ادّخر الله تعالى في هذا الكون من القُوى والطاقات والإمكانات، وشمل هذا التطوّر شتى مجالات الحياة ومرافقها. فقد استطاع الإنسان بما فتح الله تعالى عليه، من هذه الثورة العلمية والتقنية، أن يخترع الآلات والأجهزة المختلفة التي يسّرت له العسير، وقرّبت له البعيد، وأغنته عن حمل الأحمال والأثقال.

وكان من أبرز ما توصّل الإنسان إلى الكشف عنه عالمُ الإلكترون، حيث دخل فيه بقوّة، وتعرّف على سبل الاستفادة منه، فكان ذلك ثورة جديدة في مجال العلوم المادية والاتصالات، فقد تمكّن الإنسان من اختراع جهاز المعلومات، الحاسوب أو ما يُسمّى الكمبيوتر. كما استفاد من تقنية التعامل مع الإلكترون؛ فتمكّن من استخدامه بشكل مذهل في مجال الاتصالات؛ فابتكر الهاتف المحمول، الذي يمكِّن حامله من أن يبقى على اتِّصال مع العالم دائماً، في حلّه و ترحاله، بل لقد تمّ تطوير هذا الجهاز وأُدخل فيه من التقنيات ما حَوَّله إلى حاسب أو كمبيوتر صغير، فكان جهازاً خفيف المؤونة عظيم النفع، يخزّن فيه صاحبه ما يشاء من المعلومات والكتب، فصار الإنسان قادراً على حمل مكتبة عظيمة معه أنّى سار وحيث حلَّ.

ولقد كان من جملة ما تمّ تخزينه في هذا الجهاز، كتب كثيرة وموسوعات ضخمة تحوي الآلاف المؤلفة من الكتب المتخصصة في علوم الشريعة، وكان على رأس ذلك كتاب الله جلّ وعلا؛ يقرأه حامله حيث كان، و يستذكر الآية التي يريدها في الوقت الذي يشاء، فأغنى ذلك القارئَ والحافظَ والخطيبَ عن تكلُّف حمل النسخ المطبوعة من المصحف الشريف، وما يتطلّبه ذلك من الطهارة التامّة والوضوء، وكان في ذلك خير كثير، وتيسيرٌ كبيرٌ على الناس.

ولمّا كانت الاستفادة من هذه الأجهزة-بالرجوع إلى ما تمَّ تخزينه فيها من القرآن الكريم- باستدعاء الآيات من مواضع تخزينها، وعرضها على شاشة الجهاز بكتابة عربية مبينة، وقد تكون بالرسم العثماني؛ فقد كان من الطبيعي أن يثور التساؤل حول هذه الكتابة الظاهرة على شاشة الجهاز، وعن حكم القرآن المخزّن في حجيرات الذّاكرة ضمنه، وهل تُعطى هذه الأجهزة حكم المصاحف الموجودة بين أيدينا، فيُشترط لجواز مسِّها وحملها توفّر الطهارة الكاملة، والوضوء، أم أنها لا تُعطى حكم المصحف؛ ومن ثمّ فيجوز أن يحمله غير المتوضِّئ، والجنبُ والحائضُ أيضاً؟.

وكان لزاماً على علماء الشريعة وفقهائها أن يبادروا إلى دراسة هذه المسألة، وتخريجها على نصوص الشرع وقواعد الفقه، وأن يُصدروا في ذلك الفتاوى، أداءً لواجب البيان، الذي أناطه الله تعالى بأعناقهم في مثل قوله:

{وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} ]سورة آل عمران: 187[

ولقد بحثتُ عمّا قاله العلماء في هذه المسألة -وهي حكم مسّ الأجهزة الإلكترونية التي تمّ تخزين القرآن الكريم فيها- وعمّا كتبوا في ذلك من أبحاث علمية، فلم أقف على دراسة مفصّلة ومؤصّلة تتناولها بالبحث العلمي الدّقيق، ولم أعثر إلاّ على فتاوى لبعض الفضلاء، منشورة على الشبكة العالمية (الانترنت)، سأذكرها أثناء البحث.

فلذا عقدت العزم على دراسة هذه المسألة، لأخلص من خلال البحث المستفيض إلى الحكم الذي تشهد له الأدلّة، فكانت ثمرة محاولتي هذا البحثَ الذي بين أيدينا.

وقد حاولت من خلاله دراسة المسألة من جوانبها المختلفة، منطلقاً من بيان طبيعة البرمجة الإلكترونية التي يتمّ إدخال المعلومات المختلفة -من القرآن الكريم وغيره– في هذه الأجهزة بواسطتها. ثم بيان حقيقة ما يظهر من الكتابة في هذه الأجهزة، هل هي في حكم الكتابة الحقيقية، أم أنها لا تُعَدُّ كتابة. ثم أعقبت ذلك ببيان الأحكام الشرعية لكل جزئية من جزئيات هذه المسألة، مستهدياً باجتهادات أئمّة العلم السابقين، ومخرِّجاً على أصول وقواعد المذاهب الأربعة. والله تعالى هو المسؤول أن يوفّقنا للصّواب وأن يهدينا سبيل الرّشاد.

وقد انطلقت في البحث ممّا اتّفق عليه جماهير العلماء ،من المذاهب الأربعة وغيرهم، من عدم جواز مسّ المصحف إلاّ على وضوء وطهارة كاملة[1]، وتجاوزت قول داود الظاهري الذي يرى جواز مسّ المصحف وحمله بغير وضوء، حيث فسّر قوله تعالى: "لا يمسّه إلاّ المطهّرون" بأن المقصود به اللّوح المحفوظ[2]. وهو رأي مرجوح وضعيف؛ ذلك أن القرآن اسم مشترك، فهو يطلق على ما هو مثبت في اللّوح المحفوظ، كما يطلق على ما هو موجود ومكتوب في المصاحف التي بين أيدينا. ووجب - بناءً على قواعد أصول الفقه- أن يصرف اللّفظ إلى أقرب المذكورَين إلى القرآن. ولمّا ذكرت الآية التي تلي هذه الآية عن هذا القرآن أنه "تنزيل من رب العالمين" فوصفته بأنه قرآن منزّل؛ علم أنه ليس المراد به هنا ما في اللّوح المحفوظ؛ لأن الذي في اللّوح ليس منزلاً إلينا، ولكن المنزل إنما هو هذا الذي بين أيدينا، فصُرِف النهي عن المسّ إليه[3].قال الإمام النووي رحمه الله في المجموع: " قوله تعالى : (تنزيلٌ) ، ظاهر في إرادة المصحف؛ فلا يحمل على غيره إلا بدليل صحيح صريح[4]".

ثمّ إن السنّة المطهّرة قد وردت بالمنع من مسِّ القرآن على غير طهارة، وذلك فيما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أخرجه الدار قطني في سننه، والطبراني و البيهقي[5]، وعن حكيم بن حزام، أخرجه مالك في الموطّأ و الحاكم والطبراني و الدار قطني[6]، وذكر ابن حجر أنه روي عن طريق ثوبان رفعه، في قوله عليه الصلاة والسلام:" لا يمسُّ القرآنَ إلا طاهر[7]". قال الهيثمي في مجمع الزوائد عن حديث ابن عمر :" رواه الطبراني في الكبير والصغير ورجاله موثقون[8]"، وقال ابن عبد البر في التمهيد :"كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات كتاب مشهور عند أهل العلم معروف، يستغني بشهرته عن الإسناد[9]". وهو قول علي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر رضي الله عنهم، ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة، وهو كذلك قول طاوس والحسن والشعبي والقاسم بن محمد وعطاء وإسحاق بن راهويه [10].

[1] المبسوط للسرخسي3/152، البحر الرائق: ابن نجيم 1/211 ، بداية المجتهد: ابن رشد 1/30، المجموع: الإمام النووي 2/82 ، كشاف القناع: البهوتي 1/134، شرح منتهى الإرادات: البهوتي 1/77

[2] المحلّى: ابن حزم 1/82- 83

[3] الحاوي الكبير:الماوردي 1/ 144

[4] المجموع: النووي 2 /90.

[5] سنن الدارقطني: 1/121، المعجم الصغير: الطبراني 2 /277 ، السنن الكبرى : البيهقي 1 / 88

[6] موطأ الإمام مالك 1 /199، المستدرك على الصحيحين: الحاكم النيسابوري 1 /553، سنن الدارقطني 1/ 12، السنن الكبرى: البيهقي 1/309

[7] الدراية في تخريج أحاديث الهداية: ابن حجر العسقلاني 1/87

[8] مجمع الزوائد: الهيثمي 1/ 276

[9] التمهيد لما في الموطّأ من المعاني و الأسانيد: ابن عبد البر 17/396

[10] التمهيد 17/396 المجموع 2/90

لمتابعة البحث كاملاً اضغط على الملف أدناه

تحميل



تشغيل