مميز
التاريخ:

العارف بالله الشيخ عبد الغني النابلسي ت 1119هـ

أعيان الشام
العارف بالله الشيخ عبد الغني النابلسي ت 1119 هـ
الباحثة: نبيلة القوصي
نســــــــــــــــــــب المحبة أقرب الأنساب خــــــــــــــــــــــال عن الأغراض والأسباب
ومتى تدنسه المحبة بالســــــــــــــــــــــــــــوى حجبتك عـــــــــــــــنك كسائر الحجاب
خلص محبتك التي هي فيك من دعــــــــــــــــــــوى الوجود تغز بفتح الباب
لا تدعى ما لم يكن لك تفتضح يــــــــــــــــــــــــــوم القاء في حضرة الأحباب
هيهات أين محبة القــــــــــــــــوم الأولى شــــــــــــــــــــربوا الكؤوس وخمرة الأكواب
وتعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــلقوا بالغيب لا بتعلق منهم به فلـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــهم أعز جناب
سلـــــــــــــــــمان من آل النبي بها كما ســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلمان منا قالها بصواب
من ديوانه / نسب المحبة
1- نسبه: ينسب الشيخ إلى الخليفة عمر بن الخطاب، ولقد حُرر هذا النسب في كتاب جليل محفوظ عند الشيخ راتب النابلسي حفظه الله، والمحرر في عام 1246ه.
وأصل أسرته من حماة، واسمه: عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني بن إسماعيل الكِتاني الحموي الأصل المقدسي الشهير بابن النابلسي.
وجده الثاني عشر برهان الدين إبراهيم بن سعد الله بن جماعة ولد بحماة سنة 596ه، ثم انتقل إلى دمشق ليتلقى العلوم، وفي عام 675ه قصد بيت المقدس لزيارته، فمات بعد وصوله بأيام، فبقيت أسرته في بيت المقدس، ودرس أولاده منها، وتعلموا في مساجدها، وعلى مشايخها اخذوا العلوم، ثم تولوا بعد ذلك إلى خطابة المسجد الأقصى وغيره.
وأول من انتقل إلى دمشق منهم جد النابلسي الرابع إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم برهان الدين.
فأسرته عُرفت بالعلم والقضاء والخطابه، بدءًا من موفق الدين ابن جماعه إلى عبد الغني النابلسي وهذه من أسباب نبوغه المبكر.
2- مولده وطفولته: ولد يوم الأحد في دمشق 4 ذي الحجة عام 1050ه/ 1640م حيث كان والده في القاهرة للتجارة، وتطلعنا الكتب أن الشيخ عبد الغني كان يتفوق على إخوته بالنبوغ والذكاء المبكر، مما مهد لاهتمام والده به، حيث كان والده أول من قرأ على يديه القرآن الكريم في سن الخامسة، وفي سن العاشرة حفظ مقدمات العلوم، الألفية، الجزرية، الرحبية، وحضر دروس والده في التفسير والفقه، وتابع دروس نجم الدين الغزي 1061ه - 1651 في الحديث تحت القبة في الجامع الأموي، وحصل على أول إجازة في الحديث وفي الثانية عشر في عمره توفي والده، وكتب أول أشعاره في رثاء والده معلمه الأول، ثم تابع تحصيله العلمي تحت إشراف والدته.
وفي العشرين من عمره مارس التدريس في الجامع الأموي في دمشق بالقرب من منزله الواقع في العنبريين.
وشيخنا الجليل ورث حب العلم وتقديسه، وورث ذكاء ونبوغ مبكر، وسط "أسرة تربوية" تحمل في ثناياها أشكال الورع في السر والعلن، مما مهد لظهور شخصية العارف بالله عبد الغني النابلسي، والذي لقب في ذلك الزمان بـــــ "الأستاذ الأعظم".
هذا الكلام يوصلنا إلى أهمية المحضن الأول للأولاد، فلا بد أن تكون المحاضن تربوية السمة والصفة، فعندما يعيش الأولاد باهتمام تربوي ورع يُقصد به المباهاة أمام الحبيب المصطفى، من المؤكد ستعطي البذور ثمار صالحة ونافعة للفرد أولاً وللمجتمع ثانياً.
3- شيوخ الشيخ عبد الغني النابلسي:
§ في علوم اللغة العربية: الشيخ محمود الكردي المتوفى (1049ه) والشيخ محمد المحاسني المتوفى (1072 ه) وإبراهيم الفتال المتوفى (1098ه)
§ في علوم الفقه وأصوله: أحمد القلعي الحنفي (1067) وملا حسين بن اسكندر الرومي
§ وفي علوم الحديث: عبد الباقي الحنبلي المتوفى (1071ه)، ونجم الدين الغزي المتوفى (1061ه)، ومحمد بن كمال ابن حمزة المتوفى (1085ه)
§ وفي علم الفرائض والحساب: كمال الدين محمد بن يحيى الشهير بالفرضي (1088ه).
4- عصره: كان العصر الذي ولد فيه الشيخ عبد الغني، عصر فوضى اجتماعية وانحطاط أخلاقي، سياسياً كانت الدولة العثمانية تحتضن العالم العربي تقريباًـ في القرن العاشر الهجري، وكانت الأمم الإسلامية مستغرقة في إتباع الشهوات والأهواء حيث ماتت الفضيلة بين الناس، وساد الجهل، وانقلبت الحكومات الإسلامية إلى مطايا استبداد وفوضى، هذا قبل بداية العهد الثاني والجديد للدولة العثمانية، فكان عصرُ شيخنا عصر المستبدين، فانصرف العلماء في مصر والشام والعراق والحجاز واليمن وإيران والهند إلى التدريس، والإفادة، والباحثون والمفكرون إلى التأليف والتحقيق، والمشايخ والصوفية الربانيون اتجهوا إلى إصلاح النفوس وتزكية القلوب.
هذا وقد غلب على أهل العلم في هذا العصر ذوق الشعر والأدب، ليكون وسيلة راقية للوصول بها إلى قلوب الحائرين والتائهين. والشيخ عبد الغني كان، شاعراً، أديباً، عالماً ربانياً، فقيه، مفسر.
5- وظائفه: رغم تنوع وغزارة علوم الشيخ عبد الغني، ولكن لم يشغل إلا منصبين:
§ الأول: وظيفة القضاء في محكمة الميدان عام 1075ه ولم يلبث أن تركها.
§ والثاني: انتخبه أهل دمشق في عام 1135ه مفتياً لدمشق، ما لبث أن جاء المرسوم السلطاني من إستنبول بذلك. ولكنه لم يلبث أن ترك الوظيفة، ليتفرغ للخلوة التي ستمهد له الطريق للوصول
6- خلوته: اعتزل في بيته سبع سنوات لا يخرج إلا لضرورة، إلا أنه لم ينقطع عن التأليف واستقبال طلابه للتدريس وذكر الله في السر والعلن. ولا ننس أنه منذ الصغر دأب على قراءة سير الصالحين والمتصوفين مما جعله مهيأ لهذا الدور الصوفي؛ والخلوة سنة نبوية شريفة كم تحتاج في الزمان إلى من يُعيد في إحياؤها.
خرج الشيخ عبد الغني النابلسي بعد سبع سنين إلى الناس الذين ازدادوا في احترامهم له بعد أن رموه بالحجارة.
خرج وعليه هيبة ووقار العارفين بالله، ومنذ ذلك اليوم ذاع صيته في العالم الإسلامي، وبدأ الفتوح الرباني للتأليف، وقد برع أكثر ما برع في الدفاع عن الصوفيين، وجمع شعره الصوفي في ديوان "الإلهيات". وأخذ يتردد على ضرائح الأولياء، وقبور الصالحين، يزورهم ويقرأ في سيرتهم، ويدافع عنهم عند المنكرين، ويمدحهم نثراً وشعراً.
وتلقى الطريقة النقشبندية عن الشيخ أحمد البلخي الذي زار دمشق سنة 1087ه. وتلقى الطريقة القادرية عن الشيخ عبد الرزاق الكيلاني عام 1075ه.
7- دروسه: تفرغ بعد ذلك للعلم باحثاً ومصنفاً وشاعراً وأديباً ومعلماً، وكانت دروسه كالتالي:
دروس عامة، ودروس خاصة، دروس العامة بعد الفجر وضحوة النهار وبعد العصر، من ثلاثة مواضع: الجامع الأموي، المدرسة السلمية، أما الدروس الخاصة فهي في منزله.
ومواد دروسه: تشمل العلوم كلها من مبادئها إلى التخصص بدءاً بعلم الحديث ثم التفسير، الفقه، التصوف.
والشيخ عبد الغني النابلسي هو أول من دأب على تفقيه أهل الصالحية بعلوم المذهب الحنفي والشافعي، بعد أن كان المذهب الحنبلي هو السائد لديهم بالصالحية منذ إنشاء جامع الحنابلة والمدرسة العمرية الحنبلية بصالحية الشام. وذلك بعد أن انتقل من بيته بجوار الأموي إلى بيته في الصالحية. وفي الصالحية لم يتوقف عن إلقاء الدروس في تسهيل التفسير القرآن للبيضاوي، وفي تدريس الفتوحات الملكية لابن العربي.
وظل الشيخ يستقبل طلبة العلم في إيوان داره عدد كبير من طلبة العلم للمذهب الحنفي، وظلت كذلك في عهد ابنه الشيخ إسماعيل وحفيده مصطفى رحمهم الله.
8- مؤلفاته وكتبه: كانت مؤلفاته كثيرة، وقد بلغت زهاء ثلاث مئة مؤلف، ما بين كتب ورسائل ودواوين ذكرها خلال رحلته الكبرى، تميز بدافعه عن الصوفية.
ومنها: "الوجود الحق" و"جواهر النصوص في شرح كلمات الفصوص" و"غاية المطلوب، في محبة المحبوب" و"هدية الفقير، وتحية الوزير" و"السانحات النابلسية، والسارحات الأنسية" و"بداية المريد، ونهاية السعيد"، وكتاب "بذل الإحسان، في تحقيق معنى الإنسان" وغير ذلك من الكتب والرسائل...
9- رحلاته: بعد خلوته التي تحدثنا عنها قام بعدة رحلات إلى لبنان، ثم إلى بيت المقدس، ثم إلى الشام ومصر والحجاز.
والرحلة الكبرى هي إلى مصر والحجاز والشام في سنة 1105ه، خرج من داره بجانب الجامع الأموي تجول في دمشق مودعاً وزائراً قبور الصالحين والأولياء والصحابة.
بعد أن طاف في الشام اتجه إلى بيت المقدس، ثم إلى مصر، ثم إلى الحجاز والحج إلى بيت الله الحرام، وهو عائد إلى الشام يموت أخوه فيدفنه، ويتجه نحو الشمال، ليصل إلى تبوك، ومعان، إلى أن يصل لدمشق في يوم 388 من بدء رحلته. بدأت 1/1/1105، وانتهت 5/2/1106.
ومرافقوه في رحلته: ابنه إسماعيل، وخادمه، أخوه الذي توفى في طريق العودة.
والنابلسي من المغرمين بالرحلات، فقد كان هدفه زيارة الأولياء الصالحين أحياءً وأموات، والتباحث مع علماء هذه الأمصار، والهدف الأخير هو الاستمتاع بالتنزه.
10- وفاته: في عام 1119ه انتقل من بيته في دمشق قرب الجامع الأموي ليسكن في الصالحية حيث توفي بعد مرض ألم به في 24 شعبان 1143ه/1731م.
ودُفن في القبة التي كان قد بناها في بيته، ثم أُقيم على قبره جامع في بدايات القرن الثالث عشر للهجرة.
ونختم ترجمة الشيخ الجليل بهذه الأبيات من كنوز شعره "خلوة القبر أشرف الخلوات"
خلوة القبر أشرف الخلـــوات بلقـــــــــــاء الحـــبيب في الخـــــلـــوات
خلــــــوة القبــــر للتجـــرد عمــــــا يشغل الروح عن إثم الصفــات
خلـــوة القبــــر لـــذة ونــــعيــــــــــــــم لسعيـــــد قــد ذاق ســـر الممـــات
خلـــــوة القبـــر راحـة وســــــــــرور ودخـــــول في أشــــرف الجنــــــــات
حضــــــرة تجمــــع المتيم فيهـــــــــــــا أي جمـــــــــع أكمـــــــــل الحــــــــــالات
هي سعــــــد لكــــل عبد سعيد يتــرقـــــــــى بهـــــــا عـــــلا الدرجــــــــات
وهي سجن لكل عبد شقي يتــــــدلى بهـــــــــــا إلى الـــــدركـــــــــــــــات
· المراجع:
§ الإعلام /للزركلي
§ معجم المؤلفين/ رضا كحالة
§ الحقيقة والمجاز في رحلة بلاد الشام ومصر والحجاز العلامة الشيخ عبد الغني النابلسي تحقيق رياض عبد الحميد مراد.


تشغيل