مميز
الكاتب: د. غنية عبد الرحمن النحلاوي
التاريخ: 06/12/2011

البحث عن زائر في غير مصلحة

مقالات
البحث عن زائر في غير مصلحة
د. غنية عبد الرحمن النحلاوي
عندما يقوم إنسان بزيارتك ... ويتبادل معك الحديث ... يصغي إليك برفق ... يتعاطف مع مشاعرك ... ويطلعك على مشاعره ... لتشاركه إياها بدورك ...
عندها ... يكون عمله كما لو قبض قبضة ماء ورش بها نبتة حياتك الآخذة بالجفاف والذبول.
وأنت تكون قد فعلت الشيء نفسه بالنسبة له ... فتبقى التربة ندية حيناً.. لترطبها رشفة ماء أخرى قبل أن تجف ...
لا يدرك أهمية هذا إلا من جربه، ففي هذا كان الذي استحكمت فيه المادة ترسل الغربة روح الإنسان برداء مزيف من التجمع والعلاقات الاجتماعية ... ووسائل الإعلام المبثوثة عبر العالم ..تحتل محل الضيف الزائر.. والصديق الصدوق فتتغلغل الوحدة في نفس الإنسان والغربة في كيانه سواء كانت غربة الجسم ... أو الروح ... أو كليهما.
وهذه الظاهرة التي أصبحت أمراً عادياً في المجتمع الصناعي المادي شرقيه وغربيه، بدأت تستشري في مجتمعنا المسلم مع الأسف ... ولكنها بداية ليس إلا ... وقلت الهبات الإنسانية ... كثيراً.
ومحظوظ هو من يتوقف عن اللهاث المسعور بين فينة وأخرى ... ليقدم هبة .. من القطر الإنساني ... ويستقبل أخرى ..
وتبلغ هذه الهبات البشرية أسمى غاياتها عندما تكون ((محبة في الله)) دافعاً وسبيلاً وهدفاً وهنا, لا يكون مانح القطر الإنساني محظوظاً وحسب ... بل يدخل في دائرة ((من يحبهم الله)) وانظر إلى نفسك أي مشاعر ستجتاحك .. وأي حبور سيملؤك؛ يعجز لسانك عن وصفه، إذا علمت أن الله أحبك .. وإذا تخيلت أن من يزف إليك هذه البشرى هو أحد الملائكة.
عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: ((زار رجل أخاً له في قرية, فالتقى ملكاً على مدرجته، فقال أين تريد؟ قال: أخاً لي في هذه القرية، فقال هل له عليك من نعمة ترُّبها؟ قال: لا, إلا أني أحبه في الله, قال: فإني رسول الله إليك أن الله أحبك كما أحببته)).
وهذا المؤمن المحب في الله، انتقل مسافة بعيدة، كما يبدو من الحديث: ((إلى قرية غير مكان إقامته)) مع صعوبة السفر في تلك الأزمنة .. وما له من زيارته لأخيه غرض، فهو لا يبتغي منفعة, ولا يدرأ ضراً ..
ونحن نرى في زماننا أن الأخ قد يبخل باتصال هاتفي يسأل فيه عن أخيه ما لم يكن له حاجة ..
وكأن القطر الإنساني، والهبات البشرية التي ذكرنا تحولت إلى تموين ... لا يكاد يسد الأدنى الضروري للاستمرار .. فالقوت الإنساني أصبح بضاعة ثمينة ... وعليها ضرائب ..
وقد يرى الناظر على عجل علاقات اجتماعية تنهض كالجبل ثم تنهار كحفنة رمل بنى بها طفل برجاً على الشاطئ..
وفي غير المجتمع المسلم .. يؤدي التفكك الاجتماعي وغياب الترابط الأسري والأخوي إلى أمراض اجتماعية وصحية كثيرة كالفشل، والإدمان، والتشرد .. ولعل أخطرها، وهو الانتحار، أكثرها التصاقاً بغياب تبادل الصداقة والمحبة بدون غرض .. (أو المحبة في الله التي هدانا الله لها من بين الأمم)..لأن الانتحار ببساطة، تعرفه المراجع العلمية المختصة كما يلي: ((الانتحار: هو غياب الآخرين..))
زيارة..وتزاور
لنحاول أن نكون طرفاً في تلك المعادلة، كما كان زائر أخيه الذي ضربه لنا رسولنا r مثلاً..
فهي معادلة .. وهي علاقة متبادلة .. لأن الطرف الذي قد يبذل بسخاء ولا يجد تفاعلاً من الآخذ .. لا يلبث بعد حين أن يُجْهَد .. شعورياً ومعنوياً .. وقد يشعر بأن من حوله يقتاتون من قلبه .. لولا رحمة الله ..
فما يُقتات به قد ينضب إذا لم يتجدد .. والله سبحانه وتعالى خالقنا، وهو أعلم بضعفنا وخفايا نفوسنا، لذلك كثرت الآيات والأحاديث التي تأمر بالتكافل والتآخي .. وكلها أفعال متبادلة تدل على ضرورة القيام بالفعل نفسه بنفس القوة من الطرفين، يقول الله تعالى في الحديث القدسي الصحيح: ((وجبت محبتي للمتحابين في, والمتجالسين في, والمتباذلين في والمتزاورين في)).
ولم يقل: وجبت محبتي للمحبين والزائرين والباذلين..
وبعد .. اللهم أعنا على الابتلاء .. واجعل قلوبنا تتراحم كما دعا إبراهيم الحليم الأواه لهاجر وابنها في غربتهما في الصحراء.. وتكاد تكون حياتنا يا رب لا تقل إمحالاً .. جرداء من العلاقات الصادقة والحب في الله .. إلا ما رحم ربي .. رغم اكتظاظها الظاهر للعيان بنباتات ليس لها جذور.

تحميل