مميز
التاريخ: 05/12/2011

نبذة عن حياة الشيخ مصطفى أحمد الزرقا رحمه الله تعالى

تراجم وأعلام
مصطفى أحمد الزرقا
فقيه العصـر وشيـخ الحقوقين
د. عبد الناصر أبو البصل
لمحات من حياته
1- مولده:
إذا ذُكِر الزرقا؛ فالمتبادر إلى الذهن هو الشيخ العلّامة مصطفى صاحب الترجمة، العَلَمُ المشهور، الذي طبقت شهرتُه الآفاق، غيرَ أنّ هناك علماء آخرون يُعرَفون بالزرقا؛ وهم: والدُه وجدُّه.
وشيخنا هو العلّامة الفقيه المتقن (مصطفى بن أحمد بن محمد بن عثمان بن محمد بن عبد القادر الزرقا، ولد في حي (بانقوسة) من أحياء مدينة حلب الشهباء سنة (1325 ه = 1907م).
نشأ في بيت علمٍ وفضلٍ، وفي أسرة يُشار إليها بالبَنان، ويؤمُّها طلبة العلم، وأصحاب الحاجات، والقضاة، والمحامون.
2- الزرقا الأب:
والد الشيخ مصطفى الزرقا هو العلامة أحمد بن محمد بن عثمان الزرقا، صاحب كتاب (شرح القواعد الفقهية)، ولد سنة (1285ه=1868م) تقريباً، وتوفي سنة (1357ه=1938م).
تلقَّى العلم عن والده الشيخ محمد (الجد) وسائر علماء عصره في حلب، أمثال الشيخ محمد الحجَّار وغيره، غير أنَّ والده محمد الزرقا-الجد- كان له النصيب الأوفى في تكوين الشيخ أحمد علمياً، فقد قرأ الشيخ أحمد على والده (حاشية ابن عابدين) كلمةً كلمةً، ودراسةً نصيةً قريباً من الثلاث مرات، تستغرقُ المرةُ الواحدةُ لقراءة الكتاب كاملاً اثنتي عشرة سنة، وهذا يعني أنَّ الشيخ أحمد قد لازم والده ما يقارب الثلاثين سنة، وهو يدرس عليه (رد المحتار) لابن عابدين، وإذا أضفنا إلى هذا الكتاب كتباً أخرى من أمهات مراجع المذهب درسها كـ(البدائع) للكاساني، و(تبيين الحقائق) للزيلعي، و(الأشياء والنظائر) لابن نجيم وغيرها، ظهر لنا بجلاء أنَّ الشيخ أحمد قد تشرَّب المذهب الحنفي، وأصبح يسري في عروقه، مما أكسبه مَلَكةً فقهيةَ جَعَلَته في مصافِّ كبار العلماء.
قال عنه العلامة الشيخ محمد الحامد رحمه الله تعالى: "لم أجلس إلى أفقهَ منه، حتى المشايخ الذين تلقّيتُ عنهم في مصر من بعدُ، بلَّل الله ثراه، وأغدق عليه شآبيب رحمته، كان يتفجَّر علماً، ويتفتَّح تحقيقاً، ويجري معرفةً كالوادي إذا سال، ولكأنّ الفقه كان أمامه، يأخذُ منه ما يشاء، ويترك منه ما يشاء، وأشهد أنه كان وقَّافاً عند حدود الله في بياناته عمامته، ويأتينا في الغد بالقول الفصل...، وهذا الأستاذ الكبير أحد الذين تأثرتُ بهم من الناحية العلمية".
لم يترك الشيخ أحمد من المؤلّفات سوى كتابه الفذ (شرح القواعد الفقهية) الذي شرح فيه (99) قاعدة فقهية، هي قواعد (مجلة الأحكام العدلية) على وَفْق منهج دقيق نافع مرتَّب، وكتابه هذا يدلّ على تمكّنه من علم القواعد شرحاً وتأصيلاً.
درَّس الشيخ أحمد في المدرسة الخسروية، وكانت له حلقات علمية متعدِّدة في مساجد حلب، ويؤمُّ بيته طلبة العلم وأصحاب الحاجات.
وقد كان للشيخ أحمد ندوة للخاصّة، أو لنقل لخاصة الخاصة، يلتقي فيها والده -الشيخ محمد- لمناقشة عويص المسائل، وخفايا النكات الفقهية والأصولية، ويحضر هذه الندوة أو هذه المساجلات الشيخ مصطفى وهو غلام يافع.
وحينما اعتزل الشيخ محمد الزرقا (الجد) التدريس بسبب كبر سنه، وعدم تمكُّنه من المتابعة في إلقاء الدروس، حلَّ الشيخ أحمد محلّ والده في التدريس، وفي سائر الحلقات العلمية، وهو أهل لهذه المَهمة.
وفي هذه المرحلة أصبح الشيخ مصطفى تلميذاً لوالده في التفقّه على المذهب الحنفي، وكان عليه أن يحضِّر الدرسَ من أكثر من عشرين كتاباً إضافة إلى قراءة (رد المحتار) قبل المذاكرة مع والده، وكان الشيخ مصطفى ملازماً لوالده في الدروس المعتادة في الخسروية، وفي الحلقات التي يعقدها في مختلف المساجد.
وقد اشتهر عن الشيخ أحمد صَنيعُهُ مع ولده مصطفى، وكيف أنَّه نولَّى بنفسه تعليمه وتهيئته لمهمات الفقه، وجعله ملازماً له، حتى في النوم في غرفة واحدة؛ ليتمكَّنا من مناقشة المسائل، وبيان مدارك الأحكام.
إنني لا أعجبُ حينما أرى أنَّ هذا الشيخ قد تخرَّج على يديه علماء كبار، وفقهاء، ومفكرون، وساسة؛ أشهرهم: شيخنا وأستاذنا العلَّامة مصطفى الزرقا، والأستاذ الدكتور محمد معروف الدواليبي، والشيخ العلّامة محمد الحامد، والشاعر الكبير عمر بهاء الدين الأميري وغيرهم كثير.
3- الزرقا الجد:
وأما جدّه فهو: الشيخ العلامة محمد بن عثمان بن محمد بن عبد القادر الزرقا، الحلبي الأصل والمنشأ، فقيه الديار الحلبية، وعالم البلاد السورية.
ولد الشيخ محمد رحمه الله سنة (1258ه=1842م)، وبدأ يطلب العلم وهو في الخامسة عشرة من عمره حيث التحق بالمدرسة القرناصِيَّة في حلب، فحفظ القرآن الكريم، وتلقّى مبادئ النحو، والفقه، وحفظ المتون؛ كـ(الألفية) لابن مالك، و(الشاطبية) في القراءات، و(تنوير الأبصار) في الفقه الحنفي، و(الجوهرة) في العقيدة، و(السُّلّم) في المنطق، وغيرها.
ومن أبرز أساتذته وشيوخه: الشيخ مصطفى أفندي الريحاوي، والشيخ مصطفى الكردي، والشيخ أحمد الترمانيني، والشيخ عبد السلام الترمانيني، والشيخ إبراهيم اللبابيدي، والشيخ مصطفى الشربجي، والشيخ علي القلعجي وغيرهم.
كان الشيخ محمد ذكياً، نابهاً، حافظاً، فصيحَ اللسان، حسنَ الأداء، متقناً في التلاوة، حسنَ التقدير، سليمَ الذوق في الفهم، محققاً مدقّقاً، بّرّزّ على أقرانه، وفاق أساتذته، وأظهر نبوغاً في وقت مبكّر، حتى طبّقت شهرت الآفاق، وقصده الناس للفتوى وطلب العلم.
كان الشيخ مرجعاً، بل بحراً زخَّاراً من بحار العلوم الشرعية، وعلى الخصوص فقه الحنفية، الذي درَسه نحواً من ستين سنة.
عمل في القضاء والإفتاء، ودعنه مشيخة الإسلام في الآستانة ليكون معاوناً لأمانة الإفتاء فيها، وعاد بعدها إلى حلب للتدريس، ونشر العلم الشرعي، حتى توفاه الله سنة (1343ه=1925م).
تخرّج على يدي الشيخ محمد جمٌّ غفيرٌ من العلماء؛ منهم: ولده الشيخ أحمد، والشيخ محمد راغب الطباخ، والشيخ محمد الحنيفي، والشيخ أحمد الحجار، والشيخ بشير الغزي وغيرهم.
كانت للشيخ محمد مكانة عظيمة في نفس حفيده الشيخ مصطفى، وكان يذكره باستمرار، ويدعو له بالرحمة، وحينما توفي الشيخ محمد رثاه حفيده شيخنا مصطفى بقصيدة مطلعها:
أَفِضْ علَى مُهْجَتِي ما شِئتَ يا دَهَرُ واصْبُب صُرُوفَكَ ما شَاءَاتْ لَكَ الغِيَرُ
لا تخشَ مِنَّا حذاراً بَعْدَ نكْبَتِنَا فَبَعْدَ جَمْرِ الغَضَا لا يُحذَرُ الشَّرَرُ
لمَّا مَضَى مِنْ بَنِي الزَّرْقَا مُحُمَّدُهَا هَوْلٌ لَـــــهُ بــَاتَـتْ الأهــوَالُ تُــحْتَقَرُ
وفيها يقول:
هَلَا رَحِمْتَ عُلُوْماً غَارَ مَنْبَعُهَا فَمَا لَهَا في سِوَى صَدْغَيْكَ مُدَّخَرُ
4- طلبه العلم الشرعي
يعودُ الفضلُ في سلوك الأستاذ مصطفى الزرقا طريقَ التفقُّه في علوم الشريعة الإسلامية خصوصاً، والآداب العربية، واللغة، والمعارف الحديثة عموماً بعد الله سبحانه وتعالى، إلى جدّه الشيخ محمد رحمه الله، حيث إنَّ الشيخ مصطفى كان قد انصرف إلى التجارة في أول عمره يعمل فيها مع أخيه الأكبر محمد، معرضاً عن العلم الشرعي وغيره من العلوم، ففي التجارة غُنية وشغل شاغل.
ويأتي دور الجد في التأثير غير المباشر من خلال الحلقات العلمية التي كانت يعقدها، وأهمها ما كان يفعله من مناقشة وحوار يبهر العقول، وكان شيخنا مصطفى يحضر مع والده أحمد، ولمّا كان الشيخ أحمد فقيهاً متمِّرساً، كان يحاور أباه (الجد)، ويناقشه في بعض المسائل الفقهية، والأمور العصرية الأخرى، وإذا حضر أحد العلماء الآخرين، تزاد الحلقة اتساعاً وثراءً فقهياً، وجدلاً علمياً مفيداً، والشيخ مصطفى يستمع إلى كل ذلك ويؤثر فيه، بل يُطلَب منه -من خلال المناقشات- أن يُحضِرَ ذلك الكتاب، وهذا الجزء هذه الندوة العلمية إذا صحَّ التعبير.
ومن خلال هذا كله لمح الجد في حفيدِه مصطفى نبوغاً واستعداداً فطرياً يجعله مؤهَّلاً لسلوك طريق العلم، ومن هنا وقع اختياره عليه لدخول المدرسة الخسروية ودراسة الفقه.
وقد كان الشيخ أحمد ابتداءً يخبر ولده مصطفى برغبة جده، ولكنه -أي الشيخ مصطفى- لم يكن يستجيب له، ولم يسارع لتنفيذ هذه الرغبة، بل كان يعارضها ويرفضها، وذلك لأمرين:
· أولهما: أن أحوال المشايخ وطلبة العلم لم تكن تُعجبه.
· وثانيهما: رغبته في العمل التجاري مع أخيه.
ثم ازداد إلحاح الجد يطلب مصطفى للدراسة، وقرب موعد بداية التدريس في المدرسة، ولكن دون جدوى، فالشيخ مصطفى مُصِرٌّ على عدم الالتحاق، وعلى رفض هذه الفكرة، ولهذا السبب قرَّرَ الجد حرمان حفيده مصطفى من الحضور مع والده اللقاء اليومي بعد المغرب، فلم يتأثَّر الشيخ مصطفى لأول وهلة، ومضت بضعة أيام، وأخرى، حتى بدأ الشيخ مصطفى يشعر بالضيق، ويشعر بألم العقوبة (الحرمان) جراء منعه من زيارة جده، خاصةً إذا علمنا أنه كان يحب جدَّه محبةً عظيمة، وكان تعلقه به تعلّقاً يهون في مقابله كل شيء، ومضت أيام أخرى جعلت الشيخ مصطفى يستسلم، ويلقى عصا الطاعة، ويدخل المدرسة الخسروية، ويتفوَّق على أقرانه، ويظهر نباهة ونبوغاً عزَّ نظيره، يدلُّ على أنَّ اختيارَ الجدّ كان موفَّقاً، وكان في محلّه، رحمه الله رحمةً واسعة.
وحينما نجلس بين يدي أستاذنا الشيخ مصطفى -رحمه الله- على مقاعد الدراسة (في الجامعة الأردنية)، وحينما كنا نلتقيه، ونستمع إليه ونقرأ كتبه، كنا نتساءل: كيف تكوَّن هذا الجبل بل البحر من العلم؟ وما هي العوامل التي أثَّرت في تكوينه؟ هل هي الدراسة على الطريقة القديمة بالتلقّي المباشر عن العلماء؟ أم هي الدراسة في الجامعة السورية؟ أم هي كل ذلك؟ أم هي هبة من الله وكفى؟.
والإجابة على هذه التساؤلات تتضح من خلال تتبُّع مراحل طلبه العلمَ، التي بدأت بالكتاتيب، وانتهت بالدبلوم العالي من جامعة القاهرة.
مراحل التعليم بإيجاز:
§ المرحلة الأولى: مرحلة الكتاتيب.
§ المرحلة الثانية: المدرسة الفرنسية في حلب.
§ المرحلة الثالثة: المدرسة الخسروية "الشرعية".
§ المرحلة الرابعة: البكالورية في شعبتي العلوم والآداب في حلب.
§ المرحلة الخامسة: البكالورية في شقّها الثاني.
§ المرحلة السادسة: الجامعة السورية "جامعة دمشق حالياً".
§ المرحلة السابعة: جامعة فؤاد الأول "القاهرة".
أهم شيوخ الشيخ مصطفى وأساتذته في المدرسة الخسروية:
· والده الشيخ العلّامة أحمد بن محمد الزرقا.
· الشيخ محمد بن محمد خير الدين بن عبد الرحمن آغا ابن حنيف أغا بن إسماعيل المشهور بالحنفي .
· الشيخ العلَّامة محمد راغب الطباخ.
· الشيخ أحمد مصطفى الكتبي.
· الشيخ أحمد بن محمد عسَّام الكردي.
· الشيخ عيسى بن حسن البيانوني.
· الشيخ إبراهيم السلقيني.
· الشيخ محمد الناشد.
· الشيخ أحمد الشماع.
· الشيخ عبد الله حماد.
· الشيخ فيض الله الأيوبي الكردي.
أساتذة الأستاذ الزرقا وأساتذته في الجامعة السورية:ومنهم:
· الأستاذ الشيخ محمد أبو اليسر عابدين.
· شاكر الحنبلي.
· فارس الخوري.
· عبد القادر العظم.
· الشيخ عبد القادر المغربي.
ومن تلاميذ الشيخ مصطفى الزرقا:
· الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله.
· د. محمد فوزي.
· د. محمد أنس الزرقا.
· سماحة الشيخ نوح علي السلمان مفتي القوات المسلحة الأردنية سابقاً.
· والسيد محمد رسول الكيلاني وزير الداخلية الأسبق في الأردن.
· وسماحة الشيخ الدكتور إبراهيم زيد الكيلاني وزير الأوقاف الأسبق في الأردن.
المصدر:
من كتاب مصطفى أحمد الزرقا فقيه العصر وشيخ الحقوقيين للكاتب د. عبد الناصر أبو البصل

تحميل



تشغيل