مميز
الكاتب: الشيخ محمد ياسر القضماني
التاريخ: 22/07/2010

نثر الوَرد في لزوم الوِرد

مقالات

بسم الله الرحمن الرحيم

نثر الوَرد في لزوم الوِرد

الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين .

وبعد: فلا أنفع للعبد من لزوم الوظائف المباركة، والطاعات التي حثت عليها السنة النبوية والشمائل المصطفوية، وذلك عنوان ظاهر على المحبة لمن سن هذه الخيرات وأرشد لهذه الطاعات .

ولزوم وِرد يحافظ عليه الإنسان في ليل أو نهار شيء مستفيض في حياة السلف الصالح رضي الله عنهم، فهموه وأخذوه من صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم.

ومن أقرب وألطف ما يمكن أن يستأنس به في هذا المقام ما جاء في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر .. كتب له كأنه قرأه من الليل".

قال الإمام القرطبي في "المفهم" في التعليق عليه : (هذا تفضل من الله تعالى، والحزب هنا : الجزء من القرآن يصلى به)([1])

ويدخل في هذا عدد من الركعات يعتاده أو حصة من الأذكار، وقد ورد في "مسلم" أيضاً ما يشير لهذا؛ فعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره .. صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة.

وروت أيضاً قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملاً .. أثبته، وكان إذا نام من الليل أو مرض .. صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة. ([2])

فالهدي النبوي لزوم خيرات، وإثباتها، وعدم التفريط بشيء منها وتعويض ما فات، وإن كان على الحقيقة لا يعوض ما فات؛ لأن الوقت الجديد له واجب وأدب جديد، وهكذا ...

وقد يكرم بعض الأخيار وإن فات عليه شيء من الخير؛ من ورد أو غيره فينبه، وقد أورد الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "التبيان في آداب حملة القرآن" قصة عجيبة في هذا عن سليمان بن يسار قال: قال أبو أسيد رضي الله عنه: نمت البارحة عن وردي حتى أصبحت، فلما أصبحت .. استرجعت، وكان وردي سورة البقرة، فرأيت في المنام كأن بقرة تنطحني. رواه أبو داود.

وروى عن ابن أبي الدنيا، عن بعض حفاظ القرآن: أنه نام ليلة عن حزبه، فأري في منامه كأن قائلا يقول له:

عجبت من جسم ومن صحة ومن فتى نام إلى الفجر

والموت لا يؤمن خطفاته في ظلم الليل إذا يسري ([3])

ومما ذكره الإمام الحداد رحمة الله عليه في الحث على لزوم ورد من القرآن، قال: (وينبغي أن يكون لك ورد من تلاوة الكتاب العزيز، تداوم على قراءته في كل يوم وليلة، وأدنى ذلك أن تقتصر على جزء، فيكون لك ختمة كل شهر، أو أعلى من ذل؛ أن تختم في كل ثلاثة أيام).

واعلم أن القرآن هو البحر المحيط، ومنه تستخرج جواهر العلوم ونفائس الفهوم، ومن فتح له طريق الفهم فيه من المؤمنين .. دام فتحه، وتم نوره، واتسع علمه، وصار لا يمل من قراءته ليلا ولا نهارا؛ لأنه قد وجد فيه مقصوده، وظفر منه بمطلوبه، وهذه صفة المريد الصادق.

قال الشيخ أبو مدين رضي الله عنه: لا يكون المريد مريداً حتى يجد في القرآن كل ما يريد.

وعليك بالمحافظة على قراءة السور والآيات التي ورد الحث عليها في السنة في بعض الأوقات:

فمن ذلك: أن تقرأ كل ليلة قبل أن تنام " ألم السجدة "، وسورة الدخان ليلة الاثنين والجمعة، وسورة الكهف يوم الجمعة وليلتها، وإن أمكنك أن تقرأ المنجيات السبع كل ليلة .. فذلك من الفضائل العظيمة .

ومن ذلك: أن تقرأ إذا أصبحت وإذا أمسيت أوائل الحديد ، وخواتيم الحشر ، والإخلاص ، والمعوذتين عند النوم مع آية الكرسي و" قل يا أيها الكافرون " واجعلها آخر ما تقول ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل)([4])

ومن شعر الإمام الحداد رحمة الله عليه في الحث على القرآن :

واتل القران بقلب حاضر وجل على الدوام ولا تذهل ولا تغب

فإن فيه الهدى والعلم فيه معا والنور والفتح أعني الكشف للحجب

وقال في قصيدة أخرى :

وواظب على درس القرآن فإن في تلاوته الإكسير والشرح للصدر

ألا إنه البحر المحيط وغيره من الكتب أنهار تمد من البحر

تدبر معانيه ورتـله خاشــعا تفوز من الأسرار بالكنز والذخر

حكي عن الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه قال : رأيت رب العزة في المنام، فقلت : يا رب ؛ ما أفضل ما تقرب به المتقربون إليك ؟ قال : بكلامي يا أحمد، فقلت بفهم أو بغير فهم ؟ قال : بفهم وبغير فهم([5])

نسأل الله أن يزيدنا بصيرة بكلامه ، ويجعلنا ممن يتعشق تلاوته ، ويتوله بالعمل به ، والدعوة إليه ، وأن يجعله حجة لنا لا علينا ، وأن ينور به قلوبنا وقبورنا ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

(1) المفهم ( 2 / 383-385 ) , ط . دار ابن كثير الأولى، دمشق .

(2) مسلم ( كتاب المسافرين / باب جامع صلاة الليل ومن نام عنها أو مرض ) .

(1) التبيان ( ص 68-69 ) , ط . ابن حزم الرابعة .

(2) رسالة المعاونة والمظاهرة والمآزرة للإمام عبد الله الحداد ( ص 54- 47 ) ط . دار الحاوي الثانية .

(1) انظر " المنهاج السوي " للحبيب زين بن سميط باعلوي ( ص 495 - 496 ) .

تحميل