مميز
الكاتب: عبيد الله اليمني المدني الشامي
التاريخ: 20/10/2011

مجالس الذكر

مقالات
مجالس الذكر
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد سيد السادات وخير البريات وأزكى الخليقات صلاة وسلاماً دائمين إلى يوم الدين وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى التابعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (إن لله تعالى ملائكة سيارة فضلاً يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم حف بعضهم بعضاً بأجنحتهم حتى يملؤا ما بينهم وبين السماء الدنيا فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم بهم: من أين جئتم، فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك، قال: وماذا يسألوني، قالوا: يسألونك جنتك، قال: وهل رأوا جنتي، قالوا: لا أي رب. قال: فكيف لو رأوا جنتي، قالوا: ويستجيرونك، قال: مما يستجيرونني، قالوا: من نارك، قال: وهل رأوا ناري، قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري، فقالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول قد غفرت لهم فأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا، قال: فيقولون ربّ إن فيهم فلان عبد خطّاء إنما مرّ فجلس معهم. قال: فيقول وله قد غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).
انظر يا أخي إلى فضل هذه المجالس حيث أن من فضلها أن ملائكة لله فُضلاً كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي زائدون على الحفظة وغيرهم من الملائكة المرتبين مع الخلائق، هؤلاء يسيحون في الأرض لا وظيفة لهم إلا أنهم يقصدون حلق الذكر، ثم انظر إلى فضل من يجالس هؤلاء الذاكرين ممن حضر لحاجة ولم يشاركهم بالذكر، حتى هذا أكرمه الله تعالى بالمغفرة وأعطاه ما يسأل الذاكرون من الخير، فما أعظم هذا الخير وما أفضله وما أجزله، ويا خسارة من حرم من هذا الفضل وقد سيق له.
وكما قال سيدي علامة الدنيا الحبيب عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بلفقيه رحمه الله تعالى ونفعنا به
ويــا ضيعة الأعمار تمضي سبهلله وذَرَّتُها تعلوا على ألف دُرَّةِ
فمن أشغل الأيضام بالخير أثمرت بخير و إلا أشـغــلـته بحسرة
فتأمل هذا الفهم وحب الاغتنام ومعرفة قيمة الوقت والعمر حتى أن الذرة من هذا العمر والوقت لتعلوا قيمتها على ألف درة ثمينة وجوهرة نفيسة، فلذلك اهتم عبادٌ فطناء بأوقاتهم وعمروا أعمارهم بالطاعة والذكر.
إن لله عباد فطنى طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي سكنى
جعلوها لجة و اتخذوا صالح الأعمال فيها سفنى
.. نعم اتخذوا الأعمال الصالحة سفنا للنجاة وخاصة مجالس الذكر على اختلافها وتنوعها فمجلس العلم مجلس ذكر، ومجلس الصلاة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس ذكر، ومجالس المولد ومدح الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم مجلس ذكر، ومجلس موعظة مجلس ذكر وهكذا ...
فإن هذه المجالس مجالس خير أبوابها مفتوحة، والخيرات فيها ممنوحة لمن أراد أن يُحضرُ فيها قلبه، ويُنعش بها روحه، وإذا أكرم الله جل جلاله وتعالى في علاه العبدَ بحضور مثل هذه المجالس فينبغي عليه أن يشكر المنعم سبحانه وتعالى في علاه فإن النعم تدوم بل تزيد بالشكر كما قال تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}.
فيجب علينا أيضاً أن نعلم أن شكر الله تعالى ليس مجرد تحريك لسان، وإنما حقيقة الشكر أن نصرف هذه النعمة على وجه يرضي المنعم المتفضل المنان، وكيف يمكن لمن أُكرِم بحضور مثل هذه المجالس أن يشكر الله تعالى عليها حقيقة لأن حقيقة الشكر يجب أن يصرفها على وجه يرضي المنعم سبحانه.
فمن ذلك في هذا المقام:
- أن يراقب الإنسان قلبه في هذه المجالس ويكون حاضر الفؤاد فيها يسمع مما يلقى على قلبه، ويستحضر في فؤاده ما يذكره على لسانه حتى يصحّ حضورُه، ويَنعَمُ بهذا الحضور يومَ بعثهِ ونشوره.
- ينبغي عليه إذا خرج من المجلس أن يكون مستحضراً لهذه النعمة العظيمة ولهذه المعاني والأسرار، عاملاً بما سمع من الحكمة والبيان مراقباً لحاله مع الكريم المنان، حيث خرج وقد أكرم بما أكرم و سمع ما سمع، حينها يرى أثر النور المتلقى مما سمع من ذكر الله تعالى ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم فيؤثر هذا النور ويدخل حتى في من لم يكرم بحضور مثل هذه المجالس، وذلك لمّا رأوا صدقه و لمّا رأوا من آثار هذه الأنوار من الشفقة والرحمة بمن حرم منها بدل أن يتكبر عليهم ويعجب بنفسه، لما رأى ذلك من لم يكرم بمثل هذه المجالس ذلك سرى من هذا النور و هذا الحال سراية إلى قلوبهم جذبتهم إلى التشوق لمثل هذه المعاني ولهذا النور الذي حرموا منه، فلما حصل منهم هذا التشوق لمثل هذه الأحوال أكرمهم ذي الجلال والإكرام بما أكرم به الحاضرين وعادوا من الغفلة إلى الرشد والإنابة وكل هذا بصدق من خرج من مثل هذه المجالس بالصدق والشكر.
وعندما يعود هذا الإنسان الذي أكرم بحضور المجلس الأول ليحضر مجلساً آخر فإن الله تعالى مطلعٌ على قلوب عباده ويعلم من صدق معه ومن شكر على النعم المهداة، وهو الكريم الرحيم فإذا وجد قلباً متأدباً معه، شاكراً له، فإنه يفيض على هذا القلب من المعاني والخيرات والأنوار والأسرار ما لم يفيضه عليه من قبل، وهكذا لا يزال هذا العبد في ترقي وكرم وزيادة ما دام شاكراً لمولاه وخالقه، وما دام يعمل بما عَلم من عِلم و ما تخلق بخلق كريم دُلّ عليه ... كما قال تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} وقال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} صدق الله العظيم.
جعلني الله وإياكم من هؤلاء القلة الشاكرين له سبحانه وأكرمنا بالقيام بما أمرنا به والانتهاء عما نهى عنه ومن القائمين بما يحبه ويرضاه بجاه سيدنا محمد نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه والحمد لله رب العالمين.

تحميل



تشغيل