مميز
الكاتب: الدكتوة سعاد ولايتي
التاريخ: 19/10/2011

سيرة الشيخ شهيد الله فريدي

مشاركات الزوار
سيرة الشيخ شهيد الله فريدي
مشاركة الدكتوة سعاد ولايتي
فيما يلي قصة حياة عجيبة ومثيرة تستنهض بها الهمم في زمن ضعفت فيه الهمم، فيما يلي قصة الشيخ شهيد الله فريدي الذي كان اسمه قبل الإسلام"جون لينارد" عاش في الفترة من 1915-1978 رحمه الله.
كان والده من كبار تجار الورق في بريطانيا، وقد رزق بثلاثة أولاد وبنتا واحدة.
منذ طفولته كان الشيخ شهيد الله وأخوه الذي يكبره بعام واحد يشعران بغربة في مجتمعهما، وكانا يعافان أكل لحم الخنزير بالفطرة، وحين بلغا المرحلة الجامعية التحقا بجامعة أكسفورد، وهناك وقع بين أيديهما كتاب "كشف المحجوب" للشيخ المرحوم الهجويري، فأشهرا إسلامهما في مسجد لندن واختار لهما إمام المسجد البنغالي اسميهما فكان إن سماه شهيد الله وسمى أخاه فاروق أحمد.
بعدها قررا القيام برحلة حول العالم للتعرف على الإسلام عن قرب، وتاقت أرواحهم لتذوق ما تحدث عنه الإمام الهجويري في كتابه، ومن الطبيعي أن تكون الهند التي لم تكن الباكستان قد استقلت عنها حينذاك الهند أول محطة لهما.
قبل وصوله للهند كان الشيخ شهيد الله قد رأى في منامه شيخاً يمسك بيده طفلة صغيرة، وعند وصولهما للهند يلتقيان بالشيخ محمد ذوقي شاه، فيفاجأ بأنه نفس الشيخ الذي رآه في منامه.
كان الشيخ محمد ذوقي من مشايخ الطريقة الصوفية "الششتية الصابرية" التي أسسها المرحوم الشيخ معين الدين ششتي، وسرعان ما يصبحا من مريدي الشيخ، وحيث أنهما قد قررا عدم الاستعانة بأموال والدهما الثري في حياتهما الجديدة، فإنهما يقاسيان هناك شظف العيش، مما أدى لتعرضهما لأمراض عديدة، إذ لم يألفا حياة الفقر، رغم رجاء الأب وتوسلاته المستمرة بقبول أمواله التي لم تقبل قط!
في سن الثلاثين يصاب أخوه فاروق أحمد بالتهاب رئوي حاد يتوفى على أثره، ويوصي بأن يدفن إلى جوار قبر الشيخ الهجويري، لكنهم ما كانوا يملكون مالا لشراء قبر له هناك فيحملونه كي يدفن في مكان آخر، وفي الطريق يعترضهم شخص غريب ويقدم لهم مالا يمكنهم من شراء ارض بجوار الشيخ الهجويري فيدفنونه هناك.
وفي عام2000 قررت السلطات الباكستانية نقل كل القبور التي حول قبر الشيخ الهجويري، لكنهم حين فتحوا قبر الشيخ فاروق احمد وجدوه كما هو مذ دفن فخافوا، ولم ينقلوه، فظل قبره الوحيد بجوار قبر الشيخ الهجويري رحمهما الله تعالى جميعا.
تألم الشيخ شهيد الله لفقد أخيه وشعر بعد رحيله بوحشة، فعرض عليه الشيخ محمد ذوقي أن ينتقل للإقامة معه في بيته، فيوافق وكان بيتاً بسيطاً متواضعاً يتألف من غرفتين إحداهما للشيخ وأهله، والأخرى تخصص عادة لمريدي الشيخ، وذات يوم يلمح الشيخ شهيد الله فتاة في بيت الشيخ، وتكون نفس الطفلة التي رآها سابقاً في منامه ويعلم إنها ابنة الشيخ، الذي يزوجه منها لاحقاً، مع انه من الأشراف وكانت التقاليد تمنع زواج الشريفة إلا من شريف مثلها، فكيف من انجليزي؟؟ لكن الشيخ لا يلقي بالاً للتقاليد، ولا يهتم بكلام الناس.
بعد الزواج كان الشيخ شهيد الله حريصاً على إكرام زوجه، إكراماً لأبيها، وقد عمل بتجارة الورق وعاش عيشة كفاف، فكان يملك دكانا متواضعا ينفق منه على نفسه وعلى زوجه _حيث لم يرزق أطفالا_ وعلى المحتاجين من حوله، ولما علم أبوه بأحواله المادية الصعبة أرسل إليه بألف سيارة ليتاجر بها، ويعيش حياة طيبة وتوسل إليه أن يقبلها قائلاً "أنا ما جمعت هذه الأموال إلا لكي تنعم، وإخوتك بها"، لكنه من جديد يرفض أموال أبيه، ويقوم بتوزيع الألف سيارة على المحتاجين من حولهم ليعملوا منها سيارات أجرة، ويعود هو لحياته البسيطة ذات المورد الضئيل.
في ذات يوم يصله خبر أن والدته تعاني مرض الموت ولم يكن قد زار بريطانيا مذ فارقها، فيشد الرحال لرؤية والدته، وبعد وفاتها يعرض عليه والده عرضاً جديداً:
ما دمت ترفض قبول أموالي، فخذ مجوهرات أمك تستعين بها على حياتك فيرفض، ويقول لأبيه: "أرسلها لأختي في فرنسا"، وهنا تعترض زوجته قائلة: "لم تحرمني من حقي في الحصول على هذه المجوهرات؟؟" فيجيبها: "أتقارنين الكنوز التي أورثنا والدك إياها بهذه الحجارة؟؟" فتخجل الزوجة وتصمت.
وكان الشيخ محمد ذوقي شاه قد توفي أثناء رحلة للحج وأوصى أن يكون خليفته من بعده في تربية المريدين اثنين من تلامذته أحدهما الشيخ شهيد الله، وبذلك يكون أول انجليزي يذكر اسمه في سلسلة علماء التصوف.
لقب الشيخ نفسه بفريدي على اسم أحد أولياء الهند الذي كان كثيرا ما يزور ضريحه ويأنس به، وفي سن الثالثة والستين يصاب بمرض القلب فينصحه الأطباء بالسفر لبريطانيا لتلقي علاج أفضل هناك، لكنه يرفض ويقول"لقد مات الرسول صلى الله عليه وسلم واله وهو في هذه السن ولا يليق بي أن أطمع في أن أعيش أكثر مما عاش".
وكان إذا ما سأله أحدهم عن حياته قبل الإسلام يقول"كنت في مستنقع وأنقذني الله منه ، فلم تريد أن تذكرني به؟؟"
بعد وفاته حرص مريدوه على إكرام زوجته إكراماً له، وبعد وفاتها دفنوها بجوار قبره رحمهم الله جميعاً.
وبعد، فهذه السيرة العطرة المذهلة حجة علينا، وكأن الله تعالى يقول لنا، إن تقاعستم عن الحرص على مرضاتي والزهد في هذه الدنيا الفانية، فأني آتي بأنعم أهل الأرض ليزهدوا بها!!
لاشك أننا نستهول أن نعيش مثل هذه الحياة، التي هي لحياة الصحابة أقرب، لكننا نقر وبكل خجل أننا ما عدنا نطيق نمطا من الحياة أقل ترفا، ولاشك أن مجاهدتنا لشهواتنا- إن كنا نظن أن لنا نصيب في هذا الجهاد- لا يذكر قياسا لما قرأناه في سيرة الشيخ شهيد الله، بل أن الحديث عن مجاهدة شهوة المأكل والملبس والمسكن صار غريبا بيننا، نتداوله على استحياء، إذ كيف نجرؤ على الحديث عنه ونحن نسكن بيوتا فخمة نحرص على تزويقها باستمرار، ونلبس أحسن الثياب، أما مجاهدة شهوة الطعام فقد صارت في هذا الزمان للرشاقة، أو لحمية صحية، أما أن تكون زهداً، واقتداء بسنة الحبيب صلوات الله وسلامه عليه وآله فأمراً بات مستغرباً طوي بساطه مذ زمن طويل!
فحسبنا الله ونعم الوكيل.

تحميل