مميز
الكاتب: سعاد الولايتي
التاريخ: 10/10/2011

المحارب الروحي

مقالات
المحارب الروحي
سعاد الولايتي
الحديث عن المحاربين يدعونا لتخيل صورة جندي مثخن بالجراح، متقطع الأنفاس، بيد أن صورة المحارب الروحي الذي نحن بصدد الحديث عنه مختلفة تماما. المحارب الروحي مستعد دوماً لمواجهة التحديات، والمصاعب بإصرار، وعزيمة، فهو جرئ، قلبه لا يعرف الخوف بل يعرف الحب، قلب يمتلئ بالنور.. يشق طريقه في الحياة بتوازن وثبات، انه لا يعرف التعب أبدا، لأنه لا يصاب بالجروح مطلقا، وعلى العكس من المحاربين الآخرين تجده يبتسم في وجه المحن!! يسير بثقة واطمئنان وقبل أن يبدأ بأي عمل يكون واثقا من نجاحه فيه، لذا لا يجد صعوبة في القيام به.
المحارب الروحي لا يكون مشتت الذهن، ولا كسولاً أو عديم المبالاة، كما أنه لا يسمح لنفسه أن تسير خلف شهواتها، ونزواتها، فهو يعلم تماماً أنه متى ما فقد تركيزه ولو لدقيقة واحدة فإنه سيصبح لقمة سائغة لعدوه. إنه مقاتل باسل وشجاع، يعلم أن سر شجاعته وقوته نابع من إيمانه بالله عز وجل، وإن هذا الإيمان يمده بالعون والبركة، واليقظة حيثما سار.
إن المحارب الروحي لا يحمل الأسلحة المعتادة من مثل البنادق، أو الهراوات، أو ما شابه.. السلاح الوحيد الذي يحمله أنه يسخر عقله لحمايته وخدمته، فيعرف متى يواجه الأمر، ومتى ينسحب، ومتى يتعاون، ومتى يقوم بموازنة تتطلب تعديلاً لمسار حياته، يعرف متى يتغافل ويتجاوز المشكلة ولا يقف عندها متى ما رأى ذلك ضرورياً، كما أنه حريص على تنمية المشاعر بداخله باستمرار.. مشاعر الحب، والجمال، والإنسانية، والحنان، والشفقة، وغيرها، فالحب والسكينة، والقلب الطاهر الصافي هي أهم أسلحته، بيد أن هذه الأسلحة المعنوية تحتاج لصقل، وشحذ من حين لأخر، فما هي أفضل الوسائل لشحذها؟؟ إنها الصلاة.. يقف يومياً في صلاته بين يدي خالقه خاشعاً، مفتقراً، متذللاً قاطعاً صلته بالعالم خارج مصلاه، وبعد انتهائه من الصلاة يعزز عملية الشحذ بالأذكار التي يحاول جهده أن يستغرق بها لأقصى حد ممكن، يجلس ذاكراً بقلبه ولسانه، وليس باللسان فقط، لأنه يعلم تماماً إن ذكر اللسان وحده وسيلته لنيل الأجر والثواب في الحياة الآخرة، لكنه لن يمده بالقوة المطلوبة التي تقوي قلبه، وتعزز من شجاعته، وبالإضافة للصلاة والذكر ينتبه للنفس وحيلها، وألاعيبها، وشهواتها فيعمل على مجاهدتها والحذر منها ، وكذلك العمل على أماتتها معنويا "موتوا قبل أن تموتوا"، يدرك انه إذا أمات شهواتها نجا من شرها، وبالمقابل يحيا ويقوى ويسعد!! وهكذا فإن معركته الحقيقية ليست مع أعدائه، بل مع نفسه، فهو يعلم إنها إذا ماتت معنوياً لن يشعر بألم أو حزن أو شقاء "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" قال في تفسير ابن كثير"أي لنهدينهم طرقنا في الدنيا والآخرة" وقال السدي في تفسير القرطبي"إنما هو جهاد عام في دين الله، قال صلى الله عليه وسلم وآله: من عمل بما علم علمه الله ما لم يعلم" وقال عبد الله بن الزبير: "تقول الحكمة من طلبني فلم يجدني، فليطلبني في موضعين: أن يعمل بأحسن ما يعلمه، ويتجنب أسوأ ما يعلمه" وقال الراغب الأصفهاني: الجهاد ثلاثة أنواع:
1- مواجهة العدو الظاهر
2- مواجهة الشيطان وعدم التأثر بوسوسته
3- مقاومة النفس ويعتبر الجهاد الأكبر فهي تدفع صاحبها دوما لمخالفة أوامر الله سبحانه.
وقال ابن القيم:
1- الجهاد المطلق وهو القتال
2- الجهاد بالحجة عند مواجهة معتنقي الديانات الأخرى
3- الجهاد الشامل لجميع أنواع الحياة سواء من ناحية أخلاقية أو مادية، وسواء للنفس أو للمجتمع، ويكون متواصلا.
لقد أن الأوان لأن تعرف من هو عدوك الحقيقي، وتعمل على قتاله، ومحاربته، إن كنت تعتقد أنك غير سعيد فلا تلم أحداً على ذلك، أنت وحدك المسؤول عن ذلك.. أعمل على قتل الأنا بداخلك، فأنت متعب وتعس بسببها، فهي وحدها مصدر تعبك.

تحميل



تشغيل