مميز
الكاتب: الشيخ عبد الحميد طهماز
التاريخ: 05/10/2011

الشيخ محمد الحامد

تراجم وأعلام

فضيلة الشيخ محمد الحامد


عاش الشيخ محمود الحامد والد سيدي رحمهما الله تعالى، غلبت عليه صفة التصوف واشتهر بها، وكان حار المزاج حاد الطبع، كثيراً ما تطغى عليه الأحوال الشديدة، على جانب كبير من الصلابة الدينية والورع، عفيف النفس، كريم القلب، يوم الاثنين 26 من شهر ربيع الأول 1334هـ، كانت وفاة المرحوم الشيخ محمود الحامد شيخ الطريقة النقشية بحماة.


ولادته:


ولد سيدي رحمه الله تعالى سنة 1328هـ - 1910م، وعاش في كنف والديه وبين أخوية ستة أعوام تقريباً، وفجع في السادسة من عمره بوالده، وفي العام نفسه فجع أيضاً بأمه، وذاق مرارة اليتم والفقر عدداً من السنوات، وكان والده يتحدث مراراً أن ولده هذا سيكون عالماً، ورآه مرة بعض الصالحين، فأسرع إليه مقبلاً ومعانقاً وهو يردد: الشيخ محمد، الشيخ محمد.


ولما مرض الوالد مرض الوفاة، اشتد به القلق على أولاده، خاصة وأنه لم يتمكن من خلال حياته كلها، أن يوفر لهم شيئاً من المال يتركه لهم، والبلاد تلفها المجاعات والأوبئة طيلة الحرب العالمية الأولى، فأخذ يبحث عن وصي يوصيه عليهم، فلم يجد أحداً؛ لأن كل إنسان يشغل خلال الأزمات بنفسه، فما كان منه إلا أن أوصى الله عليهم، فكان يردد في مرض وفاته: (إني أوصي الله على أولادي) وأشار إلى ولده الكبير بدر –وكان حينئذ في سن الخامسة عشرة من عمره– ليقترب منه، فهمس في أذنه بكلمات، أوصاه بها أن يعتني بأخويه الصغيرين.


اليتيمان:


كانت وفاة الوالد في تلك الظروف القاسية ضربة شديدة، تبعتها أخرى بوفاة الوالدة، فلم تحتمل العائلة الصغيرة شدة هذه المصائب، فتفرق شمل الإخوة، واضطر الأخ الكبير للانفصال عن أخويه الصغيرين.


فكيف اجتاز اليتيمان سنوات الحرب العجاف بضعفهما وفقرهما؟.


أذكر أن سيدي رحمة الله تعالى، حدثني عن هذه المرحلة في حياته، في إحدى رحلاته التي تشرفت بخدمته أثناءها، حدثني عن مشاعر الألم التي كانت تحز في نفسه، وتمور في فؤاده، دون أن يستطيع في ذلك الوقت التعبير عنها، وأذكر من حديثه أنه قال لي: "لو كان لليتيم لسان يبين به عن لوعاته وآلامه؛ لأبكى الحجارة الصماء، مرت بنا أيام، كنا كثيراً ما نبقى في المدرسة في فرصة الغداء دون طعام، معظم التلاميذ يذهبون إلى بيوتهم، ونحن نبقى في المدرسة؛ لأنه لم يكن لنا بيت ولا طعام، حتى إن أخي كان يبكي أحياناً من شدة الجوع، أما أنا فكنت أشغل نفسي باللعب عن آلام الجوع". وحدثني مرة كيف عثر في الطريق على ليرة ذهبية، فحملها وهو لا يعرف حقيقتها لأنه ما رأى مثلها في حياته، ورآها أخوه بدر معه وهو يلعب بها، فأخذها منه ليشتري لنفسه وأخويه حاجات العيد المقبل الضرورية.


وحدثني عن فرحته الكبرى لأول مرة في هذا العيد، بالحذاء الجديد، والثوب الجديد، ولعبة القطار الآلي التي وعده أخوه بها، عندما أخذ منه الليرة الذهبية[1].


نشأته العلمية


لم يغفل بدر الدين عن تعليم أخيه محمد حتى في أشد أيام البؤس، فقد أدخله المدرسة الابتدائية، وهو ما يزال في الفترة التي كان يعيش فيها عند الأسر الفقيرة في أطراف البلد، وأيقظ فيه روح الجد، لما كان يرى فيه من مخايل الذكاء، فلم يقبل منه وهو في الصف الأول إلا أن ينال الدرجة الأولى على رفاقه، فحقق محمد لأخيه ما أراد منه، وفاز بالدرجة الأولى لذلك العام. وتابع بعد ذلك سيره في المدرسة من صف إلى صف، وفي السنة الثالثة من دراسته، انفرجت الحياة قليلاً لأخيه بدر الدين من بعد الشدة، وتخرج من الصف السادس سنة 1922م، فأدخله أخوه المدرسة الإعدادية، وفي نيته أن يتابع له تحصيله فيها للعلوم العصرية، لكن محمداً لم ينسجم مع بيئته الجديدة في المدرسة، وبدا عليه التقصير في دروسها، فإن ميله إلى العلم الشرعي والتزامه حلقات بعض الشيوخ في طلبه، وسلوكه الديني الصارم؛ كل ذلك لم يلائم بينه وبين بيئة هذه المدرسة. فأخرجه من المدرسة الإعدادية سنة 1923م، ووضعه عند معلم خياطة للملابس العربية، ليتعلم عنده مهنة الخياطة، ويتابع معها العلم الشرعي كما يريد، فكان محمد يعمل في النهار في الدكان، ويحضر بعد المغرب دروس العلماء في المساجد، وينضم بعد العشاء إلى الحلقات الخاصة لطلب العلم.


المدرسة الشرعية في حماه


كانت أيام المدرسة الشرعية أسعد أيام حياته رحمه الله؛ ففيها تحدد مستقبله العلمي الشرعي الذي كان يطمح إليه، وفيها ظهرت عملياً إمكاناته الفكرية الهائلة التي تفضل الله بها عليه، فرغم صغر سنه بين أقرانه من طلاب المدرسة كان الأول بينهم. وهيأ الله له في المدرسة وخارجها شيوخاً صالحين، تحدث عنهم، فقال:


"تأثرت بكثير من أساتذتي وشيوخي الذين لهم الفضل الكبير عليَّ، كفضيلة خالي الكريم الأستاذ الشيخ محمد سعيد الجابي المدرس العام في حماة رحمه الله تعالى[2]، فهو الذي دفعني في سبيل العلم الديني، وأمرني بحفظ القرآن الكريم، وأقرأني مبادئ العلوم الدينية.


ومنهم فضيلة أستاذي الفقيه الجليل، شيخ الشافعية في حماة، ورئيس جمعية العلماء فيها، الشيخ محمد توفيق الصباغ أدام الله توفيقه وجزاه الله عني وعن زملائي طلابه خيراً.


ومنهم سماحة الأستاذ الجليل الشيخ محمد سعيد النعساني مفتي حماة، ذو الباع الطويل في العلوم والمعارف، فقد كان له مع فضل التعليم فضل رفع الهمة إلى معالي الأمور.


ومنهم فضيلة عمي والد زوجتي، الأستاذ الفقيه الحنفي، الحجة العالم العامل، التقي الورع، الزاهد في الدنيا، شمس علماء حماة وبدر شيوخها، الشيخ أحمد المراد رحمه الله وبارك عليه، إنه من شيوخي الذين لهم عليَّ فضل التربية والتعليم، وقد أكرمني الله فجعلني صهراً له على ابنته".


المدرسة الخسرَويَّة الشرعية في حلب


وفي سنة 1347ه - 1928م أنهى رحمه الله تعالى دراسته في مدرسة حماة، فرحل في السنة نفسها إلى حلب يبحث عن منهل علمي جديد فهيأ الله له سبيل الانتساب إلى المدرسة الخسروية الشرعية فيها، وكانت تعتبر في ذلك الوقت أرقى المدارس الشرعية في بلاد الشام، فالتدريس فيها منوط بنخبة من العلماء الكبار، فكان يداوم على دروس عالم حلب الكبير الشيخ نجيب سراج رحمه الله تعالى.


ولم يكن رحمه الله تعالى يقتصر في دراسته العلمية على كتب المناهج الرسمية، بل كان يطالع الكثير من المصنفات.


العودة إلى حماة


وفي سنة 1353ه عاد رحمه الله إلى حماة بعد أن أنهى دراسته في حلب، ولم تطل فترة استقراره في حماة، فقد رحل عنها سنة 1356ه إلى مصر، ملتحقاً بالأزهر الشريف. لكنها كانت رغم قصرها ذات أهمية كبرى في حياته رحمه الله تعالى.


وفي هذه الفترة أيضاً، خاض الشيخ صراعاً فكرياً عنيفاً ضد الذين كانوا يناوئون الصوفية في حماة، وهم أتباع خاله الشيخ سعيد الجابي رحمه الله تعالى، ومن المعلوم أن سيدي كان موافقاً لهم قبل رحلته إلى حلب، بل إن خاله الشيخ سعيد كان يعدّه ليكون خليفته في هذا، فأصيبوا بتحوله إلى الصوفية بخيبة أمل مريرة، زاد من مرارتها، الموقف الصارم الذي وقفه الشيخ منهم، حتى تمكن رحمه الله من تثبيت أقدام الصوفية في البلد، بعد أن زعزعتها الحملات العنيفة التي كان يشنها الشيخ سعيد عليهم في دروسه العامة.


وإن موقف سيدي رحمه الله هذا، هو الذي أدى إلى تركه الخطبة في جامع الأشقر، لكن الله سبحانه وتعالى عوضه عنه بجامع السلطان، كما جر عليه كثيراً من التعب والعناء، فنصحه شيخه أو النصر أن يبتعد عنهم، ولذلك كتب إلى شيخه رحمه الله قائلاً: "كنتم أرسلتم لي كتاباً تأمرونني فيه بالابتعاد عن المنكرين بقدر الإمكان، وعدم مكالمتهم ومجادلتهم فيما يتعلق بأمر الطريق، وقد وفقني الله تعالى لامتثال أمركم حسب الطاقة، ووجدت له أثراً حميداً في نفسي وأشعرت بالتقدم والزيادة من الخير ببركتكم وعطفكم، غير أني لا بد لي يا سيدي من الخلطة ببعضهم، والاجتماع بهم، وأنا من هذا تجاه أمر واقع، أتمنى الخلاص منه، فلا أقدر عليه، ولا يخفى على مولاي -أعزه الله تعالى- أن المنكر لا يصبر عن الجدال مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما ضل قوم بعد هدىً كانوا عليه؛ إلا أعطوا الجدل"[3].


بدأ يلقي دروسه العامة في هذه الفترة، ففي سنة 1353ه عهد إليه الشيخ أحمد المراد -رحمه الله تعالى- بالتدريس مكانه بعد الظهر في الجامع الجديد. وبعد تركه جامع الأشقر، طلب منه الشيخ أديب الحوراني -رحمه الله تعالى- أن يخطب عنه في جامع السلطان، وبعد مدة كلفه بالتدريس. ومنذ ذلك الوقت أصبح مسجد السلطان المركز الرئيسي لجهوده التعليمية.


الرحلة إلى مصر


وفي عام 1356ه الموافق 1938م سهل الله تعالى له سبيل الارتحال إلى مصر، والانتساب إلى الأزهر؛ ليتمم دراسته العالية فيه.


وقامت في وجه رحلة مصر عقبات، لم يستطع رحمه الله اجتيازها حتى عام 1356ه، ففي هذه السنة سافر إلى مصر، وهو يظن أن المجتمع المصري لا يفترق كثيراً عن المجتمعات في حلب وحماة، وإذا به يفاجأ باختلاف كبير، فقد سبقت مصر البلاد العربية في تأثرها بأفكار الغربيين وعاداتهم، فانتشر فيها السفور والاختلاط بين الرجال والنساء انتشاراً كبيراً، وخاصة في القاهرة والإسكندرية، ولم يكن الشيخ رحمه الله تعالى يحتمل رؤية المنكرات، وما كان يطيق صبراً في السكوت عنها، فما كان منه بعد بضعة أيام من وصوله، إلا أن عاد إلى حماة، ولكن الناس في حماة استهجنوا عودته، ولاموه أشد لوم، وأصبحت عودته حديث الأندية، فأينما ذهب تأخذه الأبصار، وحيثما سار تتبعه الغمزات والابتسامات.


وسبب ذلك أن الناس كانوا ينظرون إلى الأزهر نظرة إجلال وإكبار، ويعتبرون الدراسة فيه نعمة كبرى، وفرصة عظمى، لا يجوز في نظرهم تفويتها والإعراض عنها، فكر راجعاً إلى مصر وترك حماة ليلاً، ولم يتمكن من زيارة شيخه لوداعه، ولما وصل إلى مصر كتب إليه يشرح له حاله، وما لاقاه من الناس، ويعتذر عن عدم وداعه.


والحقيقة أن ما يراه الزائر لأول وهلة في مصر، لا يعبر عن حقيقة المجتمع المصري، فالمجتمع المصري ينطوي على خير كثير، ولا يزال في مصر الكثير من العلماء والصالحين، وهذا ما حصل لسيدي رحمه الله، فبعد بضعة أشهر تغيرت نظرته إلى المجتمع المصري.


وانقلب الكره والنفور عنده إلى محبة لمصر وأنس بالمصريين، فتعرف على كثير من الصالحين، وأقام صدقات قوية معهم، واشتهر بينهم بلقب الشيخ الحموي، ولما أنهى دراسته فيها، ألحوا عليه بالبقاء، وأخبروه أنهم يستطيعون تأمين عمل له، وأنهم مستعدون لتزويجه ومساعدته في هذا الأمر، لكنه رحمه الله تعالى آثر العودة إلى بلده، فودع مصر باكياً على فراقها في عدة قصائد، منها:


ذبتُ يا مصرُ مذ عزمتُ رحيلاً              ولو اسطعتُ عشتُ فيك طويلاً


كنت ممن رَمَوك بالنكر لكن                 عادَ صوتُ النكير قولاً جميلاً


وفي مصر أيضاً، التقى بالعالم الكبير الشيخ زاهد الكوثري رحمه الله تعالى[4]، وقد نصح سيدي أن لا يختلط بالناس كثيراً، وذلك لما لاحظه عند سيدي من شدة نفوره من المنكرات، وتألمه من رؤيتها.


وفيها أيضاً تعرف على الرجل الصالح، والعالم العامل، فضيلة الشيخ مصطفى الحمامي رحمه الله تعالى، تأثر به كثيراً وأعجب بصلاحه وتقواه، وكان كثير الزيارة له، وبعد عودته من مصر، كان كثير الحديث عنه.


ومن الملاحظ أن أكثر الذين تأثر بهم سيدي في مصر، كانوا من خارج الأزهر، ولم يستفد من الأزهر زيادة في علمه. فقد قالوا له بعد اختبار الانتساب إلى الأزهر: "إنك عالم لا تحتاج إلى الدراسة فيه" ولكنه كان يعلن أنه استفاد من دراسته في الأزهر طريقة تحقيق المسائل وتدقيقها، وهو أمر ظاهر في آثاره العلمية وفي أجوبته الفقهية، وكان زملاؤه في الدراسة يدهشون من كثرة معلوماته، وغزارة محفوظاته، وخاصة في الأحكام الفقهية؛ حتى إن الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله تعالى -وكان زميل الشيخ في الدراسة الأزهرية - كان كثيراً ما يقول له: "إنك مدهش؛ من أين لك معرفة كل هذه الأحكام؟!".


ولما أنهى دراسته العالية بتفوق، طلب منه المشرفون على الأزهر أن يدخل قسم التخصص العالي، ولكنه رحمه الله تعالى أبى وآثر العودة إلى بلده؛ لشدة حاجة البلد إليه.


لمتابعة الترجمة كاملة اضغط على الملف أدناه

تحميل