مميز
الكاتب: د. غنية النحلاوي
التاريخ: 10/09/2011

الخوف والحزن بليّتان ينجو منهما المؤمن

مقالات
الخوف والحزن
بليّتان ينجو منهما المؤمن
نفحات قرآنية:
من أكثر الآيات تأثيراً في النفس قوله تعالى في وصف أوليائه أنهم: { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }.. وهي آية تتكرر في القرآن. ولكنني لسبب لا أدريه، حين قرأتها في سورة يونس جعلتني في عالم بعيد. وأنا أتخيل كيف يتخلص المرء من الخوف والحزن.. وهما والله بليتان.. إذا تخلص الإنسان منهما، امتلك قوة عجيبة.. فممّ يخاف؟.. لا أحد.. ولم يحزن؟.. لا شيء يحزنه.. حرية مطلقة.. وتشعر وكأن لك أجنحة تطير بها..
ثم.. من هم أولياء الله؟
{أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} في بلاغة وإيجاز معجزين، يحتوي هذا المعنى العام جداً، الواسع جداً، أولياء الله.
ثم أنني في قراءة تالية لسورة البقرة، تذكرت تلك السبحات القرآنية وهذا الانعتاق لأولياء الله، وخاصة في الجزء الأخير من السورة، حيث برز طريق آخر أكثر تخصصاً للخلاص من الخوف.. والحزن.
{مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} البقرة 261
{الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} البقرة 274
وإذن هنا أيضاً حرية مطلقة تمنحها عبادة الإنفاق: زكاة أو صدقة.
وما جعل الإنفاق في سبيل الله على خصوصيته، يستحق هذا الفضل الذي استحقته ولاية الله بما اشتملته من معاني التقوى والإيمان الواسعة، من وصف أهلها بأنهم { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }
هو أن النفقة في سبيل الله، بالليل والنهار، سراً وعلانية، دون منٍّ أو أذى..
النفقة التي يحبها الله ويريدها بصفاتها المذكورة.. تضمن الحرية المطلقة للإنسان..
عندما يؤديها بهذا الشكل، وهذا الاندفاع، فإنه ينعتق من العبودية للمادة.. (وهي بلاء عصرنا.. وهي فتنة أمتنا كما تنبأ به نبينا في الصحيح) فإذا هان المال في عينيه. وصار بذله عبادة.. ورخص في نظره، وأصبح إنفاقه في سبيل الله غاية وأمنية.. فممّ يخاف؟ وعلام يحزن؟.
وإذن، ها هي الآيات المذكورة تقدم لك دواء ناجعاً للهمّ والخوف والحزن.. وحتى لو أن الإنسان -للوهلة الأولى- لم يفهم لماذا، فإنه إن كان باحثاً عن الشفاء من هموم الدنيا وعلى رأسها الخوف والحزن، فعليه أن يجرب هذا الدواء، الإنفاق في سبيل الله بصفاته المحددة آنفاً.. الإيمان.. التقوى..
وكما في أمراض الجسم وأسقامه، ليس كل مريض بعارف آلية تأثير كل دواء يتناوله، بل هو يطمئن لطبيبه ويتناول الدواء دون أن يناقش عمله، وسيره في الجسم، ودقائق فعله في الداء..
ولكن من رحمة الله بنا أن يكشف لنا عن بعض خفايا الأدوية التي يصفها لنا في كتابه الكريم.
وهنا، يتضح لنا مدى ارتباط قول نبينا ورسولنا صلى الله عليه وسلم "داووا مرضاكم بالصدقة" بمدلول آي الذكر الحكيم، فأمراض الجسم وأسقامه كثيراً ما تتفاقم بسبب: الخوف، والحزن؛ الناتجين عنها نفسها، أو عن أسباب أخرى ( كما ثبت علمياً) وعندما يزول الخوف والحزن بالإنفاق في سبيل الله، والصدقة في الحديث الشريف، فإن هذا يسرع كثيراً في شفاء المرض العضوي الذي ألم بالجسم، وينعتق الجسم من آلامه وأسقامه، كما انعتقت الروح قبله.
وأخيراً نختم بوقفة سريعة مع قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} البقرة 277
وهي آية شاملة، تذكرنا بأولياء الله الذين آمنوا واتقوا في سورة يونس، ومع ذلك، نجدها تخص الزكاة بالذكر من بين "الصالحات" فتفردها هي والصلاة كشرط للانعتاق من عبودية الخوف والحزن.
فالإيمان، والعمل الصالح، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كلها ها أجرها عند الله، ومع هذا الأجر.. حرية تامة من الخوف، ومن الحزن..
فما أجزل كرمك علينا ورحمتك بنا يا الله..
وما أشد شحنا بالفضل وعلى أنفسنا.. غفر الله لنا..
عن مجلة النور بيت التمويل الكويتي.

تحميل