مميز
الكاتب: حسان محمد شريف الدقاق
التاريخ: 06/09/2011

الشيخ موفق نشوقاتي

تراجم وأعلام

العالم الجليل


الشيخ موفق النشوقاتي


علم وعمل ومنهاج حياة


اسمه ونسبه وأسرته:


هو العالم الجليل الفقيه المحدث المشارك في العلوم التقي النقي الشيخ موفق بن محمد رسلان بن عمر بن حسين بن بكري النشوقاتي الدمشقي الحنفي.


أصل أسرته من مصر، قدم جده حسين إلى دمشق مع حملة إبراهيم باشا واستوطنها.


وللأسرة وقف ذري قديم، ألغي عندما صدر قانون إلغاء الوقف الذري أيام حسني الزعيم سنة 1949م.


وغالب رجال الأسرة يعملون في صنعة بيع اللحم، منهم والد المترجم محمد رسلان المتوفى سنة 1366ه، وأخوه الأكبر محمد الأكبر محمد بدوي المتوفى سنة 1392ه، وأخوه الثاني أحمد المتوفى سنة 1401ه.


والدته هي السيدة سهيلة بنت الشيخ على الكيال، امرأة صالحة طاهرة نقية، توفي زوجها والد المترجم وترك لها خمسة أيتام، فربتهم أحسن تربية، ثم تزوجت بعده السيد جميل أبو ديل، وتوفى سنة 1393ه، فربت أيتامها مرة أخرى، وانتقلت إلى رحمته تعالى سنة 1413ه.


والأسرة فقيرة، ولم يظهر فيها طالب علم قبل المترجم رحمه الله تعالى.


ولادته ونشأته:


ولد الشيخ رحمه الله سنة 1357ه، الموافق في 27/3/1938م بمحله الشاغور بدمشق، وتوفي والده سنة 1366ه- 1947م، وله من العمر نحو ثماني سنوات، فاضطر وهو في هذه السن إلى العمل والاكتساب؛ ليعيل والدته وإخوته، فعمل في صنعة الحلاقة وعدداً من الأعمال الحرة.


ومن عناية الله تعالى به في هذه الفترة ما حدثني به ولده الشيخ عمر النشوقاتي أن والده رحمه الله كان يقول: ما عملت عند أحد من أرباب الصنعة إلا وعاملني معاملة الأب لولده، وغالبهم كانوا من الصلحاء، وهذا أثر في التزام الشيخ وتدينه منذ صغره، إضافة إلى توجيه والدته وتشجيعها.


وفي هذه الفترة دخل الكتاب؛ ليتعلم القراءة والكتابة والحساب عند شيخ المكتب الشيخ عبد الحميد قولي رحمه الله تعالى.


ثم دخل مدرسة أبي عبيدة بن الجراح في الشاغور سنة 1945م، فدرس فيها مرحلته الابتدائية، وكان من أساتذته فيها الشيخ محمد بشير الخطيب بن الشيخ محمد هاشم الخطيب رحمها الله تعالى، وترك المدرسة سنة 1949م قبل أن ينال شهادتها، وذلك بسبب ظروف الحياة.


وفي أثناء أعماله الحرة في هذه الفترة تعرف على رفقة صالحة كانوا السبب في دلاته على طلب العلم، منهم أبو سليم بديوي وأبو شاهر الزيبي، حيث تنقل معهم في حلقات عدد من العلماء، مع مواظبته على العمل دون انقطاع.


ثم تزوجت والدته بعد سنين من وفاة زوجها الأول والد المترجم، وتكفَّل زوجها المرحوم جميل أبو ديل بإعالة أولادها الأيتام، مما سمح للمترجم بترك العمل والتفرغ لطلب العلم الشرعي.


بداية ارتباطه بحلقات العلم:


بدأ الشيخ رحمه الله طلب العلم في حلقات العلامة الشيخ محمد سعيد البرهاني ت 1386 هـ، حضر دروسه بعد صلاة الفجر مدة سنة أشهر، وكانت دروساً عامة غالبها في الفه الحنفي والتصوف، وأخذ عنه الورد العام للطريقة الشاذلية، ثم تعرّف بعده على العلامة الجليل، الشيخ محمد هاشم المجذوب حفظه الله تعالى، فلازم دروسه مدة ستة أشهر، قرأ عليه خلالها شرح ابن قاسم الغزي على متن أبي شجاع في الفقه الشافعي، وشرح زيني دحلان على الأجرومية في النحو.


ثم تعرف على الشيخ أبي سليمان، سهيل الزبيبي حفظه الله تعالى في حي الشاغور، فلازمه مدة تزيد على العام، قرأ عليه خلالها المبادئ في مختلف العلوم من عقيدة وفقه وعربية غيرها، وحفظ عدداً من المتون وتدرب عنده على الخطابة.


وحضر في هذه الفترة دروساً مختلفة عند العديد من علماء دمشق، كالشيخ أبي الخير الميداني، والشيخ محمد الهاشمي، والشيخ محمد بدر الدين عابدين، وغيرهم، إلا أن حضوره عند هؤلاء وغيرهم كان قليلاً، وربما لدروس معدودة.


ارتباطه بالعلامة الشيخ محمد صالح الفرفور:


بعد ملازمة الشيخ رحمه الله تعالى للشيخ أبي سليمان الزبيبي، أخذه الشيخ لزيارة الشيخ صالح رحمه الله تعالى مع مجموعة من الطلاب، وكانوا نحو العشرين طالباً، فالتقوا بالشيخ في ساحة مسجد المدرسة القيمرية (القطاط) تحت ظل شجرة، فقال الشيخ أبو سليمان لشيخه صالح: هؤلاء إخواني وطلابي، وطلب لهم الدعاء، فأخذ الشيخ صالح رحمه الله تعالى بيد المترجم دون باقي الطلبة، قال له: ((إن الذين يبايعونك تحت الشجرة))، فقال: أمرك يا سيدي.


يقول المترجم رحمه الله: فلم يثبت على طلب العلم منهم أحد غيري، وكأن الله عز وجل ألهم الشيخ ذلك، فأخذ بيده من دونهم.


وكانت هذه البداية، فلازم بعد ذلك حلقات الشيخ صالح رحمه الله، وحلقات كبار تلاميذه، ودخل معهد الفتح الإسلامي سنة 1956م / 1375 هـ أي في السنة التي افتتح فيها المعهد بشكل رسمي.


ولم تكن صلة المترجم بشيخه إلا كصلة الولد بوالده والمريد بمربيه، فكان الشيخ صالح رحمه الله تعالى أباً رؤوفاً لتلاميذه، يعلمهم ويربيهم في آن واحد، ويمدّ لهم يد العون المادي والمعنوي، ويعتني بهم، ويحرص عليهم جد الحرص، وقد رأى المترجم من شيخه الشيء الكثير من ذلك.


مما يذكر في هذا الباب: أن المترجم رحمه الله التحق بالخمة الإلزامية في أثناء طلبه للعلم، فخشي الشيخ رحمه الله أن يكون ذلك سبباً لانقطاع تلميذه عن الطلب، فكان كلما التقى به كل أسبوع أو أسبوعين يسأله بتلهف وحرص: كم بقي لك في الخدمة؟ متى ستنتهي منها؟ متى ستعود إلينا؟ إياك أن يصرفك ما أنت فيه عن طلب العلم ... إلى آخر هذه الوصايا التي لم يكن يمل من تكرارها على مسامع تلميذه، ولو التقى به كل أسبوع أو أسبوعين.


هذا الموقف وأمثاله، من مواقف الحرص والاهتمام، جعل الشيخ المترجم رحمه الله يعتقد أن له مكانة خاصة في قلب الشيخ رحمه الله تعالى، ولم يكتف الشيخ صالح رحمه الله بالحرص على تلميذه، بل تعدى ذلك بالحرص على أولاده – أولاد المترجم – فكان كلما رأى ولداً من أولاده أو بنتاً – في أيام الصبا – يقول له: متى سيكبر ولدك هذا وتأتي به إلى المعهد؟ فيقول: إن شاء الله تعالى، وتم له ذلك بفضل الله، وتخرج جميع أولاد الشيخ من المعهد.


ولما توجه الشيخ رحمه الله إلى علوم الحديث، وقرأ على الشيخ عبد الله الحبشي، سر بذلك الشيخ صالح رحمه الله وشجعه، وأسند إليه تدريس علوم الحديث في المعهد، وكثيراً ما كان يقول له: عندي مخطوطة في الحديث أريد ان أعطيكها لتحقيقها، فيقول له: إن شاء الله، ثم لم يقدر الله تعالى ذلك.


دراسته في معهد الفتح الإسلامي والأزهر الشريف:


التحق الشيخ رحمه الله فور تعرفه على الشيخ محمد صالح الفرفور بحلقات معهد الفتح الإسلامي، في سنة تأسيسه 1956م / 1375هـ، فقرأ فيه مختلف العلوم على مؤسسه رحمه الله، وعلى كبار تلاميذه من المدرسين فيه، كالشيخ عبد الرزاق الحلبي، والشيخ أديب الكلاس، والشيخ ابراهيم اليعقوبي، والشيخ سهيل الزبيبي، والشيخ رمزي البزم، والشيخ صبحي البغجاتي، والشيخ نور الدين خزنة كاتبي، والشيخ أحمد رمضان، فهؤلاء هم مدرسوا المعهد في تلك الفترة، قرأ عليهم مختلف العلوم، وقد فصل المترجم العلوم التي قرأها على كل منهم، سأثبتها قريباً نقلاً عن خطه.


وكان من زملائه في الدراسة الشيخ أحمد نوناني القتابي، والشيخ أحمد عادل خورشيد وغيرهما، إلا أن المترجم كان المتفوق في الدراسة، فكان يحصل الدرجة الأولى في كل عام.


وفي أثناء دراسته في المعهد التحق بخدمة العلم، مما سبب في تأخر تخرجه، فتخرج زملاؤه سنة 1960م / 1380هـ.


وفي سنة 1973م سافر إلى القاهرة والتحق بجامعة الأزهر، حيث قبل في السنة الرابعة مباشرة بموجب الاتفاقية التي عقدها الشيخ محمد صالح الفرفور مع شيخ الأزهر عبد الحليم محمود، فقدم المترجم امتحانات السنة الرابعة، وحصل على درجة (الليسانس)، وكانت مدة إقامته في القاهرة خمساً وخمسين يوماً.


منهجه في التعليم والإرشاد والخطابة:


لا شك أن المنهج له دور كبير في التعليم والإرشاد والخطابة بل في سائر شؤون الحياة، وبدون المنهج المدروس المحكم تتبدد الجهود وتضيع الأوقات، ومعيار هذا المنهج مخاطبة الناس على قدر عقولهم.


وقد كان للشيخ رحمه الله منهج واضح في تدريسه بعيداً عن التعقيد والتكلف يتوج ذلك كله الإخلاص لله تعالى وحده ونية نفع المسلمين وخدمة طلاب العلم.


ويمكن تلخيص منهج الشيخ في التدريس العلمي في النقاط التالية:


  • الاهتمام بالعلوم النافعة المثمرة دون نوافل العلم وقشوره، مع عدم الزهد – في الوقت نفسه – بسائر العلم.

  • إقراء أمهات الكتب التي ألفها العلماء الثقات المعتمدون في علمهم وتخصصهم.

  • الاهتمام بإتمام الكتاب الذي يقرؤه، فكان الشيخ رحمه الله يحب الطالب المثابر في قراءة الكتاب حتى يتمه ويكره (التشهي) في طلب العلم الذي يتلاشى أمام الملل والكسل.

  • وفي إقرائه للكتاب كان يهتم بحل عبارة الكتاب وذلك بشرح غامضها وإرجاع ضمائرها وحل مشكلاتها مع حرصه على إتمام الدرس بالفوائد المهمة والنوادر العلمية الثمينة مع مراعاة عدم الاستطراد الذي يخرج الدرس عن طابعه ومساره.

  • كان يحرص جد الحرص على بذل النصائح العامة التي تنير لهم طريقهم وتدلهم على المنهج السليم في العلم والدعوة، وذلك فيك ل فرصة سانحة تسمح لهم بالاستطراد في ذلك.

  • وفي أسئلة الامتحانات كان يحرص على الموضوعات التي ينبغي رسوخها في ذهن الطالب ولا سيما تلك التي تتصل بتصحيح عقيدته أو مساره أو تحميه من الاغترار ببعض المناهج العلمية أو العقائدية الزائغة.  


ففي علم الرجال مثلاً كان يحرص على السؤال عن سيدنا ابو هريرة رضي الله عنه أو عن السيدة عائشة رضي الله عنها مثلاً، وفي علم الحديث كان يكرر السؤال عن أحاديث تحريم المتعة مثلاً، وأمثال ذلك من المسائل التي خاض فيها المبتدعة؛ لأنه يرى أن الامتحان سيكون سبباً في ترسيخ المعلومات سواء أداها الطالب كاملة ساعة الامتحان أم لا؛ لأنه سيعود بعد الامتحان إلى الكتاب وسترسخ المعلومات المسؤول عنها في ذهنه.


أشهر الكتب التي أقرأها:


أقرأ الشيخ رحمه الله خلال حياته العلمية الكثير من الكتب في مختلف العلوم، وأذكر هنا أبرزها في كل علم، مع ملاحظة أن بعض هذه الكتب لم يتمها الشيخ إلى آخرها وذلك لأحد سببين:


الأول: أن يكون الكتاب من مقررات معهد الفتح مثلاً فيقرئ في المعهد الجزء المقرر فقط ضمن المنهج الدراسي.


الثاني: أن يكون قد عزم على إتمامه ولم يقدر له ذلك.


فمن كتب التفسير: أقرأ جزءاً في تفسير البغوي وتفسير الجلالين، ولعله أقرأ تفسير النسفي أيضاً.


ومن كتب الحديث وعلومه: أقرأ بعض البخاري وسنن الترمذي ومختصر أبي داود للمنذري والأدب المفرد للبخاري، ورياض الصالحين، وبلوغ المرام وشرحه سبل السلام، وشرح البيقونية لسراج الدين ومقدمة ابن الصلاح وتدريب الراوي وبعض فتح المغيث للسخاوي وبعض ظفر الأماني لللكنوي وقواعد علوم الحديث للتهانوي وغيرها.


ومن كتب الفقه وأصوله: أقرأ مراقي الفلاح وحاشيته للطحطاوي واللباب والاختيار والأحوال الشخصية لقدري باشا وشرح الرحيبة لسبط المارديني وغير ذلك.


ومن كتب العربية: أقرأ الدروس النحوية بأجزائها وشرح قطر الندى وربما شرح ابن عقيل، والبلاغة الواضحة، وجواهر البلاغة، وبعض دلائل الإعجاز.


الشيخ مع الأسرة:


تزوج الشيخ رحمه الله تعالى بالسيدة عائشة بنت الشيخ سعيد الأحمر من أسرة علم وفضل وصلاح، ورزق منها أحد عشر ولداً وبنتاً، قدم خمسة منهم في حياته فرطاً، فصبر واحتسب، وتوفي عن ابنين هما الشيخ محمد والشيخ عمر، وأربع بنات هن أسماء وفاطمة وسهيلة ونور الهدى.


كان جل اهتمام الشيخ رحمه الله تعالى في حياته بأهله وأولاده وبناته تربية وتعليماً وتسليكاً، ويرى رحمه الله أن الأولوية في اهتمام العالم إنما هي لبيته، وكان ينتقد الكثيرين من أهل العلم الذين شغلهم الاهتمام بالناس عن الاهتمام بأهل بيتهم، فلذا قد اتبع رحمه الله في تربية أسرته وتعليمها الخطوات التالية:


  • اختار الزوجة الصالحة، لأن اختيار الزوجة له أكبر الأثر في نجاح تربية الأولاد، فزوجته امرأة صالحة تقية نقية، تعتقد أن اهتمامها بخدمة زوجها وتربية أولادها من أفضل العبادات والقربات.

  • حرص على تنشئة أولاده بعيداً عن مخالطة المجتمع، ولا سيما الجيران، فإن المخالطة غير المنضبطة لها تأثيرها السيء على تنشئة الأولاد.

  • لم يقتن في بيته التلفزيون طيلة عمره، خشيةً من تأثيراته السلبية على سلوك الأطفال.

  • المراقبة التامة لسلوك الأولاد ومعرفة زملائهم ورفقائهم في المدرسة، وعدم السماح لهم بالخروج من البيت إلا لضرورة، وضبط ذهابهم وإيابهم خارج البيت، ليكون على علم تام بجميع تحركاتهم وتصرفاتهم.

  • التعهد بالنصيحة في كل مناسبة باللين والحزم ولتغيب والترهيب، حسبما يقتضيه الموقف.

  • الاهتمام بدراستهم ومقرراتهم، والحرص على عدم اشتغالهم بما سواها؛ لأنها الفرض وما سواها النفل.

  • بعد انتهائهم من الدراسة الابتدائية وجههم جميعاً إلى طلب العلم في معهد الفتح الإسلامي، فجميع أبنائه وبناته قد تخرجوا من هذا المعهد الميمون.

  • تشجيعهم على المطالعة في أوقات الفراغ أو العطلة الصيفية، والاطلاع على الكتب ومعرفة الغث منها من السمين.

  • حرصه على أن يشق أبناؤه طريقهم في العلم والدعوة، فقد حرص أن يرتقي ولداه المنبر في حياته وتحت نظره، وكان يذكر دعوة شيخه الشيخ صالح الفرفور رحمه الله لما زاره مع ولديه محمد وعمر وعما في سن الصبا، فطلب الشيخ رحمه الله الدعاء من شيخه لولديه، فقال الشيخ صالح: إن شاء الله تراهم على المنابر، فاستجاب الله دعوة الشيخ، وحضر لكل من ولديه خطبة الجمعة.

  • حرصه على تزويج ولديه في وقت مبكر ليحفظ لهما دينهما، مع التأني في تزويج البنات واختيار الأزواج الصالحين، فأصهاره الأربعة من أهل العلم والفضل.

  • كثرة الدعاء لأولاده في كل مناسبة بصلاح حالهم والرضا عنهم وحصول النفع بهم.


مما يذكر في هذا الباب أنه وصل إلى بيته في إحدى الليالي متأخراً قليلاً، فوجد جميه أبنائه وبناته مشتغلين بدراستهم، ووجد أمهم تقرأ في دلائل الخيرات، فسجد سجدة شكر لله تعالى أن وفقه إلى عدم اقتناء التلفزيون، وقال: لو كان عندي تلفزيون لرأيتهم الآن جميعاً منصرفين إلى مشاهدته.


لمتابعة الترجمة كاملة اضغط على الملف أدناه

تحميل