مميز
الكاتب: حسن حبنكة الميداني
التاريخ: 25/08/2011

رسالة حول التوسل

بحوث ودراسات

رسالة

حول التوسل

(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)

مقالة: تبين حكم التوسل والاستغاثة، وتثبت حياة الأنبياء

وكرامة الأولياء، وتزيح ظلمة أوهام النجديين بضياء البراهين

الساطعة مع سلوك الأدب في البحث

بقلم

المربي الجليل

الشيخ حسن حبنكة الميداني (رحمه الله تعالى)

مقدمة:

هما صورتان ناطقتان، يأتي الكتيب الذي ستقرؤه من بعد، ترجمة دقيقة لهما

أما الصورة الأولى، فبوسعك أن تراها مستخلصةً من واقع يعود إلى ما قبل وفاة الشيخ حسن حبنكة رحمه الله، بسنتين تقريباً، إنها صورته مضطجعاً على سرير مُدَّ له في غرفته التي كان يستقبل فيها تلامذته وضيوفه (البراني) وقد أصيب باحتشاء قلبي، وأحيط بتعليمات طبية صارمة.

دخلت عليه بصحبة الشيخ خير العلبي رحمه الله، ذي الصوت الشجي، نعوده. وما إن استقرّ بنا المجلس، حتى نظر شيخنا الجليل رحمه الله إلى الشيخ خير، يتلطف إليه أن يسمعه شيئاً .. وقد كان شيخنا طوال معرفتي له ملتاع الفؤاد بلواعج الحب الإلهي، وبمشاعر الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد قضى نحبه وفارق الدنيا دون أن تُخفَفَ عنه تلك اللواعج، أو تندمل في قلبه تلك القروح!.. أنشد الشيخ خير أبياتاً مطلعها

متى يشتفي القلب المقرح يا سعد ويسكن هذا الشوق والتوق والوجد

فتملكت شيخنا رحمه الله حالة من الوجد، أسلمته إلى بكاء شديد، وعذاب من الشجو كان واضحاً أنه لم يشعر منه إلا بالعذوبة والأنس وتنفَس الصعداء.

أشفق عليه من ذلك أخوة محمد خير حبنكة رحمه الله، وأشار إلى الشيخ المنشد أن ينتهي إنشاده. لم يَخْفَ ذلك على الشيخ الذي كان يتلوى على فراشه باكياً كالملدوغ، فنظر إلى الشيخ خير قائلاً تابع .. تابع .. هذا دوائي. لا تلتفت إلى أحد.

* * *

الصورة الثانية أرسمها لك من خلال كلمات

زرته وحدي قبل وفاته بأقلّ من شهر. كان نشيطاً، وكانت تتجلى عليه سمات العافية. أفاض في الحديث عن آلامه من حال الناس والدنيا، وعن آماله في لقاء الله بعد طول اشتياق، وعرّج على الحديث عن اشتياقه لرسول الله، وعن عزمه على أن يشدّ الرحل لزيارته عما قريب.

وإنه لكذلك، إذ ضمني إليه وعانقني، وأهوى إليّ بقبلات لم أعهدها منه من قبل، وقد نالت منه البرحاء واهتاجت به الحال ..

لم أره بعدها، ولم أره بعدها إلا مسجّىً على النعش تعلو وجهه إشراقة لا أكذب عينيّي رؤيتها والتشبع بها.

والآن، لك أن تقرأ ترجمة هاتين الصورتين بياناً علمياً في الكتاب الذي أمامك. فإن شئت استجبت في تأويل ذلك لرعوناتك وتعصباتك المذهبية، وإن شئت استجبت لما ينتظره رسول الله ويأمله منك.

محمد سعيد رمضان البوطي

* * *

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ملهم الصواب، والصلاة والسلام على من منح فصل الخطاب، وآله وأصحابه ذوي الأدب في السؤال والجواب - أما بعد - فإن العقائد الزائغة ...! إذا كمنت في النفوس، فإنما تودي بأصحابها على هامهم في سقر...! ولا يتسرب ضيرها إلى العموم

فإذا أشيعت على صفحات الجرائد المعتمدة وحصل الإقرار عليها ممن يعوّل عليه، انتشرت جراثيمها في جسد العالم الإسلامي فمزقته كل ممزق.

فهي إذاً أرهف شفرة تقطع أيدي القلوب المعتصمة بحبل الله المتين، هي أكبر عوامل التفريق بين المسلمين، هي نار تُأجج في أصل الوئام والأُلف، يجب على محب الإتحاد أن يشمر عن ساعد همته لإطفائها بحكمة.

لا يحتاج إلى برهان[1] أن الحمل على المسلمين، وتكفيرهم قاطبة، سلفاً، وخلفاً أمر لا تكاد تقبله الطباع، ولا تحمله النفوس الزكية.

ناولني بعض التلاميذ العدد 330 الصادر في 23 ذي الحجة سنة 1349 من صحيفة أم القرى بعد تاريخه بمدة في مجلس عام، فإذا فيه شن الغارة على إيمان المسلمين عموماً.. فعندها وقفت متحيراً. قائلاً فيم نحن اليوم من هذه الأبحاث الفارغة، وتلك التشويشات الهائلة..!

قمت منفعلاً فإذا زمرة من التجار يطلبون مني أن أرد على تلك المقالة رداً كافياً، فَوُفِقّتُ لعجالة في الموضوع تمر على أبحاث أم القرى فتجعلها حصيداً كأن لم تغن بالأمس.

وبعد أن جاءت العجالة على نمط المقالة، حُبِّبَ إلي أن أجعلها رسالة توزع بين الناس لتعم الفائدة فسارعت لطبعها كما هي محبة في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقدم شكري الزائد لمن يرى عيباً فيهديني إليه، والله الموفق للصواب.

م. حسن مرزوق ميداني

{حول التوسل}

(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)

إن مما تنتعش له قلوب أهل الإيمان، وتشرئب إليه أعناق الموحدين، ويبتهج به الكون طرباً، وتحاربه الملائكة عجباً، يبهت لحلوله الذي كفر، ويخرّ الجبابرة من هيبته صماً وعمياناً، إقامة حدود الرب تعالى بين المسلمين، وإظهار الشعائر الدينية، وتمكين العقائد الإيمانية، في أفئدة الرجال والنساء، وإملاءِ صحائف الأطفال البيضاء بمحاسن الشريعة الغراء، قبل أن تسودها بنان الزائغين بقبائح الكفر والطغيان...

لا غروَ أن هذا وأمثاله لا يسود نظامه إلا بمسيطر مخلص حازم، ذي قوة فعالة، ومدد عام، يكبح النفوس العصية، التي ترغب عدم التكليف، وتأمر بالفحشاء .. وترتاح لإتباع الأهواء.

أجل .. ولا تثبت دعائم الملك لذلك المسيطر حتى يأخذ بطرف من الرجوع إلى العلماء الراسخين في مهمات الأمور، ويعمل ويحمل الناس على العمل بإجماعهم فيما يتعلق بالدين الطاهر المتين، إذ هم عماد الملك وحفظة الأمن العام.

وها هي صفحات التاريخ تؤيد ذلك وتجليه ولا ينبئُك مثل خبير.

تواترت الأخبار، أن الحدود الشرعية والمظاهر الدينية والأمن المنتشر، قائمة اليوم على ساقها في مصدر الدعوة الإسلامية، ومعدِن الأخلاق النبوية السامية. بلد الله الحرام.

البلد الذي بزغت منه شموس الإيمان، فإليه تهوي أفئدة المؤمنين وتنثلج لمشاهديه صدور الموحدين، هو المجتمع الوحيد لطوائف المسلمين في كل عام.

نعم.. هو ملجأ المسلم عند انتشار الفجور في الأرض، وعدم الأمن على المال والدين والعرض، يقول عز شأنه: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً). ويقول: (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً).

بيد أنه أشيع عن طائفة هنالك: ايقاع[2] المسلمين قاطبة في الشرك وعدم التوحيد لأسباب لا إخالها تستوجب ذلك، بل ولها أصل ثابت في الدين يخضع لبرهانها العقل الصحيح لمن شاء منهم أن يستقيم.

كنت وكان البعض نظن كذب تلك الإشاعة أو إنها عقيدة الجاهل البسيط من تلك الطائفة، فكنا نتربص ريثما نقف على حقيقة الأمر حتى إذا جاء الخبر اليقين على صحيفة أم القرى الصادرة في 32 ذي الحجة سنة 1349 العدد 330 مترجِماً لما أكنته ضمائر تلك الطائفة وتوغرت به صدورهم على كل مسلم، مصرحاً بتكفير كل من توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من المقربين، معلناً انقطاع إحساس الأنبياء كغيرهم وانقضاء أعمالهم بالموت إلى غير ذلك مما هو محتوياً على مغالطات بذكر آيات قرآنية وشبه أدلة واهية صريحة البطلان.

وقد تعلم تلك الطائفة أن الله تعالى منذ أخذت رؤوس دعاتهم تقوم بالإفساد، قيّض العلماء المنصفين لقمع تلك البدعة المدمرة, فكشفوا عن محيّا الحق اللثام حتى انقضت نوبة البحث في ذلك وأسفر الصبح لذي عينين، ولا داعي لإعادة البحث إلا تشويش أذهان العامة الغافلين.

جدير بنا اليوم ونحن في مسيس الحاجة إلى التعاضد و المحبة والاعتصام بحبل الله جميعاً، لتدارك ما بقي من ذماءٍ وروح الإيمان أن لا نختلف في مثل تلك الأبحاث المفروغ منها.

ما لنا ولهذا؟ أولى لنا ثم أولى أن نتكاتف لإخراج نفوسنا من الأسر (ونحن في قبضة الأعداء) ولتمكين دعائم أصل الإيمان في صدور الكثير من الشبان والشابات، والبنين والبنات، الذين أشرفوا (واحزناه) على السقوط في أوحال الكفر الصريح وإنكار الشريعة من أصلها، لولا أن مقالة أم القرى جعلت في قلوب الجم الغفير من المسلمين حزازة وعداوة لتلك الطائفة؛ الطائفة التي طالما كنا نأمل العز والفتح المبين لها، ونرجوا الخير للمسلمين بها.

لذلك ولإزالة الشقاق بين المسلمين، أرخيت عنان اليراع لنقض تلك المقالة نقضاً إقناعياً بحسن أدب ليكون ادعى للأُلفِ وأقرب للنصيحة ولم أتعرّض لعباراتها خشية السآمة وفراراً إلى ما هو الأهم من بيان الحق وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت والله ولي التوفيق.

سرحت النظر في مهمّ تلك المقالة فألفيتها صيحة في واد، ونفْثة في رماد، وهي تدور حول أمور ثلاثة:

1. عدم جواز الاستغاثة والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم.

2. انقطاع أعمال الأنبياء بالموت.

3. عدم جواز تصرف الأحياء مطلقاً بالأمور المعنوية كالمرض والضيق.

وها أنا مستعينا بالله أبين الحق في ذلك موجزاً عسى أن تزول الشحناء وترتفع الغوغاء، وما أنا إلا موضح أو معيد، ولم أطرق السمع بجديد.

ولما كانت البراهين في ذلك كثيرة جمة لا أكاد أنتهي من بعض أطرافها حتى يظهر لي الطرف الأخر.

وللفكر في ذا مجال واسع، لا بدع أني اقتصرت منها على الواضح الذي يلمسه العلمي بيده ويدركه بلا تأمل وإليك ذلك.

ولتحميل الملف كاملاً اضغط الملف أدناه

تحميل