مميز
الكاتب: د. نصوح الشامي
التاريخ: 08/08/2011

الثورة في شَرَك الاستبداد

مشاركات الزوار
الثورة في شَرَك الاستبداد
د. نصوح الشامي
تجتاح عالمنا العربي اليوم ما يسمّى بالثورات الشعبية، أو ثورات الشباب، وفي هذه الثورات يعلو نجم أناس، ويخبو نجم آخرين، والعامل الوحيد والحاسم في تصنيف الناس هو موقفهم من الثورة .. فمن كان مؤيّداً لها تألّق نجمه، وصار هو المناضل والثائر والغيور على الأمّة، ومن لم يظهر منه الوقوف إلى جانبها بصراحة وبقوّة احترقت أوراقه، وغدا من المثبّطين، والممالئين للأنظمة الفاسدة، ومن المؤيّدين للاستبداد .. وبمقدار وضوح موقف أيٍّ من الفريقين يزداد تمكُّناً في الاتِّصاف بهذه الأوصاف التي ذكرت، سواء كان في هذا الصّف أو ذاك.
لا بدّ أن يَحْذر كلُّ من يتبنّى الفكر الثوري الوقوعَ في هذه الورطة .. ورطة الاستبداد، لأنّ الثورات تترافق غالباً - وربّما دائماً - مع العواطف المهتاجة، ومن شأن هيجان العاطفة أن يجور على العقل والتعقّل، وأن يقود الفكر، ويستتبعه من حيث نشعر أو لا نشعر .. وإذا وقعت الثورة في هذا الخطأ الفادح، فإنها تكون بذلك قد أوجدت في ذات نفسها نقيضَها الذي يؤذن بزوالها، أو النَّخَرَ الذي يجعلها تتآكل من داخلها .. هذا المنحى من التفكير والسلوك، يمكن أن نسمّيه (الاستبداد الثوري، أو استبداد الثورة) وهو الذي يفرز ما يمكن تسميته بـ(التكفير الثوري).
التكفير الثوري أخطر من التكفير الدّيني: وهذا أمر في غاية الخطورة، لأنّ الدين يقبل التعايش مع الكَفَرة، ولا تزال المجتمعات الإسلامية - على مرّ التاريخ – مشحونةً بمن هم في نظر الإسلام كفار، ومع ذلك لم تُنتقص حقوقهم، ولا مُسَّت كرامتهم .. أمّا مَن يتبنّى منهج التكفير الثوري، فهو لا يقبل التعايش مع من يخالفه بشكل من الأشكال.
والذي يلاحظ بوضوح من حال الثورات عموماً – ولا أستثني منها ثوراتنا العربية الناشئة – أنّها تأخذ الناس بالظِّنّة والشبهة، فكل مَن صدر منه رأي، أو اتّخذ موقفاً لا يتّفق مع تطلعات الثائرين وتوجّهاتهم بشكل تامّ أو شبه تام؛ اتُّهِم بالخيانة .. ثم عومل بالعنف، وأقلّ أشكال هذا العنف ما يتجلّى في رفع الثوار عقائرهم بتسقيطه وتخوينه وتكذيبه.
المنطق الإسلامي تجاه الرّأي المخالف: ليس ضابط الرّأي الصّواب كونَه محلّ اتّفاق وقبول من الأكثرية، فربّما كان الصواب مع الأقليّة، بل ربّما كان مع الفرد الواحد .. وقد يكون ذلك في القضايا المصيرية .. وأذكِّر بهذه المناسبة بموقف عتبة بن ربيعة يوم بدر، إذ نصح قريشاً بعدم قتال رسول الله وصحبه .. وقد قال عليه الصّلاة والسلام:" إنْ يكُ في القوم أحدٌ يأمر بخير؛ فعسى أن يكون صاحب الجمل الاحمر"، أي: عتبة .. ولكنّ أبا جهل مارس معه القمع؛ فعيّره بأشنع وصف يمكن أن يوصف به العربي في مثل هذا الموقف، وهو الجُبن، فاستدفع عتبة العار عن نفسه؛ فتبع الأكثرية من قومه، وكانت الهزيمة النكراء، واستحرَّ القتل بصناديد قريش ورؤوس البغي، وكان فيمن قتل عتبة وأبو جهل.
من أجل هذا المعنى، وهو كون الحق غير محصور في رأي الأكثرية، وكونه قد يكون مع الفرد الواحد؛ حرَّم الإسلام تكميم الأفواه، وحرص على استطلاع جميع الآراء؛ فأوجب على كلّ مَن هو من أهل الرأي أن يصدع برأيه، وأن يعرضه للنقاش والبحث .. ولقد خطى الإسلام في مجال احترام حريّة الرّأي، خطوةً جبّارة لم يُسْبَق إليها، ولم يُلحق، و عجَز الناس إلى اليوم عن تقليده فيها .. تتمثّل هذه الخطوة في كون الإسلام يقرّر، أن المجتهد وإنْ أخطأ فله أجر.
إنّ أرقى التشريعات الوضعية والفلسفات البشرية، قد تعفو عن المجتهد إذا أخطأ فلا تعاقبه، أمّا أن تكافئه على خطئه، فلا أعرف فلسفة ولا مبدأ يفعله إلى يومنا هذا .. هذا هو المنطق الإسلامي.
أمّا المنطق الديمقراطي تجاه الرّأي المخالف: فهو أيضاً يدعو إلى حرية التعبير عن الرّأي، ويمنع من كمّ الأفواه، سواء كان ذلك المنع ماديّاً أو معنوياً .. هذا على المستوى النظري على أقلّ تقدير .. وإنّي أُذَكِّر بهذه المناسبة بكتاب الحرية أو حرية الاعتقاد للفيلسوف البريطاني جون استيوارت ميل، فقد استبسل في هذا الكتاب في الدّفاع عن حريّة التعبير، واستبسل كذلك في محاولة إقناع الناس، بضرورة احترام الرّأي الخطأ، و أن لا يُمنع صاحبه من المجاهرة به وهو مطمئن .. ويروى عن أحد حكماء الإغريق – ولعلَّه سقراط – قولةٌ بل حكمةٌ رائعة، تقول:" قد أخالفك في الرَّأي؛ ولكنّني مستعدٌّ أن أضحّي بنفسي في سبيل أن تعبِّر عن رأيك"
ولكن منطق الثورات – ومنها ثوراتنا العربية – بخلاف المنطقين الإسلامي والدّيمقراطي كليهما .. إن الثائرين – ويا للأسف – يقمعون المفكّرين والعلماء، ويهدِّدونهم بالحَرْق المعنوي؛ إذا هم قالوا كلاماً يخالف مِزاج الشارع .. من أجل هذا أصبح كثير من المفكّرين وأصحاب الرأي يصانعون الذين يهتفون في الشوارع ويداهنونهم، ويصفِّقون لهم؛ دفعاً للتهمة عن أنفسهم، وربّما رأوا الرّأي المخالف، ورأوا في مزاج الشارع ما قد يجلب الضّرر على البلاد والعباد، فلم يملكوا الجرأة الكافية ليجابهوا الواقع.
إنّ الأمة الواعية والحازمة هي التي تستطلع ما عند كبارها، وتلجئهم إلى إخراج ما عندهم من الآراء والأفكار دون مواربة، ثمّ لا تقابلهم على هذه الآراء – سواء راقت لها أو لم ترُق، أو حتى لو كانت مؤلمة بالنسبة إليها – إلاّ بالتقدير والاحترام، إن لم يكن بالأخذ بما يرون؛ فبشكرهم على بذلهم ما استطاعوا من النُّصح .. إنّني أقول بكلّ صراحة: إنّ الأمة التي تستنكر على حكمائها ومفكّريها آراءهم، ولا تتحمّلها على ما فيها من المرارة والقسوة أحياناً؛ أمّة ينقصها الوعي، وهي تحرم نفسها بذلك من كثير من الخير.
الوطن حقُّ الجميع، ويتكلَّم في مصيره الكبار: ليس من حقِّ أحد أن يحاول تسكيت أحد من أصحاب الرّأي؛ بحجّة أنّه لا يؤيّد الثورة؛ فإن الانتماء للوطن حقٌّ مقرَّرٌ للجميع، سواء كانوا في صفّ الثوار صراحة أو ضمناً، أو كانوا على الحياد، أو بدَوا عند البعض مثبّطين، وما ينبغي أن يُترك تصنيف الكبار للشارع؛ لأنّ المواقف في الأوقات العصيبة تخفى على الدّهماء؛ بسبب حساسية الوضع، التي قد تلجئ الحكيم الغيور إلى عدم التصريح بالدّوافع الكامنة وراء الموقف الذي يتبنّاه، ولا يُتوصّل إلى معرفة هذه الدّوافع إلاّ بقراءة ما بين السطور، وما وراء المعنى المتبادر للوهلة الأولى .. وهذا ما لا يقوى عليه ولا يستطيعه إلاّ الكبار، من ذوي العقول الرّاجحة، لا سواد الناس، ولا الذين عندهم فكر ومعرفة، ولكنّ ما يضمرونه من الطمع في المكاسب يفسد عليهم رأيهم، ويمنعهم من النُّطق بالحقيقة، فيعمِدون إلى التَّلْبيس على الناس.
لا يجوز أن يرسم منهج النّهوض بالأمة، إلاّ الأقلّون من أصحاب العقول الكبيرة، والأحلام الرّاجحة، والإخلاص النّادر، ثمّ يكون عامّة الناس من ورائهم، منقادين لهم، متّبعين توجيهاتهم، منفّذين لما يشيرون به؛ سواء راق لبعضهم ما يشيرون به، أو لم يرق لهم ذلك.. ولا يجوز للأمّة تخوين كبارها، ولا تجهيلهم، وبخاصّة في الملمّات .. وإذا صحَّ هذا الذي أقول؛ فليس إذن من المعقول ولا المقبول، أن يُراجَع هؤلاء في كلّ رأي واجتهاد يظهرون به على الناس، ولا أن يُطالبوا ببيان مسوِّغات آرائهم بالتّفصيل.
ملابسات الواقع وضرورات القادة غير رغبات الشّعوب: ولكن تعقيدات الواقع، قد تلزم القادة والحّكام والمفكِّرين أحياناً بتجاهل أمنيات الشعوب ورغباتها، لاعتبارات دقيقة، قد يَعجِز عن الوصول إليها مدارك العامّة، بل قد لا يكون من الحكمة الإفصاح عنها على الملأ .. وقد أثبتت التجربة التاريخية أنّ خلاف هذا المنهج يؤدي إلى نتائج غير محمودة، وأنّ تدخّل العامّة وتحكَّمهم في القرار؛ يؤدّي إلى نتائج غير مرضية، بل قد تكون كارثية أحياناً .. ولأضرب لذلك مثلاً، بما كان بعد مقتل سيّدنا عثمان رضي الله عنه .. فقد تولّى الخلافة سيّدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكانت إمامته مَحَلّ اتِّفاق من الأمّة، ولمّا لم يشأ أن يبادر إلى الاقتصاص من القتلة، ورأى تأجيل ذلك إلى أن تستقرَّ الأحوال، حتى لا تزداد الفتنة استفحالاً وتفاقماً؛ عارض بعض أولياء الدّم، وحرَّج على سيدنا علي أن يسلِّم إليهم القتلة ليقتصُّوا منهم حالاً، فنشب نزاعٌ جرَّ إلى فتنة عظيمة، أريقت فيها دماء كثيرة، و لا تزال ذيولها ممتدّة في الأمّة إلى اليوم شقاقاً ونزاعاً .. تُرى هل كان علي رضي الله عنه متهاوناً في إقامة حدود الله؟ .. حاشاه من ذلك، ولكنّه نظر في مآلات الأفعال، وسدِّ الذّرائع، والموازنة بين المصالح والمفاسد، وكان أوسع من غيره دِرايةً بالواقع، وأعمق فهماً للشرع، وأدقّ في الإمساك بميزانه.
إنّ كلا الفريقين كان ذا نيّة صالحة، ولكن ذلك لم يشفع لهم في عدم وقوع الشِّقاق والنِّزاع والاقتتال.
فما الحَلُّ إذاً؟ إذا حدث أن لم تتّبع الأمّة هذا المنهج الرَّشيد؛ فإنّ من الواجب الأكيد على العالم الناصح والمفكّر الرّشيد، الغيور على الأمّة، أن لا يعبأ باستنكار الدّهماء، وأن لا يلتفت إلى اتِّهاماتهم، وربّما مجاهرتهم له بالتّكذيب والتّخوين .. وإنّني لمُعْجَبٌ أشدَّ الإعجاب، بالمفكّر الذي يقول الكلمة التي قد لا تُعجب الشارع، وقد لا تعجبني أنا أيضاً؛ بشرط أن يكون ذلك اجتهاداً صادقاً منه.
وإنّني لكوني سوريّاً، لا أستطيع أن أكتم هنا استغرابي البالغ من إنكار بعض الناس على الدكتور البوطي .. ولماذا الإنكار على المفكِّر والنّاصح المجرَّب، حين يرى رأياً؟!. إنّ العالم والمفكّر الحقّ، هو الذي يقول قناعته دون أن يبالي بكون اجتهاده مقبولاً عند العامّة أوْ لا، وهل يفعل الدّكتور البوطي إلاّ هذا؟. إنه يمارس ما يراه واجباً عليه؛ وإن كلَّفه ذلك أن يضحّي – مؤقّتاً - برصيده الشعبي، مع أنّه يستطيع بكلمة واحدة – لن تكلِّفه شيئاً - أن يجعل من نفسه بطلاً جماهيرياً وشعبيّاً، وذلك بأن يساير مزاج الثائرين .. ولكنّ هذا ليس شأن الكبار الغيارى على الأمّة، ولا شأن العالم الناصح الذي يتّقي الله تعالى.
إنّني لأعجب ممّا أسمع وأرى من التّطاول على مقام هذا المفكّر النزيه، والعالم الزّاهد، لقد كان إلى الأمس القريب، همزة وصل بين الشعب والنّظام، وكان مَحلّ ثقة الطّرفين، ومَفزَع الناس في كلّ الشّدائد التي يتعرّضون لها من قِبل الدّولة وأجهزتها الأمنيّة، وبقي لسنوات طويلة يعمل على رفع الظُّلامات عن الناس، دون أن يجني مقابل ذلك شيئاً، بل لم ينتظر في يوم من الأيام حتى كلمة ثناء من أحد، لأنه كان يقوم بما يقوم به من مساعي الإصلاح، من منطلق الشّعور بالواجب .. ثمّ رأيناه فجأةً يُتّهم بما لا يُقِرُّه العقل والإنصاف، ويُساء إليه بسبب اجتهاده، الذي يهدف إلى ما فيه مصلحة البلاد .. ألم يكن أوّل مَن قال: إن الإصلاحات الجذرية ضرورة لابدّ منها، شريطة أن تكون عاجلة؟ .. ولمّا أريقت الدِّماء لم يطلق فتوى واحدةً تخالف حكم الشّرع؛ فجرّم القَتلَة .. ولكنّه في الوقت نفسه، أشفق على الأبرياء العُزّل، الذين يقتنصهم رصاص الغدر، ولا يملك هو ولا هم يملكون حيلةً يدفعونه بها؛ فما كان منه إلاّ النُصح للناس بملازمة البيوت اتِّقاء للشّرّ المستطير، وحَقناً للدِّماء .. وكان من جملة ما حذّر منه، وجود مخطَّط مرتبط بجهات خارجية، تحاول استغلال هذه التظاهرات السِّلمية والحضارية، ببث الفتنة والفوضى في البلد، من أجل القضاء على هويّته ووحدته، فحاول البعض أن يفسِّروا اجتهاده هذا، بأنّه وقوف إلى جانب النّظام ضدّ إرادة الشّعب .. ولا أدري كيف استجازوا لأنفسهم إطلاق هذه التُّهمة على رجل من أنظف الناس تاريخاً، وأنصعهم سيرة ..
أفيُنسى تاريخه المشرق والمشرِّف، بسبب اجتهاد ظهر له بعد البحث والتَّمحيص؟ .. وهَبْ أنه كان غير دقيقٍ في تصوُّره للواقع، ولم يُحالفه التّوفيق في اجتهاده الذي بناه على هذا التّصوُّر؛ أفيسوغ لنا أن نتّهمه، وأن نجرِّمه، وأن نحاول أن نبخسه كلّ مَحْمَدةٍ أتاها .. لقد كان الأجدر بمن لم يُسَرَّ من اجتهاده، ورأى موقفه خطأً، أن يتحلّى بالإنصاف، ويقول كما قال الشاعر:
فإن يكن الفعلُ الذي ساء واحداً . . . فأفعاله اللائي سَرَرْنَ أُلوف
وعلى كلِّ حال؛ فإنّ العالم الذي يرضى لنفسه أن يُقاد من قِبَل الشارع؛ يخون أمّته، ويهين كرامة العلم.
هذا نموذج واحد ذكرته، وهناك نماذج أخرى تظهر بوضوح تغلّب العاطفة على التّعقّل عند شعوبنا، وتسرّعها في إطلاق الأحكام، فتبالغ في المدح سريعاً ، ثمّ هي تذمّ مَن كانت تمدحه، وتسلب منه كل فضيلة، وتنسى له أياديه، وإنّ أوضح مثال على ذلك رجب طيّب أردوغان، فكم اضطرب مؤشِّر بورصات الثورات العربية بشأنه، وكم مرّة ارتقت أسهمه إلى الأوج، وكم نزلت إلى الحضيض، وهو الذي وقف المواقف المشرِّفة تجاه أمّتنا، ودافع عن قضاياها في المحافل الدّولية، وليس من شأن الكرام نسيان الجميل ولا إنكاره.

تحميل



تشغيل