مميز
الكاتب: عبد الله الفقير
التاريخ: 04/08/2011

مشاكلنا.. أسباب وعلاج

مشاركات الزوار
مشاكلنا.. أسباب وعلاج
عبد الله الفقير
قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( الظالم عدل الله في الأرض- وفي رواية - سوط الله في الأرض ينتقم به ثم ينتقم منه )) إن كثيراً من الظلم الواقع في المجتمعات إنما يقع بمثابة سوط التأديب من الله تعالى لتنبيه الغافلين والشاردين عن صراط الله تعالى من الذين لم ينفعهم التذكير ولم يصغوا إلى النصح النبوي السامي بل أعرضوا عنه ولربما استهزأ بعضهم بتلك النصائح ووصفها بالسلبية وغير ذلك نسأل الله العافية والسلامة، ولذلك أيها الأخوة ينبغي علينا إذا رأينا الظلم انتشر والفتن ادلهمت أن نعود إلى الله تعالى، أن يشم كل منا رائحة كفه ويذكر ماذا جنته يده وما الذي كسبته، ثم يصلح ما أفسد ويتوب إلى الله عز وجل لأن التوبة إلى الله والرجوع إليه وإصلاح القلوب والنفوس هي السبب الأقوى لدفع الظلم والأذى فإن الإصرار على الذنوب _ نسأل الله العافية _ هو سبب كل داء استفحل في المجتمع والدواء من هذا الداء هو العودة إلى الله هو الإنابة إليه هو الرجوع إليه نعم ما أحلى الرجوع إليه، هذا هو دوائنا ولكن نحن نعلم أن أخذ الدواء ينبغي لكي يؤتي ثماره ويسري مفعوله أن يكون على النحو الذي وصفه لنا الطبيب لا على النحو الذي تشتهيه نفوسنا وأهوائنا، لنصغي السمع إلى ما يقوله لنا ربنا سبحانه وتعالى، يقول الله تعالى {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} العنكبوت 45
في هذه الآية الكريمة يبين الله تعالى لنا دائنا، هذا الداء الذي استفحل في المجتمع، إنه داء الفحشاء والمنكر ومعلوم أن معرفة الداء شيء مهم إذ أن معرفة الداء نصف الدواء، ولكن في نفس الآية وصف ربنا تبارك وتعالى لنا الدواء من هذا الداء أيضاً وبين لنا أن دوائنا إنما يتمثل بالرجوع إليه بالوقوف بين يديه في الصلاة بتلاوة كتابه الكريم بالإكثار من ذكره ... إذاً ربما يقال: هذا الدواء قد وجد فأين الشفاء؟؟ إن هذا السؤال قد يخطر في البال إذ أن الدواء موجود ولكن الشفاء مفقود وهذا أيها الأخوة سببه جلي وواضح إذ أن الدواء الناجع حتى يؤتي أكله ينبغي أن يؤخذ على النحو الذي وصفه لنا الطبيب أرأيتم إلى مريض قد أضر به المرض قصد طبيباً حاذقاً لمعرفة الدواء فوصف له الطبيب دواءً ناجعاً وطلب منه أن يأخذه على وصف معين وفي وقت معين فأخذ المريض الوصفة وراح يطبقها على نحو ما تشتهيه نفسه وكما يريد هواه هل يشفى هذا المريض من داءه؟! لا أبداً لا يشفى مع أنه علم الدواء وربما تناوله أيضاً ولكن تناوله كما يريد هو لا كما يريد الطبيب... إذا هل يلام هذا الطبيب الحاذق الذي أعطى هذا الدواء الناجع لهذا المريض... هل يلام بأن المريض لم يشفى؟! أبداً أيها الأخوة لا يلام لأن المريض لم يستخدم الدواء كما أراد الطبيب بل استخدمه كما يهوى ويريد، ولنعود الآن بعد هذا المثال إلى واقعنا المر ولنرى تطبيق الدواء الذي في الآية الكريمة... قد يعجب المرء من أن يرى كثيراً من المصلين والبعض من التالين بل والحافظين لكتاب الله تعالى والكثير ممن يحضر مجالس الذكر في هذه الأيام لا يمنعه ما ذكرنا عن الغش والكذب وارتكاب المحرمات وترك الواجبات مع أن الله تبارك وتعالى يقول: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ}
إذا ًالصلاة دواء عظيم فلما لا يشفى البعض مع أنهم يصلون؟؟!! الجواب هو أن الصلاة قد تحولت عند الكثير إلى عادة وحركات رياضية يؤديها كما يشاء ثم يعود لما كان عليه بينما الله سبحانه وتعالى يقول (( وأقم الصلاة )) وإقامة الصلاة بالطبع يختلف كثيرا عن أدائها، فكثير من يؤدي الصلاة لكن القليل جداً من يقيمها وإقامتها تعني أن يأتي المرء بكل أركانها وسننها وأدابها خاشعاً حاضراً ذاكراً لله تعالى مراقباً له عز وجل متحققاً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان عندما قال: (( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) عندما يفقد أهم ركن للصلاة وهو الخشوع فيها فإن الصلاة تصبح كالجسد بلا روح يقول تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} قال مجاهد: أقم الصلاة لتذكرني فيها، إذاً إقامة الصلاة لذكر الله لاستشعار أن الله يراك أنك قائم بين يديه فتصور يا أخي إذا كان كل من يصلي هذه حاله ومراقبته وهذا ذكره وخشوعه هل يعقل أن يخرج هذا المصلي من صلاته ثم يصر على ذنب أو يحدث نفسه بخطيئة ؟!
ثم لننتقل إلى تلاوة القرآن وذكر الله تعالى، إن تلاوة القرآن أحب ما تقرب به العبد إلى ربه لكن كيف ينبغي أن نقرأ القرآن حتى تكون قراءتنا شفاء لنا من أمراضنا المتفشية وحتى يكون القرآن الكريم قائدنا إلى الجنان يقول الله تبارك وتعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} ص 29 إذاً قراءة القرآن يجب أن لا تكون مجرد مرور على الحروف وتسابق في الختمات وتباهي في الأصوات والقراءات بل المقصد من قراءة القرآن هو ما ذكره الله تبارك وتعالى في الآية الكريمة إنما هو التفكر والتدبر بالآيات والتذكر والاعتبار حتى يصطبغ الإنسان بما فيها من أوامر وينتهي عما نهت عنه من نواهي، إذا قرأ القرآن وهو متدبر كلام من الذي يقرأ وأمر من الذي يسمع كلام رب العالمين كلام خالق العالمين إذا استشعر الإنسان وهو يقرأ شيئاً من هذه المعاني لذاب خجلاً فمن أنا حتى ينزل ملك الملوك، الله عز وجل كلاماً على نبي من أنبيائه يدعوني به إليه ويخاطبني به بالتودد والتحبب يقول سبحانه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} الزمر 53 فو الله لو قرأنا القرآن كما أمرنا الله بالتدبر والتفكر لكفى أحدنا قراءته لهذا القرآن الكريم نعم لكفاه ذلك دواء لكل العلل والأمراض الحسية والمعنوية.
وبعد هذا ايها الأخوة يتبين أن لا مفر لنا من الله إلا إليه ولا صلاح لحالنا إلا بالرجوع والانكباب على بابه سبحانه وأن نأخذ الدواء كما وصفه لا كما نشتهي فإنه هو الذي دلنا على الدواء الذي يصلح حالنا فلو رجع كل منا إلى نفسه ولامها وقرعها وقال يا نفس منك أتينا منك حصل ما حصل، منك كل البلايا والرزايا، يقول الله تعالى {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} الشورى 30، وروي أَنَّ رسول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (( لا يُصِيب ابْن آدَم خَدْش عُود، وَلَا عَثْرَة قَدَم، وَلَا اخْتِلَاج عِرْق إِلَّا بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو عَنْهُ أَكْثَر(( . إذاً لو عاد كل منا بالتقريع واللوم على نفسه واشتغل بما يصلحها إذا والله لكنا رأينا آثار الصدق في المجتمع ورأينا تغيير الأحوال، يقول الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} ولم يقل سبحانه حتى يطلبوا التغيير من غيرهم!! بل قال {حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.
أسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأن يلهمنا أخذا الدواء كما وصفه لنا لا كما تطلبه أهوائنا ورغباتنا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

تحميل