مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 03/08/2011

لا تعيدوها لطمةً جديدة مع مقدَم شهر رمضانٍ جديد

مقالات

لا تعيدوها لطمةً جديدة مع مقدَم شهر رمضانٍ جديد


بقلم: د. محمد سعيد رمضان البوطي

ترى هل ستُعاد تجربة العام الماضي اليوم؟ هل سنواجه الجُحر ذاته الذي لُدغنا منه في رمضانِ عامنا الماضي، يوم أرادها بعض أدعياء الفن، لطمةً تُوجّه إلى الوجه المقبل إلينا بالرحمة والأنس، من شهر رمضان، فعادت لطمةً لم تصب الذين ظلموا منا خاصة، بل عمّت قطرنا كله، وها نحن مازلنا نترنّح منها اليوم؟

أما رسول الله الصادق والمصدوق فيقول: "لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين".

وأما المستهتر بكلام رسول الله ووصاياه فيقول: بل سنعيدها الكرة تلو الأخرى، هي في المرة الأولى تجربة، وفي المرة الثانية والتي تليها عادة مستمرة، وما دام ألم اللدغ مقسَّماً على الأمة كلها، فلنتحمل ولْيهُنِ الخطب.. ترى في سبيل ماذا؟.. علمها عند الشيطان!..

ولكن هل هذا هو الذي سيتم مع مقدم شهر رمضان، (وربما لن تبلغ كلمتي هذه الناس إلا وقد قدم هذا الشهر المعظَّم فعلاً)، أقول: "هل عزم أصحاب التجربة الأولى، أن يبعثوها لطمةً ثانية، وإن ارتدّت بالسواد على وجوههم وبمزيد من الصائب على أمتهم؟!.."

أرجو وأسأل الله أن لا نُواجه بأي مغامرة، فنّية أو غير فنية، تقفز بالبلاء إلينا، فوق ضوابط العقل ومن وراء سنن الإنسانية والرشد.

* * *

ثم من هذا الذي قال فصدّقه الناس: "إن الفن لا يبلغ أن يُسمى فناً إلا إن كان شأنه الخوض في الأسافل؟!.." وهل من حق الفن إذا سئل عن طريق أهله: "ما علمك عن إنسانية الأمة وقيمها وأخلاقياتها وحقوقها ومبادئها؟" أن يجيب قائلاً: "إن شأني الخوض في الأسافل ونشر ما يفوح من روائحها في الأوساط. أما هذا التسلق إلى معالي الأمور فليس من اختصاصي ولا يبلغه جهدي؟!.."

أفي الحق أن يقول الفن هذا الكلام؟..

إن الذي قد يقول هذا الكلام أدعياء الفن والمتمسّحون به، أما الفن ذاته فلسوف يخاصمهم إلى القضاء الذي ينصفه منهم ويرد عنه زيفهم ويُبرز أمام الدنيا سموَّ قصده وألَقَ رسالته.. ولكن أين هو القضاء الذي ينصف الفن من حيث يحرره من زيفه؟

* * *

إنّ بوسعي أن أقول لكم: "إن الفن الحقيقي هو الذي يقاضي الآخرين ويدافع عن ذاته".

وها أنا أتخذ من الدراما التركية نموذجاً، ولكني لا أعنى الغثاء الذي التقطه الإعلام السوري هابطاً إلى أدنى درجات الدون، ثم عُرض مترجماً إلى العربية ليعود الناس عندنا بالاشمئزاز من كل ما يسمى الفن التركي، وإنما أعني ذلك التيار الواسع الذي ما يزال يتسع، من المسلسلات التركية التي بلغت الأوج في التأليف والإنتاج، وسمت إلى الأوج في التمثيل والإخراج، ثم إنها ارتفعت إلى أوج الأوجه في تحقيق الرسالة واحتضان المضمون: معالجات تربوية.. تحبيب القيم الإنسانية.. سدود أخلاقية رائعة لثغرات عائلية.. حلّ لمعضلات اجتماعية.. وإنك لتلاحظ أن الفريق كله: المؤلفين والمخرجين والممثلين، متحررون من عقدة النقص التي تمنعهم من الاستشهاد بآية أو من دعم الفكرة بحديث نبوي أو حكمة عربية غير تركية.

ما ضرّ أن يُستقبل شهر رمضان بهذا الذي اسمه الفن حقيقة، لا يمازجه زيف ولا ادعاء؟.. وإذا لم يكن يملك المتسلقون عندنا إلى رُبى الفن الاختصاص الفني أولاً، ولا يتمتعون بثقافة عامة ثانياً، ولا يملكون حساً أخلاقياً يسمو بهم صُعُداً ثالثاً، فما لهم لا يتتلمذون على هذا القبس الفني الذي يظل صاعداً بسرعة إلى الجوزاء، منبسطاً في الآفاق؟ وليكن اسمه الفن التركي.. ما الحرج؟

المصدر: مجلة طبيبك

تحميل