مميز
الكاتب: الدكتور محمد توفيق رمضان
التاريخ: 20/07/2011

الذكر والاستغفار

مقالات
الذكر والاستغفار
د. محمد توفيق رمضان
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن شهر رمضان فرصة للتقرب إلى الله سبحانه، وعودة إلى أعتاب رحمته، وبداية تغيير في منهج الحياة والسلوك لتوجه صحيح إلى الله جل شأنه.
وهذا التغيير يتطلب وسائل تعين عليه، بل إلى شروط لا غنى لمن صدق في التوجه للوصول إلى غايته.
وسأقف هنا أمام وسيلتين تربويتين أعتقد أنهما لا تنالان الاهتمام والعناية منا كما ينبغي.
إنهما : الذكر والاستغفار.
سأقف عند هاتين الشعيرتين اللتين أكثر كتاب الله تعالى التنويه بهما والحض عليهما، وفي شهر الصوم، شهر الإقبال على الله سبحانه أرى من المناسب الحديث عنهما.
الذكر وأهميته:
إن ذكر الله تعالى من أعظم ما يحتاج إليه قلب المؤمن ليتذوق حقيقة الإيمان، ولينتقل إيمانه من إيمان سجين في قفص العقل لا سلطان له على صاحبه، إلى إيمان يضرب جذوره في أعماق القلب وتظهر ثماره على الجوارح والسلوك.
والذكر الذي نعنيه هنا ليس مجرد كلمات نرددها، بل أن يكون قلب أحدنا حاضراً مع الله دائماً. فلربما تحرك اللسان بذكر، والقلب غافل. ولربما كان اللسان لا يتحرك، ولكن القلب ذاكر يقود الحركة نحو ابتغاء رضى الله ومحتبه.
يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: (اعلم أن فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوها. بل كل عامل بطاعة الله تعالى فهو ذاكر لله تعالى. كما قال سعيد بن جبير رضي الله عنه وغيره من العلماء)[1].
وهذا يعني أنه ينبغي أن يكون القلب حاضراً ويقظاً بذكر الله تعالى، ومادام العبد يستحضر مراقبة الله في حاله وفعله ومقاله، ويقصد عبادة الله تعالى وطاعته فهو يذكر الله تعالى.
ومن خلال هذا المعنى يمكن فهم معنى قوله تعالى: }وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ{ (الأحزاب35)، وقوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً{ (الأحزاب41-42).
ويؤكد فهم هذه الآيات على هذا النحو ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما: (المراد يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدوَّاً وعشياً، وفي المضاجع، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى)[2].
وما يذكره ابن عباس طريق لتحقيق المعنى الأول الذي أشار إليه كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى. وإنما يكون ذلك بملازمة الأوراد المأثورة في الصباح والمساء وفي أعقاب الصلوات وسائر الأذكار المأثورة عند مختلف الأحوال.
وإذا كان الذكر هنا لفظياً يتمثل في دعاء أو تسبيح أو تحميد أو نحوه؛ فإن له صورة أخرى سلوكية تقوي معنى الذكر في قلب المرء. وذلك بالتزام الآداب الواردة في مختلف أحوال المرء: كدخول المسجد بالقدم اليمنى، والخروج منه بالقدم اليسرى. ودخول الخلاء بالقدم اليسرى والخروج باليمنى. وأن نأكل باليد اليمنى ... وغير ذلك من الآداب، والتي قد يتصور المرء أنها مجرد آداب شكلية. ولكنها في الحقيقة تحريض ليقظة القلب، فإذا ترافقت مع الذكر اللفظي تآزرت الجوارح ليغدو المرء ذاكراً بكل كيانه، مستحضراً عظمة الله تعالى ونعمه وفضله عليه في قلبه. وذلك يتيح له أن يقطف ثمار ذكره: رقة في القلب واستقامة في السلوك.
ذلك لأن المراد من الذكر إنما هو يقظة القلب.
وللذكر ثمرة عظيمة: تتمثل في أنه تعرض لرحمة الله تعالى وإحسانه؛ يثمر قوة في عزيمة الخير، والاستقامة. وذلك لأمرين اثنين: أحدهما أن الذكر حصن يمنع كيد الشيطان ووسوسته، والآخر أن الذاكر حاضر القلب مع الله، وذلك يجعله أشد حباً لله وأكثر خشية منه.
كيف لا، والحديث القدسي عن الله تعالى يقول: "أنا جليس من ذكرني، أو أنا معه إذا ذكرني"[3].
وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر. فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم. قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: ما يقول عبادي؟ قال يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك. فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا، والله ما رأوك. قال: فيقول: فكيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيداً وتحميداً، وأكثر تسبيحاً.
قال: فيقول: فما يسألونني؟ قال: يقولون: الجنة. قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبة. قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار. قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً وأشد لها مخافة.
قال: فيقول: أشهدكم أني غفرت لهم. قال: فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلان، ليس منهم، إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم"[4].
والذكر سبب لمغفرة الله تعالى، وغذاء يوطد في القلب محبة الله تعالى وخشيته، مما يعين المرء على التزام شرعه بتطبيق أوامره واجتناب نواهيه. وهو سبب لطمأنينة القلب ... السر الذي يسعى المرء دائماً إليه، بل هو من أهم ما يبحث الإنسان عنه في حياته.
وفي مقابل ذلك نجد أن الغفلة من أخطر ما يهدد الإنسان ...
من ذلك ما أشار إليه قول الله تعالى: }وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ{ (الزخرف 36).
وقد فسر بعض العلماء }ذِكْرِ الرَّحْمَنِ{ بالقرآن والعمل به[5]، والمراد عندئذٍ: أن من تعامى عن التدبر في كتاب الله تعالى وشرعه، وأهمل العمل بمقتضاه. ولكنه عبر عن ذلك كله بقوله سبحانه: }ذِكْرِ الرَّحْمَنِ{ لأن الذكر هو الجذر الذي يغذي شجرة التمسك والتدبر والالتزام.
ومن ذلك قوله سبحانه: }وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً{ (الكهف 28). قال ابن عطية في تفسير الآية: }أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا{ : أهمل ذكرنا وتركه. }وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً{ : أي كان الأمر الذي يجب أن يلتزم به مفرطاً فيه ومضيعاً.
وكما أكدت النصوص الشرعية وجوب الذكر والحرص عليه وعلى دوامه، فقد نهت بالمقابل عن الغفلة، كما في قوله تعالى: }وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ { (الأعراف 205).
وعندما وصف الله تعالى الكفرة قال في شأنهم: }ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَـئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ {(النحل107-108).
وصفهم بأنهم }هُمُ الْغَافِلُونَ{ أرأيت كيف اختار لهم صفة الغفلة من كل الصفات السيئة التي يمكن أن يوصفوا بها، إشارة إلى ما تعنيه الغفلة من تبلد في الحس، وضعف إرادة يجعله طوع بنان الشيطان والهوى.
كيفية الذكر:
أمرنا الله سبحانه بكثرة الذكر فقال: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً { (الأحزاب 41).
وأمرنا أن نذكره على كل حال فقال: } الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ... { (آل عمران 191).
وأمرنا عز وجل أن نذكره وندعوه خفية فقال: } ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً { (الأعراف 55).
وعدَّ النبي r مَنْ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
وهذا لا يمنع من الجهر بالذكر، فقد جهر الصحابة بالذكر في أحوال كثيرة. لأن الجهر بالذكر مطلوب في بعض الأحوال؛ إذ يسن الجهر بالتلبية كما صح في السنة، فقد روى النسائي والترمذي وابن ماجه عن النبي r أنه قال: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي بالإهلال والتلبية". وكما بينه الفقهاء، وكذلك الأمر في تكبيرات العيد، فقد ورد أن الجهر بها مسنون[6].
ورد استحباب الذكر على انفراد، كما يفهم من حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله، إذ يقول النبي r: "ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه"[7]، كما ورد الثناء على القوم الذين جلسوا مجلساً يذكرون فيه الله سبحانه. فقد قال النبي r: "ولا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة"[8]. وقد سبقت الإشارة قبل قليل إلى الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة أن النبي r قال: "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم ... "[9].
هذا في الذكر بصفة عامة. ولا تنس أن لكل حالة من حالات المرء، ولكل عمل يقوم به، ولكل تقلب من حالٍ إلى حال ذكر ملائم له وردت به السنة، كالطعام والشراب، والنوم والاستيقاظ، والدخول إلى البيت والخروج منه، والدخول إلى المسجد والخروج منه، والدخول إلى الخلاء والخروج منه، وقبل الجماع ... الخ مما يجعل المرء دائماً في ذكر لله تعالى.
وإذا كانت هذه الأذكار على اختلاف أنواعها قد أمر بها عامة المسلمين، فهي بالنسبة للدعاة أعظم أهمية.
ب- الاستعفار:
الاستغفار ثمرة وعي العبد ويقظة قلبه، واستحضار مراقبة الله تعالى ومخافته. وهذا كله أثر الذكر وثمرته. قال تعالى: }وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ{ (آل عمران 135).
والاستغفار حالة من الشعور بالضعف، واعتراف للمولى سبحانه وتعالى بالفقر والعجز والتقصير، والتجاء إليه سبحانه: } فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ { (الذاريات 50).
وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالاستغفار في آيات كثيرة، وبشر المستغفر بالمغفرة فقال سبحانه وتعالى: }وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً { (النساء 106).
وقال سبحانه وتعالى: }وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ{ (غافر 55).
وقال سبحانه: }وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً{ (النساء 110).
وروى مسلم عن الأغر بن يسار المزني رضي الله عنه، قال: قال رسول الله r: "يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة"[10] وفي رواية للبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله r يقول: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة"[11].
وفي الحديث القدسي الذي أخرجه الترمذي عن أنس رضي الله عنه عن النبي r أنه قال: قال الله تعالى: "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك، ولا أبالي. يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك. يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم أتيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة"[12].
من أصغى إلى الآيات السالفة الذكر وإلى الحديث القدسي بعدها لامس شغاف قلبه نداء الرحمة الذي يوجهه الرب الكريم الرحيم إلى عباده، إيقاظاً لقلوب غافلة، وتنبيهاً لهم من خطر الغرق في بحر الغفلة، لا بل في مستنقع المعصية. وفي مختلف الأمراض والمهالك الناجمة عن الغفلة والمعاصي.
وإذا كان النبي الكريم r، وهو المعصوم بالنبوة، والذي بشره الله بالمغفرة تشريفاً وتكريماً وإنعاماً فقال له: }لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ{

تحميل



تشغيل