مميز
الكاتب: محمد المسافر
التاريخ: 29/06/2011

من وحي "فقه الأولويات"

مشاركات الزوار
من وحي "فقه الأولويات"
للحديث عن ترتيب الأولويات وتنظيم الأهداف نصائح تتلى، وكتب تقرأ، وأصوات تصدح، ولها في الوقت نفسه إعراض واسع الشعبية، كثير السواد، عريض التأثير أقسم عليه أكثر الناس، لا سيما في أمتنا العربية والإسلامية.
وفي أمة: أرضها محتلة، ثرواتها مغتصبة، قراراتها ألعوبة بأيدي أعدائها، شعوبها مضطهدة، الهوة بينها وبين أعدائها – بل وأصدقائها – بعيدة الغور، أفكار مجتمعاتها "المغلوبة" مفتونة بثقافة الأجنبي "الغالب"، في أمة هذه بعض مشكلاتها يستطيع أي عاقل أن يستنتج وبدون كثير من التفكير والتحليل أن اهتمام شبابها وفتياتها وسائر أفرادها بالرياضة والدراما والغناء وعروض الأزياء وبرامج المسابقات ومتابعة آخر صرعات الموضة وتصفح أكبر عدد ممكن من مواقع الشبكة العنكبوتية وإدمان الجلوس إلى غرف "المحادثة" على تلك الشبكة والتردد على المقاهي والمطاعم والنوادي يأتي من حيث الأهمية بعد الاهتمام بقضايا العلم والتكنولوجيا والصناعة، وبعد الاهتمام بشؤون السياسة والاقتصاد والاجتماع، وبعد التردد على المكتبات والمعاهد والمراكز الثقافية، ذلك فقط إذا ما أرادوا حقيقةً تحرير الأرض واستعادة الثروات وامتلاك زمام القرار السياسي وسد الهوة بينهم وبين العالم الذي قطع أشواطاً هائلة وخلفهم في المؤخرة.
وإذا كان ثمة مفارقة أبدية بين النظرية والتطبيق، وبين ما ينتهي إليه العقل من أحكام صارمة متعِبة، وما تميل إليه النفس البشرية من الدعة والراحة، فإن واقع أمتنا اليوم لهو شاهد العدل المفوه الذي تنضح وقائعه بهذه الحقيقة، بل بهذه المأساة.
ويبدو أن لدينا إصراراً على تأكيد تلك الحقيقة تحار الأذهان في فهمه، وتعجز الفلاسفة في فلسفته، ويصل معه المناطقة إلى طريق مسدودة، في الوقت الذي يصل فيه الغيورون على هذه الأمة إلى ألم مستطيل.
وقد وقف كثير من هؤلاء الغيورين مواقف غير منكورة الشكر، أصابوا فيها وأخطئوا، شرفتهم مقاربتهم للصواب، واعتذر عن أخطائهم حماسهم النبيل، ولكن يبدو أن الوصول إلى حل جذري لمشكلاتنا بمختلف أبعادها لن يكون بمجهودات فردية فريدة يبذل معها أصحابها قصاراهم ليجدوا في النهاية أن ما أنجزوه على أرض الواقع مخجل من حيث التأثير.
إن ما يضمن نهوض الأمة هو يقظة مترامية الأطراف تجتاح الأمة من أقصاها إلى أقصاها، يعيش فيها شبابها همها، ويعملون من أجل عزتها لا من أجل ذواتهم ومتعهم العاجلة أو الآجلة، يقظة فكرية توحي بالتخلص من جراثيم الغزو الفكري الغربي الذي تظهر آثاره المرضية في دقائق الأمور وعظائمها، ثورة صناعية مستمرة تستأصل ما استقر في النفوس من تفوق الصانع الغربي على الصانع المحلي، يقظة يأخذ فيها أفراد الأمة دورهم الحقيقي، وواجبهم المقدس في تحرير الأرض واستعادة الحقوق.
وقبل هذه النهضة الفكرية والعلمية والصناعية المنشودة، فلن نحصد إلا مزيداً من الرزايا والمصائب، ولن نبقى إلا في مؤخرة القافلة الإنسانية، ألتقص في قدراتنا العقلية أو الجسمية أو – حتى الروحية -؟ كلا! بل لميل لدى شبابنا إلى التسلية والراحة، مدعومين بأفكار مميعة يجادلون بها "الخصم" الناصح، ويدحضون بها – فيما يتوهمون – كلام المشفق المتألم، أفكار استوردوها – بل صُدرت إليهم كُرهاً – من الغرب عبر وسائل إعلامه الغازية، وعبر مراكزه الثقافية ومعاهده الدخيلة.
ولست أنكر أنني متأثر تأثراً بالغاً بالثقافة الإسلامية، ومعجب أشد الإعجاب بما قدمه المسلمون على امتداد تاريخهم المشرق، ومقتنع تمام القناعة بأن عودة صادقة من المسلمين إلى دينهم من شأنه أن يرفع مكانة أمتهم بين شعوب العالم إلى سدة الصدارة وبامتياز، ولا أعتقد أن عمر الفاروق - ذلك القائد الملهم - كان مخطئاً عندما قال كلمته الشهيرة ليخلدها التاريخ ويكررها خلفه : " نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله "، ومع ذلك أعتقد أن من لا يزال مقتنعاً – و بعد كل ما عانته الأمة بعد سقوط الخلافة الإسلامية – أن العودة إلى الإسلام تعني تخلفاً إلى الوراء يزيد على أربعة عشر قرناً، فإن بإمكانه أن يتخذ من النهضة الإسلامية المأمولة موقفاً ذا شقين :
الأول: أن يترك من يرى رأينا – وسيكونون كثراً بإذن الله – أن يتحركوا بحرية كما يشاؤون، طالما أنهم يتحركون في إطار مصلحة الأمة وإصلاح ما فسد في مختلف شؤونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
الثاني: أن يساهم من حيث تهديه وجهة نظره ببناء مجتمعه وإصلاح احواله، ولعل في "سياسة انتقائية" حكيمة من الحضارة الغربية الحالية ما يعينه في ذلك.
عند ذلك نلتقي على أرض صلبة تتمثل في أهمية النهوض بالأمة، وأهمية الاستفادة الانتقائية من التجربة الغربية في مجالات البحث والتعليم والصناعة والتكنولوجيا، فيتحول - من جراء هذا الالتقاء - اختلافنا من تناحر وتحارب وإهدار للطاقات الكلامية والعملية إلى اختلاف تعاوني، يقف كل طرف فيه من الآخر موقف الصديق الشاكر في حال يرى فيها أن صاحبه أصاب، وموقف الطبيب الناصح في حال أخرى.
ولا أعتقد أن علينا أن نرفض هذه اليد الممدودة من "الإسلاميين"، طالما أن ثمة ما يمكن أن نتفق عليه ونعمل جميعاً على تحقيقه، وإن اختلفنا في أساليب السعي إلى ذلك، فإننا باختلافنا هذا لن نكون إلا كأناس سفر انقطعوا في مكان قفر قليل المياه، كل ولى الآخر ظهره وسلك طريقه، ولكن الجميع عازمون على الإتيان بالماء ليكون قسمة بينهم!!
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وكتبه محمد المسافر
بتاريخ 11/6/2011
10/7/1432
في دمشق المحروسة أدام الله عليها الأمن والإيمان

تحميل



تشغيل