مميز
الكاتب: الباحثة ميسون برغل
التاريخ: 08/11/2019

تهنئة في مولد رسول الله (ﷺ)

مشاركات الزوار

تهنئة في مولد رسول الله  (ﷺ)


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .


اقترابنا من عيد مولده  (ﷺ) ‏ يحرك فينا مشاعر وتساؤلات تزيد قليلاً عن الأيام الأخرى ، وأقول قليلاً ذلك لأن آثار مولده  (ﷺ) ‏ هي حاضرة معنا دائماً محبةً وتفكيراً ...مولده  (ﷺ) ‏ فرض واقعاً جديداً اًفرزه الاهتمام بكل مناحي الحياة الدنيوية والأخروية على السواء ولنبقى في الدنيوية وتحديدا في موضوع واحد وهو موضوع المرأة .


لقد أسس عليه الصلاة والسلام لموضوع المرأة مفهوماً مختلفاًفي أكثر جوانبه عن الحقبة التي سبقته فهو فضلاً عن خطابه المعمم لها كسائر الناس توجه بالحديث عنها وإليها ما لها وما عليها .


ولأن تأثري كبير بأسلوب الدكتور البوطي (رحمه الله) الموضوعي في تناول المواضيع والحديث عنها فأنا لا أتعاطف مع المرأة من منطلق انحيازي كإمراة وإنما من منطلق إنساني ... فالظلم والإجحاف يمكن أن يصدر عن المرأة والرجل على السواء ، فالمشكلة في أساسها قبل أن تكون مشكلة امرأة ورجل هي مشكلة نفْس إنسانية تعاطت مع أسباب رفعتها أو انحطاطها . 


وأنه لو عولجت هذه النفس ابتداءاً لما وجدنا أصلاً مشكلة حقيقية قائمة بين كلا الجنسين .


وأنا هنا لا أنكر مجموع المشاكل التي تعاني منها المرأة فهذا غير واقعي ولكنني حتماً لا أردّ الأصل فيها إلى شريعة الله وإنما مرده لأمرين اثنين : 


أولاً التطبيق والفهم الخاطئ لأحكام شرعية كثيرة خاصة بالمرأة تصدر عن أناس لم تتشرب نفوسهم التربية المحمدية أو على الأقل اكتفت بظاهرها فقط . 


ثانياً : اعتراض المرأة على أحكام بعينها وردت في الشريعة هو فرع عن أصل يشترك به الرجل معها أيضاً إذا الاعتراض كأصل موجود لدى الطرفين ولأعطي مثالاً عملياً على ذلك ، الزكاة كفريضة وكركن من أركان الإسلام إن لم يكن هناك اعتراض ضمني عليها من قبل الرجل فإنك لن ترى فقيراً أو لقلّت نسبتهم على أقل تقدير ...


إن جميع الأحكام الشرعية المثبتة بأحكام قطعية يجب أن يكون موقفنا منها الإذعان والخضوع لمشرَعها ولسبب وجيه وهو أن هذا البناء المحكم المتمثل بالشريعة هو اللباس الأمثل للمجتمع البشري لتحقيق استقراره وسعادته ابتداءاً من أمور العقيدة وتوحيد الإله مروراً إلى الأحكام الشرعية التي تراعي مصالح جميع الأطياف على السواء انتهاءاً بالتربية الأخلاقية التي نجد تطبيقاتها في علاقته  (ﷺ) ‏ بمن حوله من المؤمنين والجاحدين معاً ممسكاً بمفاتيح النفس الإنسانية بجميع مستوياتها في تعامله معهم .


توجه القلب والعقل في الإذعان لهذا البنيان المتكامل وأنا لا أمقت أبداً قول الإذعان لأني أيقنت عقلاً وقلباً أن جميع مظاهر الشدة إن وُجدت فهي لا تخلو أبداً عن أمرين اثنين : الأول إنها في صالح الإنسان لأنه اقتضت سنة الله في هذا الكون أن يكون السبيل إلى سعادة الإنسان ونجاحه وراحته من خلال المصاعب والمكاره وأحسب أن من ورائها حكمة عظيمة "لو أردنا أن نتخذ لهواً لأتخذناه من لدنا إن كنّا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق " 


وهذا أمر يعترف به حتى الملاحدة في آرائهم ودراساتهم ولعلنا سمعنا جميعاً عن الدراسة الشهيرة التي أُجريت على أطفال وُضعوا في مكان وأمامهم قطع من الحلوى وطُلب منهم ألا يتناولوها إلا بعد أن يؤذن لهم ، ووجدت الدراسة أن الأطفال الذين تمكنوا من لجم رغبتهم في تناول الحلوى أنهم الأكثر نجاحاً في حياتهم والأكثر قدرة على مجابهة الصعاب التي تعترضهم من الآخرين الذين فشلوا وذلك بعد سنوات من متابعتهم .


ومن هنا كان الفشل الذريع للمذاهب والدعوات التي تفتح الباب على مصراعيه أمام الرغائب النفسية بدون كوابح ، فصراع التناقضات التي بُنيت عليه هذه الدنيا من صراع ما بين خير ٍ وشر والصح والخطأهو أيضاً موجود في صراع الروح والنفس فكلما تمكنت النفس من إخضاع أهوائها كلما بلغت مراتب أعلى في النجاح أما الأمر الثاني الذي من خلاله ليس فقط نستطيع تفهم مظاهر الشدة في بعض الأحكام لا بل وتحتل في قلوبنا المكانة الأولى وهي أنها تصدر من إله محب وتغلب عليه صفات الرحمة والرأفة .. وكم ردد الدكتور سعيد على مسامعنا قصة تلك الخادمة التي كانت تناجي الله في دعائها وتسأله بحبه لها ... فلما سمعها سيدها أعترض عليها وأخبرها أن هذا ليس من باب التأدب مع الله ، فما كان منها إلا أن أجابته أنه لولا محبة الله سابقة لها لما كانت محبتها لاحقة ، فثقتها الكبيرة بمحبة الله لها إنما نبعت من محض عبوديتها له سبحانه ، وأنا لا أستطيع إلا أن أقيس ( إن جاز القياس هنا ) فأقول مظاهر الشدة والقسوة أن وُجدت عند قراءتنا للقرآن أو في بعض الأحكام إنما هي تصدر من إله أغدق على عبيده بصنوف من الإحسان ، بدءاً من نعمة الإيجاد ثم الإمداد والاستخلاف وتسخير سائر الكون مع مكوناته لخدمته وخاطبه بأشد العبارات تحبباً وتقرباً والقرآن مليئ بهذه الآيات كقوله تعالى "من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً "ولنتساءل من من المربين أو المُوَجِِهين الذين يضعون أنفسهم في مكانة المحتاج لمن أمامهم وحاشى لله أن يكون محتاجاً لغيره ، كذلك عندما يخاطب البيان الإلهي سيدنا رسول الله بقوله في الآية الكريمة "فإنك بأعيننا " بالطبع المخاطب الأول في هذه الآية سيدنا رسول الله المستأهل الأكبر والأول وإنما ليس ما يمنع أن تشمل أيضاً كل من سار على هديه واقتفى أثره بفضل من الله .


والقرآن مليئ بهذه الآيات التي تشهدك حقيقة هذا الإله الذي إن تكلم بشدة فهي شدة منبعها الرحمة الشديدة بعباده وهذا نستشعره ليس في سياق معنى الآية وإنما أيضاً في نبضها ووقعها على الآذان والقلوب واقتضت حكمة الله أن يتواجد في هذا البنيان أحكام تمس جانب العبودية لدى الإنسان ومقياساًلحجم الثقة بالخالق الذي تجاوزت نظرته لمصلحة عباده نظرتهم القاصرة  


وما استسلم إنسان لأوامر الله يقيناً وحباً إلا وفتح عليه من أبواب الخير والعطاء .


وهذا لا يلغي الاستشكال ومشروعيته بل يلغي الإعتراض الإتهامي الممقوت 


ولنا الآن أن نستشكل قليلاً في حديث رسول الله في حديثه  (ﷺ) ‏ عن الكمل من الرجال والنساء ....


على الرغم من المساواة التامة بين الجنسين في خطاب التكليف والحقوق والواجبات ثم المساءلة أمام رب العالمين وأنه لا تفاضل إلا بالتقوى "إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم " 


ورغم التفهم الشديد وعدم الاعتراض البتة على لعب المرأة لدور حكومة الظلّ (فليس المشكلة في ظهورها وتسليط الضوء عليها من عدمه ) طالما هي مؤثرة وأقصد هنا التأثير الإيجابي ، لأن المرأة عبر التاريخ لعبت دور الفاعل الخفي بناءاً أو هدماً .


على الرغم من ذلك عندما تكلم رسول الله  (ﷺ) ‏ عن الكمّل من الرجال والنساء كانت النسبة ضئيلة جداً للنساء عندالمقارنة مع الرجال ، فالنبي  (ﷺ) ‏ لم ينف الكمال بحق المرأة وكذلك لم يحصره بين النساء فقط وإنما كانت المقارنة بين الجنسين وكانت النسبة ضئيلة ...حتى لوكان التفسير أن ورود أسماء بعض النساء هنا كان على سبيل المثال لا الحصر وحتى لو تجاوزنا التفسيرالتقليدي لهذا الإشكال أن المرأة بطبيعتها عاطفية وأن قضية الحمل والإنجاب يستهلك من وقتها وصحتهاوجسدها وهذا الكلام صحيح ولكن ...ألم تنجب السيدة خديجة رضي الله عنها سبعاً من الأولاد وكانت من الكمّل ..فإذاً هذا لا يعتبر سبباً كافياًوخاصةً اِن نحن أكدنا على أن كمال المرأة لا يقتضي مجاراتها للرجل متجاوزة بذلك خصائصها ... فالكمال لا يقتضي ذلك وإنما الكمال للمرأة كإمرأة .


النبي عليه الصلاة والسلام لم ينف الكمال أي أنه جائز والمقارنة قائمة ولكن نسبته ضئيلة بحق النساء .


أعتقد أن الاستشكال لن ينتهي وأعتقد أن أحد أهدافه فتح بابٍ للتشكي والمواساة ...


استشكالُ برسم الإجابة لو تكرمتم نسيم الشام ..


الشكر الجزيل وكل عام وأنتم بخير وأمتنا بخير ورسول الله  (ﷺ) ‏ راضٍ عنا جميعاً


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

تحميل