مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 23/11/2011

جامع الحنابلة المظفري

مساجد الشام

جامع الحنابلة


بحيّ الصالحية في دمشق


598 هجري


إخوتي القراء:


ندعوكم لرحلة سياحية إلى جامع مخططه شبيه بالجامع الأموي، ومنبره بالمنبر النبوي، و هو أول جامع أيوبي بُني خارج أسوار دمشق، و له أسماء عدة، فكلٌّ ساهم بإعمار رائع راقٍ يرنو و يحلم بالمباهاة المحمدية.


فما هي حكاية هذا الجامع : جامع الحنابلة ؟ و أين يقع ؟ و من بناه ؟


هيا يا سائحي دمشق الرائعة نبحث في مغامرة استكشافية روحية، ندعو لمن سبقنا بالايمان و العمل الصالح و العلم النافع، أن يجزيهم عنا المولى خيراً.


ذكر النعيمي الجامع بجامع الجبل، و المشهور بجامع الحنابلة، و بالمظفري، في سفح قاسيون، نقلاً عن ابن كثير في تاريخه سنة 598هـ، حيث شرع الشيخ أبو عمر المقدسي بنائه، ثم أتمه الملك المظفر كوكبوري بن زين الدين علي كجك المتوفى سنة 630 هـ، أما الكوكبوري ، فهي كلمة تركية تعني (الذئب الأزرق) ، كناية عن الشجاعة التي اشتهر بها في حروبه ضد الصليبيين، فهو من أهم قادة صلاح الدين الأيوبي، و هو زوج أخته ربيعة خاتون، والده الأمير زين الدين قراجا الصلاحي الملقب بأبي النور، ت: 604 هـ، المدفون في التربة القراجية بالقرب من مجمع أبي النور الذي سمي بذلك نسبة له.  


موقعه:


خارج أسوار دمشق بسفح قاسيون، محاذياً لشارع عبد الغني النابلسي، منطقة أبوجرش، زقاق الحنابلة، عند السفح الشرقي لجبل قاسيون. 


أسماء الجامع:


ذكر المؤرخون هذا الجامع كمؤسسة علمية كبيرة في ذلك العصر، و عُرف بأربع أسماء، و هي:


1 ـ الجامع المظفري: نسبة لبانيه مظفر الدين كوكبوري، و هذه أقدم تسمية للجامع و أكثرها استعمالا عند المؤرخين، و يذكر ابن كثير و أبو شامة أن العمل بدأ به سنة 598هـ، فقد شرع الشيخ أبو عمر محمد بن أحمد بن قدامة في البناء، و تذكر الرويات أن الذي أنفق لبنائه هو أبو داود محاسن الفامي، و المجمع عليه لم يرتفع عن مستوى القامة، إذ نفذ المال، و عندما علم الملك المظفر بحال الجامع أرسل أموالا و أوقف له وقفاً جزيلاً.


و كان أول من تولي الخطابة فيه الشيخ أبو عمر المقدسي، ت: 608هجري، و يقول ابن الهادي: كانت تكسوه أنوار الخشية و التقوى، و تولى الإشراف على البناء بعد وفاة الشيخ أبو عمر، أحمد بن يونس المرداوي، ت: 622هجري.


2 ـ  جامع الحنابلة: و هو الاسم الشائع اليوم، سمي بذلك حسب تخصيص الوقف.


3 ـ  جامع الصالحين: نسبة لمؤسسيه الذين عرفوا به من الصلاح في سيرتهم.


4 ـ جامع الجبل: و ذلك نسبة لموقعه، حيث يقع في سفح جبل قاسيون.   


وصفه التصويري:


مخططه و شكله يحاكي الجامع الأموي، حيث يتألف من حرم ثلالثي الأجنحة، و من صحن شمالي و مئذنة العروس، و أورقة تشبه أروقة الجامع الأموي، يمتاز بمحراب رائع مصنوع من حجر، و إلى يمينه المنبر الخشبي ذو الزخارف و التزيينات النباتية الهندسية، تغطي طاسته مقرنصات، و يعلوه قوس ذي ضفيرة أو سلسلة منقوشة في الحجر، ليس له شبيه في المحاريب الأخرى، و هذا المنبر كان بثلاث مراق، و الرابعة للجلوس فيه تيمّناً بالمنبر النبوي، و فيه مئذنة مربعة تتوسط جداره الشمالي، و تشاهد في الصحن نوافذ جصية فوق قناطر الحرم غنية بزخارفها النباتية. 


و من خلال الوصف البنائي نجده يحاكي و يقلد الأموي، مما يدلنا على التمازج الفكري و الفني للسكان، فقد أدخل المقادسة الزخارف النباتية متأثرين بالبنّائين الذي أرسلهم الملك كوكبوري، ليصبح هذا الجامع صرحاً حضارياً علمياً و موئلاً اجتماعياً حافلاً في مجتمع الصالحية. 


و مما يهمنا اليوم، يا سائحي دمشق، أن الصالحية ليست مجرد حجارة أو صور و ذكريات، إنما روحانيات تتمثل في أمثال هذا المعلم الديني الذي شُيّد بنية مباركة، فأصبح من أكبر المؤسسات العلمية الدينية، ممثلاً نهضة عظيمة برزت للعالم تنادي و تدعو العباد لمعرفة أسرار الخلافة على الأرض، و يتبين لنا ذلك من خلال تمازج المقادسة مع غيرهم، و السعي لتكاتف الجهود و الإتيان بهذا المعلم التاريخي، و الذي سيظل شاهداً مادياً على الأرض بآثاره الروحية الراقية، فلا نزال نتلمس أطيافها الرائعة.


وقد توالى على التدريس فيه علماء كبار أمثال: ابن تيمية و ابن كثير و ابن حجر العسقلاني و غيرهم، رحمهم الله، هم السابقون و نحن إن شاء الله بهم لاحقون بخير الأعمال و الأقوال.


المصادر و المراجع:


ـ الدارس في تاريخ المدارس / النعيمي


ـ القلائد الجوهرية / ابن طولون


ـ ثمار المقاصد


ـ العمارة العربية الإسلامية / الريحاوي