مميز
الكاتب: علاء الدين آل رشي
التاريخ: 01/01/2011

لا ضرورة لخداع أو مواربة في مرافئ الفكرة

مقالات

لا ضرورة لخداع أو مواربة .. في مرافئ الفكرة


رداً على الشيخ د. محمد الحبش والطبيب أحمد خيري العمري


بشأن تصريحات د. البوطي عن المطر


الأستاذ علاء الدين آله رشي


لا شك أن د. البوطي تتنازعه عبر مجموع سيرته الثقافية معادلة مركبة من العقل والقلب. وتتوحد في شخصيته المرّكبات الفكرية والقلبية... لتكوّن رؤية تكاد تكون متفردة في بلدنا سورية... تتمظهر هاتان الثنائيتان الفكرية الوجدانية متجاورتين في ممارسته الدعوية، ووعيه الديني فهو يحمل مشروع العالِم الناسك.


فذات العلم تحثه على التفكر والتداول العقلاني والحوار وقول الحق والحقيقة بوصفهما باباً ومدخلاً للدين الصحيح.


 وذات الناسك تدفع به في ثبات ليكون الواعظ والمربي وصاحب الرقائق والحكم. بهذين السلاحين واجه الدكتور سعيد خصومه، وقد حشرهم في زوايا محرجة.. وفي مسيرة الرجل العلمية نجد أن الرجل ارتقى أفقياً وعمودياً: ويظهر ذلك في الانفتاح العقلي، واتساع المصادر ومفهوم الهوية وسعة الصدر والمشاعر وتخطي حدود الزمان والمكان، ارتقاء السلوك، الحضور في قلوب الآخرين وأذهانهم ولاشك أن مقام البوطي لامس جوانب عدة من هذه الزوايا وبزّ وبلا منازع أقرانه...


وقد تعزز موقعه العلمي في الحياة الثقافية الإسلامية وازداد نفوذه في قيادة الفكر الديني عبر المبايعة المعنوية أو العلمية له من كبار علماء الشام وقد بادر للمصالحة بين الحكومة والناس وتقريب وجهات النظر وكسر أي انعزال ومجموع كتاباته منطوية على نزعة توجيهية واثقة كل الثقة في أهمية استحضار الرقابة واستصحاب المعية الإلهية...


أسّس الدكتور البوطي تاريخاً جديداً للمؤسسة الفقهية المحافظة في سورية فقوّض البناء العقلي الذي يعتمد على كتب التراث فحسب، ونشّط الذهن المحافظ ليطّلع ويقرأ كتباً ليست صفراء...


إن حضور د. البوطي المعزّز والمكرّم في أذهان الناس الذين يعرفون الحق وأهله، وفي قلوبهم معلل كما يقول المناطقة، لتأثيره في الحياة وفي الواقع الاجتماعي وصدق الإمام علي عليه السلام عندما قال: "من كمال السعادة السعي في إصلاح الجمهور" والشيخ السعيد بما فعله من خير وباهتمامه بأمور المسلمين ونضاله المعرفي وجهاده العلمي...يستحق كل تقدير، ومع الاحترام والمحبة لا يمنع نقده وحواره وقد فعلت ذلك معه في مقال سابق لي، فروائع الأفكار يفسر بعضه بعضاً والعقول الفذة مرايا يجلو بعضها بعضاً و الثقافات تتمرّى على نحو متبادل كما يقول حرب... ورحم الله الفيلسوف علي الوردي الذي قال: "من طبيعة الناس في كل زمان ومكان أنهم لا يمكن أن يتفقوا كلهم على رأي واحد، وهم لا بد أن يختلفوا في آرائهم ووجهات نظرهم. ومن هنا جاء المثل القديم وهو: "رضا الناس غاية لا تدرك". فلم يظهر في تاريخ البشر شخص أو شيء رضي الناس عنه جميعاً، ولكن الفرق بين شخص وآخر في ذلك هو في نسبة عدد الراضين عنه إلى عدد الساخطين عليه[1].


ولكن أجد أن الموضوع اليوم مختلف جداَ... فتصريحات سماحة الإمام البوطي حول الغيث وانحباسه آراء شخصية لا تحمل أي صفة إلزامية... أليس من حق السعيد أن يبدي رأيه دون وجل أو خوف مادام لا يحمل أي إساءة لأحد؟!! بخاصة أن د. البوطي قد بات مرجعاً لأهل دمشق بل لغالبية سورية...


 وجزى الله خيراً شيخنا الفاهم الخطيب أحمد معاذ الذي قال عن الغزالي ما ينطبق على البوطي: وربما نبا السيف الصقيل مرات قليلة، ولكن من ذا الذي ينسف سوابق جهاد العظيم صاحب سيف الحق المشرع دائماً في خدمة الإسلام، وقد شهدت له دروب الهداية وبحور العطاء وساحات العلم والدعوة والجهاد، يرفع فيها اللواء بشموخ العالم الحق ورحمة الداعية الهادي وغزارة العالم البحر". فالاعتدال سنة لا يطيقها إلا الحكماء...


أعترف وبدون مجاملة أني شعرت بخفة واضحة في كثير ممن انتقد الشيخ وتهجم عليه...


ولعل من حقي أن أبدي رأيي في بعض ما جاء في كلام الشيخ الدكتور محمد الحبش أولاً ثم طبيب الأسنان أحمد خيري العمري ... أتفق مع الشيخ الحبش والطبيب العمري على ضرورة المكاشفات والحوارات الفكرية ذلك أنه ليس ثمة قداسة لأحد وكل يؤخذ من كلامه ويرد... ولتكن الجولة الحوارية مع الأخ الشيخ محمد الحبش يحفظه الله تعالى ... لماذا يا شيخنا محمد الحبش هذا التعالي في النقد دفاع عن الإيمان ؟!! من مس الإيمان بأذى حتى تدافع عنه ؟! ولماذا هنا ظهر دفاعك عن الإيمان وغاب في مساحات أخرى ؟! أعتقد يا شيخنا الفاضل أنك جانبت الصواب وكان عنوان مقالك استفزازياً.


ثم كيف تقول عن المسلسل المنقود: ولست أدري لماذا يكون مجرد مناقشة رجال الدين عدواناً على الله والشريعة ؟! استغرب هذا الكلام منك فهل تعد النقاش مدعاة للمبالغة في التهجم ؟! أليس هذا الكلام الدفاعي عن مسلسل لا يحمل إلا سيفاً خشبياً عن فن لا يقوى الدفاع عن نفسه فهو عمل درامي يجر وبجدارة إلى التطرف جراً !!! أليست ملامح مجتمعنا السوري تأبى كل تلك المظاهر!!! ولنكن صرحين يا د. محمد هل الساحة الدينية في سوريا تملك هذا الطيف المتنطع الذي تم عرضه في المسلسل؟ ولنفترض وجود هؤلاء، فما مساحتهم؟ وهل يجوز تعميم الجزء على الكل؟ وما المصلحة في التعميم؟ ثم هل تتم معالجة الجهل بجهل أكبر؟ أليس المسلسل يفتح باب الحساسية بين الجهات الرسمية وضمائر الناس الذين مسوا في شعائرهم ومعتقداتهم ؟!! كان الأولى بك يا شيخ محمد وقد انتخبك الشعب في مجلسه أن تمثل إرادته وأن تطالب وأنت رجل البرلمان بفتح ملف المسلسل في القضاء وإحالة الكاتب والمخرج للمحاسبة القانونية بتهم السب والتشهير وخلق البلبلة وإثارة الفتنة والتشويه. ألا ترى أن السيد الرئيس تكلم عن الفن؟ ثم لماذا كل هذا الذعر من القبيسيات مثلاً ؟.. ولنفترض أن ثمة خطأ وهو موجود بلا شك عند القبيسيات وعند غيرهن.. ولكن، هل ترى أن العلاج كان يستهدف الخطأ أم أن النص كان يستهدف أصل الموضوع؟! هل في إحياء الخصومات بين الناس والعداوات وتضخيم الأخطاء حل للخطأ أم أن هذا قد يؤدي إلى خطأ أكبر؟


لقد وصلنا في سورية إلى شيء من القرابة والخصوصية بين الحاكم والمحكوم وبين الدين والسلطة وبات المسار الوطني والقضايا العليا تشغل الجميع، وأكاد أجزم أن أمن البلاد كما يعتقد كل المتدينون أو غالبهم هو الإيمان نفسه، كما أن جهود المرحوم السيد الرئيس حافظ الأسد واستمرار مسيرة الرئيس بشار في خلق مجتمع آمن يتوافق الجميع على ضرورة التأكيد عليه. فهل من الفطنة أن نتراجع عن مواقع ناجحة وصلنا إليها مدافعين عن مسلسل لا يخدم تلك التوجهات !!!


وأنا أقول: كل عمل فني أو نتاج فكري يحاول زرع فتنة بين أبناء البلاد هو عمل ينبغي محاسبته ومنعه.


أما الأخطاء في المؤسسات الدينية فعلاجها في إطار الفكر والتوجيه والمناصحة وليس في عمل شهواني مثير. وأما وجه اختلافي مع الأخ الطبيب أحمد خيري العمري في موقفه من العلامة الإمام المربي الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: فمنهج العمري قائم على التبعيض والحول الذي لازم المقال برمته من البداية وحتى النهاية وهو منهج بدوره يدفع نحو عرض العضلات وثقافة العنتريات العلمية التي ستصب في نهاية الأمر مع الخصوم...ولا ترهب ذبابة. فأنا لا أشك في أن أي طالب علم مبتدئ يجهل ما جاء في ثنايا المقال الذي كتبه العمري. كما أن كلام الدكتور البوطي له عند أهل الذوق والمواجيد تفسير وبيان ومن المفيد الإطلاع على رأي فضيلة الشيخ محمد خير الطرشان حول موضوع الرؤيا والكشف وحول الحكم الشرعي وتخريجاته في بيان ما قاله الدكتور البوطي حيث جاء في كلام شيخنا المنار محمد خير: "للشيخ الجليل في هذه السن و بعد ثلاثة أرباع قرن أمضاها في العلم والدعوة رؤية روحية شفافة تناسب المقام الذي هو فيه، وتعكس المعاني التي يعايشها، وله أن يعبر عما يرى من مكاشفات وإلهامات، وليس للإعلام المقروء والمغرض أن يقتصر على نقل رؤية الشيخ الجليل وحده وتغييب آراء سائر أهل العلم في كثير من قضايا العصر الساخنة، وبناء عليه لا يجوز أن تحمل آراء الشيخ في هذه المرحلة على أنها مناهج فكرية معاصرة بقدر ما هي رؤى ذاتية قلبية وروحية رأى فيها الشيخ نذيراً من الهلاك نتيجة البعد عن الله تعالى والمجاهرة في العصيان ومبارزة الله تعالى في العلن دون حياء منه أو رادع. وهذا باختصار هو ما يحذر منه الشيخ". ومنهج التفكيك هو الذي أوصل الطبيب العمري وبدون أي شعور إلى موافقته للأضداد في تكريس غير المطلوب فانشغال العمري في ثانوية الرؤيا جعلته يقف في خندق واحد مع من نسف كلام البوطي من ضرورة رد المظالم والكف عن الإساءة وإحياء مفاهيم الإنابة والتوبة عن المقابح الحضارية والمساوئ الاجتماعية. وبذلك تلاقى العمري من حيث لا يدري مع خصوم الدين على إقصاء الحق الذي نادى به البوطي.


وفي الختام آمل أن نتلاقى على مفهوم التدين الواعي جميعاً وأن تكون ساحة الأفكار ليست منصة لتصفية الحسابات أو التشفي أو التلميع وخير ما أنهي مقالي به هو معتقدنا حسب صياغة الحكيم الغزالي: "إننا سنكشف عن نوايانا كلها، لأنه ليس لدينا ما نستحيي من إعلانه: لقد رضينا بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيّاً ورسولاً، والتزمنا – يوم أسلمنا – أن ننفذ تعاليم كتابنا وسنّة نبينا صلى الله عليه وسلم، وليس في هذه التعاليم ولا في تلك السنّة ما يضير امرؤ يؤثر الكفر، ويرغب في العيش بعيداً عنها. إنه سيعيش في بلادنا مثلنا، له ما لنا، عليه ما علينا . فإذا اشترط أن نرتد عن ديننا حتى يرضى عنا، فسندعه يموت بغيظه، ولا يلومنا على ذلك إلا أحمق أو منافق.


 


منقول


[1]  د.على الوردي، في الطبيعة


تحميل