مميز
الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 15/05/2013

المدرسة الضيائية

معالم الشام

المدرسة الضيائية (603- 620) ﻫ


وذكرها ابن شداد باسم (مدرسة ضياء الدين بن أحمد)


وذكرها ابن طولون باسم (دار الحديث الضيائية المحمدية)


وذكرها صاحب الدارس باسم (المدرسة الضيائية المحمدية)


إخوتي الكرام :


ندعوكم للسير والتجول بين أرجاء هذه المدرسة والتي اشتهرت بالضيائية نسبة لبانيها لنتعرف على سرٍّ من أسرار أهل التقى والورع ممن سبقونا بالزمن.


الحديث عن المدارس القديمة في مدينة دمشق له شجون ومعانٍ رائعة تلامس شغاف القلب لتحثَّ الإنسان على العمل ,فالتاريخ يُقرأ من خلالها لأنَّ المدرسة مؤسسةٌ تربويةٌ هامةٌ تحتضن الأبناء بعد الأسرة وتتابع إشرافها التربوي قبل التعليمي ولذلك نجد أنَّ معظم حي الصالحية في بداية نشأته قد ارتدى وشاح العلم والدين في منافسة بين أبناء ذلك الحي بعد أن وضع مؤسسه أحمد بن قُدامة حجر الأساس فوق أرضه ,وها هوحفيد الشيخ أحمد بن قُدامة يتابع مسير أسرته بزرع بذور العلم والدين في تربة الأخلاق النبوية فأثمر حي الصالحية نماذج رائعة.


قام ضياء الدين المقدسي ببناء مدرسة خاصة للحديث الشريف على أرض في سفح جبل قاسيون كان قد ورثها عن والده وجعلها وقف للقرآن والفقه أيضاً ,ومن النظر لتاريخ بنائها (603- 620)ﻫ ,نجد أنه كان يتقنَّع باليسير مما يصل إلى جيبه وأعانه بعض أهل الخير فيما بعد ،يبني جانباً منها ويصبر إلى أن يجتمع لديه ليبني الجانب الآخر ,يعمل بنفسه فيها ولم يقبل من أحد شيئاً تورعاً.


عندما ظهر حي الصالحية في سفح قاسيون في القرن الخامس الهجري رافق ظهوره ظهور المدارس والصروح العلمية المتنوعة كـ"المدرسة العمرية" لأبي عمر بن قُدامة والتي سُميت بـ"الشيخة" وكانت ملاذ العلماء من كافة أنحاء العالم الإسلامي كأكاديمية جامعية ,كان ضياء الدين يُدَرِّسُ فيها إلى جانب خاله الموفق وإلى جانب أبي عمر.


لم يكفه هذا العمل الصالح بل أخذ يخطط لبناء مدرسة للحديث الشريف ,فقد برع في حفظ الأحاديث من خالته المحدثة رابعة وجمع سير وتواريخ المقادسة من والدته الشيخة رقية بنت أحمد بن قُدامة...


فحبُّ الله ورسوله والعمل على إعمار الأرض وخلافة الله عزَّ وجلَّ بما يحب ويرضى يسكن وجدان قلبه ,رحمه الله وجزاه الخير هووأهله لما بذلوا من جهد وعطاء للخير.


موقع المدرسة الضيائية ووصفها:


تقع خارج سور دمشق  القديم على سفح قاسيون وبمحاذاة الجانب الشرقي لجامع الحنابلة.


قال الذهبي :" أنشأ المدرسة إلى جانب الجامع المظفري(1) ,وكان يبني فيها بيده ويتقنَّعُ باليسير".


والجامع المظفري هونفسه جامع الحنابلة .


أمَّا عن وصف المدرسة التي لم يتبقى منها اليوم إلا قوس إيوانها الشمالية قال ابن طولون :" تشمل المدرسة على مسجد له بابٌ عربيٌ قدام باب خلوة الكتب ,ولهذا المسجد شباكان يطلان على صٌفةٍ بها بئر ماء ,وهذه الصُفة في صحن هذه المدرسة ,ودايرها خلاويَ سفلية وعلوية ,وفي شرقيه بيت الخلاء ,وفي قبليه باب المدرسة الخارج وهوقديم".


الدراسة والتدريس في المدرسة الضيائية:


أول من درَّسَ فيها مؤسسها ضياء الدين المقدسي ,وكان يقرأ على الطلبة ليثبِّتوا سماعاتهم .


ومن المدرِّسين خطيب الصالحية وقاضي القضاة عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قُدامة وهو ابن الشيخ أبوعمر بن قُدامة.


والشيخ شمس الدين أبوعبد الله محمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد المقدسي ويكون ابن أخ الضياء.


وأبوالعباس من كبار الصالحين والأتقياء ,وعمر بن سعد بن عبد الأحد الحراني ثم الدمشقي ,وابن طولون الصالحي وغيرهم من العلماء المحدثين رحمة الله عليهم.


كان اختصاص المدرسة الحديث والفقه والقرآن ,ومناصبها :الإمام والناظر وملقن القرآن.


وكان في المدرسة الضيائية مكتبة تحوي آلاف الكتب ,جمعها الضياء من مجهوده وماله الخاص ,وصار لهذه المكتبة شهرة كبيرة بين مكتبات دمشق آنذاك فباتت أكبر مكتبة فيها.


كان فيها أوراق بخطوط الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ,وكان فيها توراة وإنجيل قديمين بالخط العبري والسرياني.


ولكن وللأسف فقد زالت تلك المكتبة كغيرها من مدارس ومكاتب مدينة دمشق عندما دخلها تيمورلنك المغولي وجنوده فتعرضت للهدم والسطووسرقة الكتب ,ويذكر الرحالة عبد القادر البدران الذي زار المدرسة في أواخر عهد العثمانيين أنَّ الناس اتخذوها مخزناً للقش!!


وقد أضيف مابقي من كتبٍ للمدرستين العمرية والضيائية إلى المدرسة الظاهرية.


ولنستمع في النهاية إلى الرحالة الدمشقي أبي البقاء البدري في كتابه نزهة الأنام في محاسن الشام:


(...فكم من مدرسةٍ اندثرت بعد الصلاة والتراويح ,وأمست في ظلمةٍ بعد تلك المصابيح ,فهذه تقول: أصبحت حاصلاً بعدما كان إيواني بالقُرَّاء عامراً آهلاً ,وهذه تقول: أصبحتُ مربطاً للبهائم بعدما كنتُ معبداً للقائم والصائم ,وهذه تقول: اتخَذوني مسكناً ,وهذه تقول: هدوني وأخذوا سعفي وكشفوني ,وهذه تقول: خربوا جدراني وباعوا الباب وجعلوني مأوى للكلاب ,والأوقاف تستغيث إلى المولى المُغيث ,فيقال لهم اسمعوا كلام الرحمن في محكم القرآن  "إنَّ إلينا إيابهم ثمَّ إنَّ علينا حسابهم".)


بكلمات أبي البقاء البدري نختتم ولسان حالنا يقول إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


المصادر:


الحوليات الأثرية لمديرية الآثار لمدينة دمشق


سير الأعلام للذهبي


محاسن الشام لأبي البقاء البدري


 

تحميل