مميز
التاريخ: 24/08/2008

نبذة عن حياة الشيخ محمد زكريا البخاري

تراجم وأعلام

بسم الله الرحمن الرحيم

ترجمة الشيخ محمد زكريا البخاري المدني
كتبها: الشيخ محمد ضياء الدين ملاحفجي
هو العالم العامل التقي الزاهد الورع العارف بالله الشيخ محمد بن زكريا ، المَرْغِلاني ثم المَدَني موطناً ، المشهور بالشيخ محمد زكريا البخاري ، من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
ولد رحمه الله في قرية دَمْكُولْ ، من قضاء مَرْغِلانْ بوادي فَرْغَانَةْ بجمهورية أُوزْبَكِسْتَانْ إحدى الجمهوريات الإسلامية في بلاد ما وراء النهر. ونشأ في أسرة متدينة محبةٍ لله ورسوله ، توفي والده في وقت مبكر من حياته ، ولكن والدته التي رعته كانت من القانتات الصالحات العابدات ، ووالدها الذي أكرمه الله بالدفن في البقيع كان أشد منها تقى وصلاحا. سقته والدته من معين حبها لله ورسوله ، وربَّتْه على الخلق والدين ، ثم رَغَّبَتْه في طلب العلم ، حتى غدا محباً للعلم مثابراً مُجِداً مجتهداً فيه ، وكان يحدث أنه كان يقطع في طلب العلم مسافات شاسعة كل يوم ، وربما سار أربع ساعات ماشياً ، ليصل إلى قرية أحد شيوخه ، يقرأ عليه العلم ثم ليرجع إلى قريته من يومه. ولم يتعلم الشيخ العلمَ ليجادِلَ به العلماءَ أو يماري به السفهاءَ ، بل جعل العلم وَسيلَتَهُ إلى الله فكان من أهلِ العَمَل ( والاسلامَ اشْرَحَنَّ بالعمل ) والعلماءُ هم أهل الخَشْيَة الذين عناهم الله بقوله( إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء)
وفي ريعان شبابه ، احتل الروس الشيوعيون الملاحدةُ بلادَهُ ، فَلَمْ يَجِدْ مَنَاصاً من الهجرة ، امتثالا لقول الله تعالى ( إنَّ الَّذينَ تَوَفَّاهُمُ الملائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ، قَالُوا فيمَ كُنْتُمْ قَالوا كُنَّا مُسْتَضْعَفينَ في الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ) ولاقَى في هِجْرتِهِ مع أُمِّهِ ، كثيراً من المشاقِّ والصِّعابِ بل اكْتَنَفَتْهُ المخَاطِرُ والمَهَالِكُ في رِحْلَتِهِ حيث استقر بأفغانستان قليلا ثم تابع رحلته حتى وصل إلى المدينة المنورة محطِّ رَحْلِهِ وغايةِ أَمَلِهِ ، ومَعْقِدِ رَجَائِهِ ، فجلس فيها مجاورا لحبيبه صلى الله عليه وسلم ، حتى وَافَتْهُ المنيَّةُ.
كان رحمه الله مُتَيَّماً مُحِبَّاً مُخْلِصاً لِجَوارِ سَيِّدِ الأَنَامِ عليه الصلاة والسلام ، حَريصاً على المُكْثِ في طَيْبَةَ الطيِّبَةِ لمِا وَرَدَ فيها من الفضائلِ الكثيرة ، كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالمَدينَةِ فَلْيَمُتْ بها ، فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ مَاتَ بِهَا ). وَمِنْ شِدّةِ رَغْبَتِهِ في هذا الحديث كان لا يَخْرُجُ من المدينة خَشْيَةَ أن يَمُوتَ خَارِجَهَا ، وقال: خَرجْتُ مَرَّةً فاصاب السيارةَ حادِثٌ في الطريق ، فكان لسانُ حالِ الحادثِ يقول لي: هذه عقوبةُ خُروجِكَ من المدينةِ المنورةِ ، فَلَمْ أَخْرُجْ بَعْدَهَا )
دعوته إلى الله: كان رحمه الله كثيرَ النُّصْحِ لأَحْبَابِهِ وَتَلامِذَتِهِ وَزَائِرِيهِ ، لا يَخْلُو مَجْلِسُهُ مِنْ عِلْمٍ أَوْ نُصْحٍ أَوْ ذِكْرٍ أو عِبَادةٍ أو إِنْشَادٍ وَمَديحٍ لِلْمُصْطَفَى عليه الصلاة والسلام. ، تَعْلُو مجلِسَهُ المَهَابَةُ والخشوعُ والحُضُور ، يَتَكلَّمُ بالكلامِ القليلِ ، ولكنه يُلامِسُ القُلُوبَ ، ويُدْمِعُ العيونَ ،لأنه يَخْرُجُ مِنْ قَلْبٍ مُخْلِصٍ شَفُوقٍ. تَسْمَعُهُ تارةً يقول: ( اغْتَنِمُوا شَبَابَكُمْ وَصِحَّتَكُمْ في طَاعَةِ اللهِ ، لَقَدْ كُنَّا شَباباً مِثْلَكُمْ هَا قَدْ شِبْنَا ) وتارةً يقولُ: ( طُوبى لِمَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ ، دَارُنَا هِيَ الآخِرَةُ ، وَهذِهِ الدارُ مُؤَقَّتَة ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا في الدُّنْيَا رِضَاءَكَ وفي الآخِرَةِ لِقَاءَكَ ) وبعد كلِّ طَعامٍ يَأْمُرُ أحدَ طَلَبةِ العلمِ مِنْ مُحِبِّيهِ بِقِراءةِ العِلمِ النافِعِ ، من حَديثِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وشَمَائِلِهِ الحميدة. ومن الكتب التي قرئت كلها مِرَاراً في مَجْلِسِهِ: كتاب الأدب المفرد للبخاري ، وكتاب الشمائل المحمدية للترمذي ، وكتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ عبد الله سراج الدين ، رحمه الله. وكان يزوره كبار أهل العلم والفضل من شتى أقطار المعمورة ، فيطلب الشيخ من زائره العالِمِ كَلِمَةً للحاضرين. ثم يُرَوِّحُ المجلسَ بالإنْشْاد بَعْدَ الإِرْشَادِ ، وَيُعَطِّرُهُ بمديح المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وَتِلاوَةِ سيرتِهِ العَطِرَةِ من ذَوِي الصوْتِ الحَسَنِ ، تَحْبِيباً للنفوس في هذا النبيِّ العظيمِ صلى الله عليه وسلم ، وكانَ من أَشَدِّ المُتَأَثِّرِينَ بالمديحِ بل كانت تَعْتَريهِ الأَحْوالُ العَجِيبَةُ إذا ما حَلَّق المادحُ في المعاني الراقِيَةِ بصَوْتٍ عَذْبٍ ، وكانت الفرحةُ تَغْمرهُ إذا علمَ أنَّ الناسَ تَعَلَّقُوا بِحُبِّ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
أخلاقه وسيرته: أما أخْلاقُهُ فهي أَخْلاقُ القَوْمِ رضي الله عنهم ، كان رحمه الله نَقِيَّ السَّريرَةِ ذَا فِطْرَةٍ سَليمَةٍ ، طَيِّبَ المُعَاشَرَةِ حُلْوَ المؤانَسَةِ يَسْعَدُ به جَليسُهُ. مُتَوَاضِعاً هَيِّّناً لَيّناً أَلِفَاً مَأْلُوفَاً ، كما جاء في الحديث الشريف: ( ألا أخبركم بمن يحرم على النار ، قلنا بلى يا رسول الله قال: تَحْرُمُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ ). يَسعُ الناسَ بِحِلْمِهِ ، وَلا يِمَلُّ من ملاقاتهم ،
عَلَّقَ على بابِهِ لَوْحَةً كَتَبَ فيها: ( بابي مَفْتوحٌ ما دُمْتُ حَيّاً ، إنْ مِتُّ ، مِنكُمْ أَطْلُبُ خَيْراً ) وكان خُلُقُهُ يُصَدِّقُ هذا القَوْلَ. يُوصِي مَنْ حَوْلَهُ أنْ لا يَمْنَعُوا أَحَداً مِنْ زِيَارَتِهِ في أيِّ وَقْتٍ حتى في أوْقاتِ رَاحَتِهِ. يُرَحبُ بِزَائره ويُكْرمُهُ ويَعْرضُ عليه الطعام ، ويُشَارِكُهُ هَمَّهُ ويَدْعو لِمَريضِهِ بالشفاءِ ، ثم لا يَدَّخِرُ وُسْعاً في نُصْحِهِ وإرشادِهِ وتَوْجيهِهِ إلى الله عز وجل. صَريحاً جَريئاً في قَوْلِ الحقِّ لا تَأْخُذُهُ في الله لومةُ لائِمٍ ، ولا يَسْكُتُ عن مُخالفة شرعيةٍ أو مُنْكَرٍ يَرَاهُ ، وبَعْدَ زَجْرِهِ يَتَلَطَفُ مَعَ مَنْ زَجَرَهُ ويؤانِسُهُ. تَعْتريهِ الحِدَّةُ في بعض أحواله ، كما جاء في الحديث ( خِيَارُ أُمَّتي أَحِدَّاؤُهُمْ ، الذينَ إذا غَضِبُوا رَجَعُوا ، الحِدَّةُ تَعْتَرِي خِيَارَ أُمَّتي ).وكان يقول: ( فِينَا حِدَّة ولكنَّ قُلوبَنَا نَظيفَةٌ تَصْفُو بِسُرْعَة).
يَتَفقدُ أحبابَهُ وبخاصة القدامى منهم وإذا أطالوا الغيبة سأل عنهم وزارهم ، ويرعى الوِدَادَ ولاينساه ، فربما دخل عليه شخص فأكرمه ورعاه والتفت إليه وأجلسه بقربه لأنه من أحبابه القدامى ، أو لأن والده كان صديقَهُ.
وكان حريصاً على تطبيق السُّنَّةِ في كل أَحْوَالِهِ وأقْوالهِ وأفْعالِهِ ونَوْمِهِ وطَعَامِهِ ولِبَاسِهِ ، ما يَسْمَعُ بِفَضيلَةِ عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ إلا ويُبَادِرُ إليه ولو كان الحديث به ضعيفاً. شديدَ المحاسبةِ لنفسِهِ ، حتى كان يُحَاسِبُ خَوَاطِرَهُ القلبيَّةَ. ساهَمَ مرَّةً في بناء مَسْجد - وما أكثرَ المساجدَ التي ساهَمَ في بِنائِها - فانتهى البِنَاءُ ، ولمَّا هَمَّ واستعدَّ للذهابِ لِرُؤيةِ المسجد قال لتلميذه: عَدَلْتُ عن الذهاب ، فتعجب التلميذ وسأل عن السبب فأخبره الشيخ أنه ربما ذَهَبَ فرأى المسجدَ فأعْجَبَهُ عَمَلُهُ ، والعُجْبُ مُحْبِطٌ للعمل. وصدق القائل: ( وأتَيْتُ إِلَيْكَ خَلِيَّاً مِنْ صَوْمِي وَصَلاتي معْ حججي)
كراماته: ظهرت للشيخ كراماتٌ كثيرةٌ ، ولا نُسْهِبُ هنا في هذا الجانب -الذي شَغَلَ بعضَ مُحِبِّي الشيخ- اعتقاداً منَّا أنَّ أَكْبَرَ كرامةٍ للشيخ رحمه الله هي استقامَتُهُ على الشريعة ، ولَيْسَتْ بالأمر الهَيِّنِ ، فَكَرَاهِيَةُ الدنيا وحُبُّ الموْتِ والاستعدادُ لِلِقَاءِ الله وحَمْلُ النَّفْسِ على المَكَارِهِ ، والوُقُوفُ عنْدَ الأمْرِ والنهي مِنْ أكْبَرِ الكَرَاماتِ. وبما أن الكرامة هي أمْرٌ خَارِقٌ للعادة يُظْهِرُه الله على يَدِ أوْليائِهِ دِلالَةً على صِدْقِهِمْ ، فإننا نَكْتَفي بِذِكْرِ واحِدَةٍ من كراماته الكثيرة التي يَصْعب إحصاؤها ، وهي كرامة شفائه من كِسر الحوْضِ ، إِذْ وَقَعَ أثناءَ قِيامِهِ للتهجُّدِ فانْكَسَرَ عُنقُ الفَخِذِ الملتقي مع عَظْم الحوض ، فهرع الأطباء من محبي الشيخ وبذلوا كل ما في وسعهم من وسائل وعلاج ورغبوا إجراءَ بعض العمليات أملاً في الْتِئَام الكسر ، فابى الشيخ رحمه الله ، ومنعهم من إجراء أي عملية وكان يقول لهم: دعوني فإني أحبُّ لِقَاءَ الله. فقلق الأطباء ومحبو الشيخ ، لاسيما أن كسر الحوض مَعْروف باسم ( كسر الموت ) لأنه يرافق المُسِنَّ إلى وَفَاتِهِ. وظنوا أن الشيخَ سَيُصْبحُ عاجزاً عن القيام بِنَفْسِهِ ، ثم كان من شِدَّةِ أَلَمِهِ يصرَخُ إن تحركَ أدنى حَرَكةٍ. ومضت فترة فاستيقظ في إحدى الليالي وأيقظ مرافقه قائلا: قُمْ فإني شُفِيتُ ، لقد زَارَتْني والدتي في الرؤيا ، وَوَضَعَتْ خَدَّهَا على مَوْضِعِ كسري فَبَرِئَ بإذن الله ، وقام الشيخ دون مساعدة أَحَدٍ ، ودهشت عقول الأطباء ، ينظرون إلى صور الأشعة ثم ينظرون إلى الشيخ يمشي فلا يكادون يصدقون. وأما مُكاشَفَاتُهُ لِخَواطِرِ زُوَّارِهِ وأحبابه وإطلاعُ اللهِ له على بعض أحوالهم فهي كثيرةٌ لا يُحْصيها عَدَدٌ ، ولا أَكُونُ مُبالِغاً إن قلت: قَلَّ من دخل إلى الشيخ ولم يكاشفه بخواطر نفسه أويبين له بعض أحواله ثم يوجهه للخير. دخل عليه مَرَّةً أحدُ تلامذتِهِ عائداً من الحرم حيث كان يدعو لوالده بِصِدْقٍ وإخلاص وبُكاءٍ وتَضَرُّعٍ ، فما أن دخل حتى نظر الشيخ إلى وجهه وقال له: أشركني بدعائك يا عبد الله أرجوك أن تدعو لي كلما دَعَوَتَ لِوَالِدِكَ. وعرف التلميذُ مكاشفةَ شيخِهِ. ومرة توسل به أحد تلامذته في غيبته لِضُرٍّ أصابَهَ فلما دخل على الشيخ كاشفه وقال له بحال قوي: توسل إلى الله برسول الله . وصدق القائل ( واَثْبِتَنْ للأوليا الكرامَةْ ، وَمَنْ نَفَاها فَانْبِذَنْ كَلامَهْ ) وصدق الله العظيم إذ يقول ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون ، الذين آمنوا وكانوا يَتَّقُون )
ورعه وزهده: كان رحمه الله زاهداً فيما سوى الله ، صَامَتْ نَفْسُه عن الدنيا ومَلَذَّاتها وشهواتها. في الشطر الأول من عمره أخذ في أسباب الرزق ليقوم بنفسه ويعفَّها عن صدقات الناس ، وحتى لا يتكسب الدنيا بالدين فتح دكاناً صغيراً قريباً من الحَرَمِ ، ثم أغلق الدكان وصار يؤجر بعض الغرف في بيته. ويروي رحمه الله أنه ادخر قليلا من المال وصَرَفَهُ جنيهات ذهبيةً ، فرأى والدتَهُ في الرؤيا تقول له: ( خَفِِّفْ نَفْسَكَ من الدنيا يا وَلدي ) قالتها ثلاثاً رحمها الله ، فلما استيقظ ما كان منه إلا أن أَنْفَقَ هذه الجنيهات على الفقراء والمساكين ، ولم يُبْقِ منها سوى مائتي ريال وَضَعَها في صرة كَفَنِهِ لتكون هديَّةً لِمُغَسِّلِهِ ومُكَفِّنِهِ وحَفّارِ قَبْرِهِ. وأصْبَح لا يدَّخِرُ شيئاً ، كلما جاءه رِزْقٌ أنْفَقَهُ. وله قول مأثور مشهور اتخذه شعاراً وَعَمَلاً ، وكتبه محبُّوه وعلَّقوه في بيوتهم ، يقول فيه: ( يا أهلَ الدُثُورْ مَالَكُم وَلِلْقُصورْ ، غدا تزورون القبورْ ، قُصورُنا قُبورُنا ، نبني قُبُورَنَا لأنها مَضْجعنا إلى يومِ خُروجِنَا )
وكان رحمه الله وَرِعاً ، يتحرى الحلال الصرف ، ويبتعد عن الشبهات. قُدِّم إليه زيتون من اليونان ، فأبى أن يأْكُلَهُ ، وقال: ( إنه من بلاد الكفرة ، وقد بلغني أن الخنازير ترتع تحت أشجار الزيتون في اليونان. ثم لماذا نشتري بضائع الكفرة وعندنا بضائع المسلمين) وكان إذا أراد الذبح تحرى عقيدة الذابح ، هل هو مسلم من أهل السنة والجماعة أم لا ، فإن لم يثبت له ذلك أبى أن يسلمه الذبيحة. ونمي إليه مرة أن الفَوَّال يزيد في كمية الفول حين يإتيه إناءُ الشيخ ، حُبَّاً في الشيخ واعتقاداً بِصَلاحِهِ ، فما أن علم الشيخ ذلك حتى استبدل الإناءَ بِآخَرَ لا يَعْرِفُهُ الفوَّالُ ، خَوْفاً من أن يَأْكُلَ بِدِينِهِ.
كرمه وسخاؤه: كان رحمه الله جَوَاداً سخياً ، يحب إكرامَ الضيوف وإطعامَ الطعام وبخاصة لزائري الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ويبالغ في إكرامهم ، ويقول: ( لَيْسَ في إِكْرَامِ الضَّيْفِ سَرَفٌ ) لا تخلو سُفْرَتُهُ من الضيوف وربما امتلأت غرفَتُهُ وازدحمت بالناس ، وإذا اقترب مَوْعِدُ الغَدَاءِ أو العَشَاءِ ، واستأْذَنَهُ جليسُهُ بالانصراف لم يأْذَنْ له إلا بعد أن يَأْكُلَ ، وقبل قيام الضيوف من سفرته يناديهم: أنتم جميعاً مَدْعُوُّونَ هنا غداً إن شاء الله . ولا يكاد يأكُلُ لُقْمَةً إلا ويُلَـقِّمُ مَنْ حَوْلَهُ الثانيةَ أو الثالثةَ.
كان ينتقي لضيوفه أجودَ الطعام وأحسنَهُ فيقول: ( اشتروا أحسنَ الخراف وأجودَها ، ليكن من النوع الحرِّي أو النعيمي ، لاتشتروا سَوَاكِنْ-نوع من الأغنام تستورد من أفريقية- ولا غيره ، لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) ولا يكاد يمضي أسبوعٌ أو أسبوعان إلا ويذبح جَمَلاً ويوزعه على الفقراء والمساكين. أما دعوته العامة بعد صلاة الجمعة فأشهرُ من نارٍ على عَلَم ، يعرفها القاصي والداني ، حيث يتوافد المئات من الناس على اختلاف جنسياتهم وأعراقهم ، المقيم والمعتمر والحاج ، يغص بهم مجلسه الكبير ، يقرأ كل واحد جزءاً من القرآن أو أكثر ، ثم بعد اكتمال ختمتين من القرآن أو ثلاثة ، يُتْلَى دعاءُ الخَتْم ، ثم يوضع الطعام ،
ولقد كان الشيخ في بداية أمره يطبخ الطعام بيده للضيوف ، ثم لما كبر سِنُّهُ وكَثُرَ الناس كلف بعضَ محبيه بالطبخ ، ثم أصبح لديه طباخ دائم. أما إذا حل رمضان فإن سفرة الفطور لا تنقطع طيلة أيام الشهر يحضرها المئات ، وكان بعض الناس إذا فاجأه ضيوف أتى بهم إلى سفرة الشيخ رحمه الله.
عبادته وخوفه من الله واستعداده للآخره: كان رحمه الله متبتلاً خاشعاً لله ، كثيرَ التعبُّدِ ، ذاكراً لله مُكثراً من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، صَوَّاماً قَوَّاماً ، لاتَفُوتُهُ سُنَّةٌ ولا رَاتِبَةٌ ولا يَتْرُكُ عَمَلاً وَرَدَ فيهِ أدنى ثَوَابٍ إلا ويطبقه ، يقوم في الثلث الأخير من الليل يذرف الدمعَ متضرعاً أوَّاهاً ، يُسْمَعُ نَحِيبُهُ وبُكاؤُهُ خارجَ غُرفتِهِ. يَنْطلق قبل الفجر بساعتين إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبقى فيه متعبداً ذاكراً لله تالياً لكتابِهِ حتى تشرق الشمس ، رغبة في الحديث الشريف: (مَنْ صَلَّى الفَجْرَ في جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللهَ تَعَالى حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ ). فيصلي الضُّحى ثم يَزُورُ البقيعَ أَحْياناً ثم يَنْصَرِفُ إلى بيتِهِ ليُكرِمَ زُوَّارَهُ وضيوفه الذين ينتظرونه ، ثم يعود إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل صلاة العصر فلا يخرج منه إلا بعد العشاء ، أما إذا كانت ليلة الجمعة فإنه لا يُغْمَضُ له جَفْن أبداً ، يقضي جميع ليلتها في العبادة والذكرِ والدعاءِ ويقضي يَوْمَهَا في العبادة والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستقبالِ زائريه وإكرامِ ضيوفِهِ ، أما تَعَبُّدُهُ في الليالي الفضيلة فيعجز عنه الشباب وأُولُوا العَزْمِ من الرجال ، قال أَحَدُ مُحِبِّيهِ وكان شاباً: ( لقد صلينا الليلة مع الشيخ مائةَ ركعةٍ وتَعِبْنَا واللهِ ، والشيخُ لَمْ يَتْعَبْ ) . وكان رحمه الله يحرص رغم ضعف جسمه ونحوله - على صوم النوافل كلها ، لاتفوته منها نافلة.
أما تلاوته لكتاب الله فما كانت تمضي أيام إلا ويتم خَتْمَةً إضافة إلى أوْرَادِهِ الكثيرة ، وَأَوْرَاقُ المُصْحَفِ التي تَآكَلَتْ من كثرة مُلامَسَةِ أَصَابِعِهِ خَيْرُ شاهدٍ على كَثْرةِ تلاوتهِ وتَعَهُّدِهِ لكتابِ اللهِ آناءَ الليلِ وأطرافَ النهار.
وفاته: لقد عَمَّرَ الشيخُ رحمه الله حتى بلغَ ثمانٍ وتسعينَ سنةً ، وكان دائماً يشتاقُ إلى لِقَاءِ رَبِّهِ ، وكان يتمنى أن يَقْبِضَهُ اللهُ إليهِ في ليلةِ سابِعٍ وعِشرين من رَمَضَان ، فإذا جاءت صام الشيخ وتصدَّقَ بِكُلِّ ما لَدَيْهِ ونَظَّفَ بَطْنَهُ ِبمُسهل ، وأمضى ليلَتَهُ في العبادةِ حتى يصبح ، فإذا أصبح تعجب ، ثم قال: ( اللهم أحْيِني مَادَامَت الحياةُ خيراً لي وتَوَفَّني إذا كانت الوفاةُ خَيراً لِي ).
ومُنْذُ أيامِ شبابِهِ اسْتَعَدَّ للآخرة بالعمل الصالح ، وجَهَّزَ نفسَهَ لِلِقَاءِ الله ، واشترى كَفَنَهُ وكُلَّ ما يَلْزَمُ لَدَفْنِهِ ، وكَتَبَ وصِيَّتَهُ ووضعها في كفنه ، وغَسَلَ الكَفَنَ بماءِ زَمْزَمَ وكان يَتَفَقَّدُهُ ويُصَلي عليه أحياناً ، وإذا سافر اصطحبه معه ، ويروي أنه كان مسافراً مرةً فمرَّ على مركز حدود إحدى البلدان فسأله موظف الجمارك ماهذا ؟ فقال: كَفَنِي ، فخاف الموظف ، وقال: امش امش.
ولما قربت مَنِيَّةُ الشيخ ابتلاه الله –كما يبتلي خواص خلقه - بحصوات في المرارة ، أزعجته وآلمته أَلَماً لا يُطاق ، فنقل إلى المستشفى وأجرى له الأطباء عملية استئصال للمرارة ، ولم يَنْعَمْ الشيخ بالراحة بعدها إلا قليلا ، و تناوبته آلام وأوجاع حتى تَقَايَأَ دماً ، فنقل إلى المستشفى مرة ثانية ، ثم عاد للبيت ، ثم ظل ينقل بين المستشفى والبيت حتى استقر بالمستشفى إلى حين الوفاة ، وأجريت له عدة عمليات منظار وعمليات صغيرة في المستشفى ، ولم يَغِبْ عَنْ اللهِ لحظةً واحدةً ، وما توقف لسانُهُ عن ذِكرِ اللهِ ، رغم شدة مُعَاناتِهِ ، وكان يسأل عن أوقاتِ الصلاة ويَعْرِفُ كُلَّ من زَارَهُ ، ويسأل عمن تأخر عن زيارته من أحبابه ، إلى أن حضر يوم السبت الثلاثين من شهر صفر عام ألف وأربعمائة وست وعشرين من الهجرة ، صحا الشيخ بكامل وَعْيِهِ ولاطَفَ مَنْ حَوْلَه ، وأَكَلَ قليلاً وشرب ، وسأل عن شهر ربيع الأول الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا له: غدا يبدأ ، ففرح كثيراً ثم دعا وردَّدَ قولَه تعالى( راضِيَةً مَرْضِيَّة ) وردَّدَ: (فِدَاكَ يَارَسُولَ الله) ثم قال: يامُسَهّلْ سَهِّلْ ، يامُسَهّلْ سَهِّلْ ، يامُسَهّلْ سَهِّلْ. وكأنَّ اللهَ أطْلَعَهُ على شيء ، ثم تقايأ دماً كثيراً وكأنَّ اللهَ يريدُ إكرامَهَ بالشهادة. ثم دخل في غيبوبة إلى اليوم التالي الساعة العاشرة من ضحى الأحد الأول من شهر ربيع الأول عام ألف وأربعمائة وست وعشرين من الهجرة ، ففتح الشيخ عينيه ونظر إلى من حوله وتَبَسَّمَ ثم أسْلَمَ الروحُ لبارئها.
وجاء محبُّو الشيخ من كل حدب وصوب فحملوه إلى رباط الخُـتَـنِـيّـين ، حيث كان من وصيته الإسراعُ بِدَفْنِهِ ، وعَدَمُ وضْعِهِ في الثلاجة. فَغُسِّلَ وكُفِّنَ بكَفَنِهِ الذي خبأه لهذا اليوم ، ثم صُلِّيَ عليه في المسجد النبوي الشريف عقب صلاة العصر ، وخرجت جنازته في موكب عظيم مهيب ، ودفن في بَقِيعِ الغَرْقَدِ ، قريباً من شُهَدَاءِ الحَرَّةِ. كما صُلِّيَ عليه صلاة الغائب في جميع الأقطار التي بلغها خبر وفاته ، وتناقلت بعض القنوات الفضائية خبرَ وفاتِهِ. ولم يَتْركْ مؤلفات علميةً بل تركَ وراءَهُ جيلاً من التلاميذ رَبَّاهُمْ على محبةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وَاتِّـبَاعِ سُنَّتِهِ.
رحم الله الشيخَ وقدسَ قبرَهُ ونوَّرَ ضريحَهَ ، وجَعَلَهُ مع من كان يُحِبُّهُم من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وألْحَقَنَا بِهِمْ بفضله ومَنِّه وكرمه. وجَبَرَ كسر الأمة الاسلامية وعَوَّضَها في علمائِها وصَالِحيهَا خيراً.
وكتبه خويدمه الفقير:
محمد ضياء الدين ملاحفجي
المدينة المنورة: 04/03/1426
المــوافق: 13/04/2005

بسم الله الرحمن الرحيم

ترجمة الشيخ محمد زكريا البخاري المدني
كتبها: الشيخ محمد ضياء الدين ملاحفجي
هو العالم العامل التقي الزاهد الورع العارف بالله الشيخ محمد بن زكريا ، المَرْغِلاني ثم المَدَني موطناً ، المشهور بالشيخ محمد زكريا البخاري ، من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
ولد رحمه الله في قرية دَمْكُولْ ، من قضاء مَرْغِلانْ بوادي فَرْغَانَةْ بجمهورية أُوزْبَكِسْتَانْ إحدى الجمهوريات الإسلامية في بلاد ما وراء النهر. ونشأ في أسرة متدينة محبةٍ لله ورسوله ، توفي والده في وقت مبكر من حياته ، ولكن والدته التي رعته كانت من القانتات الصالحات العابدات ، ووالدها الذي أكرمه الله بالدفن في البقيع كان أشد منها تقى وصلاحا. سقته والدته من معين حبها لله ورسوله ، وربَّتْه على الخلق والدين ، ثم رَغَّبَتْه في طلب العلم ، حتى غدا محباً للعلم مثابراً مُجِداً مجتهداً فيه ، وكان يحدث أنه كان يقطع في طلب العلم مسافات شاسعة كل يوم ، وربما سار أربع ساعات ماشياً ، ليصل إلى قرية أحد شيوخه ، يقرأ عليه العلم ثم ليرجع إلى قريته من يومه. ولم يتعلم الشيخ العلمَ ليجادِلَ به العلماءَ أو يماري به السفهاءَ ، بل جعل العلم وَسيلَتَهُ إلى الله فكان من أهلِ العَمَل ( والاسلامَ اشْرَحَنَّ بالعمل ) والعلماءُ هم أهل الخَشْيَة الذين عناهم الله بقوله( إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء)
وفي ريعان شبابه ، احتل الروس الشيوعيون الملاحدةُ بلادَهُ ، فَلَمْ يَجِدْ مَنَاصاً من الهجرة ، امتثالا لقول الله تعالى ( إنَّ الَّذينَ تَوَفَّاهُمُ الملائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ، قَالُوا فيمَ كُنْتُمْ قَالوا كُنَّا مُسْتَضْعَفينَ في الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ) ولاقَى في هِجْرتِهِ مع أُمِّهِ ، كثيراً من المشاقِّ والصِّعابِ بل اكْتَنَفَتْهُ المخَاطِرُ والمَهَالِكُ في رِحْلَتِهِ حيث استقر بأفغانستان قليلا ثم تابع رحلته حتى وصل إلى المدينة المنورة محطِّ رَحْلِهِ وغايةِ أَمَلِهِ ، ومَعْقِدِ رَجَائِهِ ، فجلس فيها مجاورا لحبيبه صلى الله عليه وسلم ، حتى وَافَتْهُ المنيَّةُ.
كان رحمه الله مُتَيَّماً مُحِبَّاً مُخْلِصاً لِجَوارِ سَيِّدِ الأَنَامِ عليه الصلاة والسلام ، حَريصاً على المُكْثِ في طَيْبَةَ الطيِّبَةِ لمِا وَرَدَ فيها من الفضائلِ الكثيرة ، كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالمَدينَةِ فَلْيَمُتْ بها ، فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ مَاتَ بِهَا ). وَمِنْ شِدّةِ رَغْبَتِهِ في هذا الحديث كان لا يَخْرُجُ من المدينة خَشْيَةَ أن يَمُوتَ خَارِجَهَا ، وقال: خَرجْتُ مَرَّةً فاصاب السيارةَ حادِثٌ في الطريق ، فكان لسانُ حالِ الحادثِ يقول لي: هذه عقوبةُ خُروجِكَ من المدينةِ المنورةِ ، فَلَمْ أَخْرُجْ بَعْدَهَا )
دعوته إلى الله: كان رحمه الله كثيرَ النُّصْحِ لأَحْبَابِهِ وَتَلامِذَتِهِ وَزَائِرِيهِ ، لا يَخْلُو مَجْلِسُهُ مِنْ عِلْمٍ أَوْ نُصْحٍ أَوْ ذِكْرٍ أو عِبَادةٍ أو إِنْشَادٍ وَمَديحٍ لِلْمُصْطَفَى عليه الصلاة والسلام. ، تَعْلُو مجلِسَهُ المَهَابَةُ والخشوعُ والحُضُور ، يَتَكلَّمُ بالكلامِ القليلِ ، ولكنه يُلامِسُ القُلُوبَ ، ويُدْمِعُ العيونَ ،لأنه يَخْرُجُ مِنْ قَلْبٍ مُخْلِصٍ شَفُوقٍ. تَسْمَعُهُ تارةً يقول: ( اغْتَنِمُوا شَبَابَكُمْ وَصِحَّتَكُمْ في طَاعَةِ اللهِ ، لَقَدْ كُنَّا شَباباً مِثْلَكُمْ هَا قَدْ شِبْنَا ) وتارةً يقولُ: ( طُوبى لِمَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ ، دَارُنَا هِيَ الآخِرَةُ ، وَهذِهِ الدارُ مُؤَقَّتَة ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا في الدُّنْيَا رِضَاءَكَ وفي الآخِرَةِ لِقَاءَكَ ) وبعد كلِّ طَعامٍ يَأْمُرُ أحدَ طَلَبةِ العلمِ مِنْ مُحِبِّيهِ بِقِراءةِ العِلمِ النافِعِ ، من حَديثِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وشَمَائِلِهِ الحميدة. ومن الكتب التي قرئت كلها مِرَاراً في مَجْلِسِهِ: كتاب الأدب المفرد للبخاري ، وكتاب الشمائل المحمدية للترمذي ، وكتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ عبد الله سراج الدين ، رحمه الله. وكان يزوره كبار أهل العلم والفضل من شتى أقطار المعمورة ، فيطلب الشيخ من زائره العالِمِ كَلِمَةً للحاضرين. ثم يُرَوِّحُ المجلسَ بالإنْشْاد بَعْدَ الإِرْشَادِ ، وَيُعَطِّرُهُ بمديح المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وَتِلاوَةِ سيرتِهِ العَطِرَةِ من ذَوِي الصوْتِ الحَسَنِ ، تَحْبِيباً للنفوس في هذا النبيِّ العظيمِ صلى الله عليه وسلم ، وكانَ من أَشَدِّ المُتَأَثِّرِينَ بالمديحِ بل كانت تَعْتَريهِ الأَحْوالُ العَجِيبَةُ إذا ما حَلَّق المادحُ في المعاني الراقِيَةِ بصَوْتٍ عَذْبٍ ، وكانت الفرحةُ تَغْمرهُ إذا علمَ أنَّ الناسَ تَعَلَّقُوا بِحُبِّ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
أخلاقه وسيرته: أما أخْلاقُهُ فهي أَخْلاقُ القَوْمِ رضي الله عنهم ، كان رحمه الله نَقِيَّ السَّريرَةِ ذَا فِطْرَةٍ سَليمَةٍ ، طَيِّبَ المُعَاشَرَةِ حُلْوَ المؤانَسَةِ يَسْعَدُ به جَليسُهُ. مُتَوَاضِعاً هَيِّّناً لَيّناً أَلِفَاً مَأْلُوفَاً ، كما جاء في الحديث الشريف: ( ألا أخبركم بمن يحرم على النار ، قلنا بلى يا رسول الله قال: تَحْرُمُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ ). يَسعُ الناسَ بِحِلْمِهِ ، وَلا يِمَلُّ من ملاقاتهم ،
عَلَّقَ على بابِهِ لَوْحَةً كَتَبَ فيها: ( بابي مَفْتوحٌ ما دُمْتُ حَيّاً ، إنْ مِتُّ ، مِنكُمْ أَطْلُبُ خَيْراً ) وكان خُلُقُهُ يُصَدِّقُ هذا القَوْلَ. يُوصِي مَنْ حَوْلَهُ أنْ لا يَمْنَعُوا أَحَداً مِنْ زِيَارَتِهِ في أيِّ وَقْتٍ حتى في أوْقاتِ رَاحَتِهِ. يُرَحبُ بِزَائره ويُكْرمُهُ ويَعْرضُ عليه الطعام ، ويُشَارِكُهُ هَمَّهُ ويَدْعو لِمَريضِهِ بالشفاءِ ، ثم لا يَدَّخِرُ وُسْعاً في نُصْحِهِ وإرشادِهِ وتَوْجيهِهِ إلى الله عز وجل. صَريحاً جَريئاً في قَوْلِ الحقِّ لا تَأْخُذُهُ في الله لومةُ لائِمٍ ، ولا يَسْكُتُ عن مُخالفة شرعيةٍ أو مُنْكَرٍ يَرَاهُ ، وبَعْدَ زَجْرِهِ يَتَلَطَفُ مَعَ مَنْ زَجَرَهُ ويؤانِسُهُ. تَعْتريهِ الحِدَّةُ في بعض أحواله ، كما جاء في الحديث ( خِيَارُ أُمَّتي أَحِدَّاؤُهُمْ ، الذينَ إذا غَضِبُوا رَجَعُوا ، الحِدَّةُ تَعْتَرِي خِيَارَ أُمَّتي ).وكان يقول: ( فِينَا حِدَّة ولكنَّ قُلوبَنَا نَظيفَةٌ تَصْفُو بِسُرْعَة).
يَتَفقدُ أحبابَهُ وبخاصة القدامى منهم وإذا أطالوا الغيبة سأل عنهم وزارهم ، ويرعى الوِدَادَ ولاينساه ، فربما دخل عليه شخص فأكرمه ورعاه والتفت إليه وأجلسه بقربه لأنه من أحبابه القدامى ، أو لأن والده كان صديقَهُ.
وكان حريصاً على تطبيق السُّنَّةِ في كل أَحْوَالِهِ وأقْوالهِ وأفْعالِهِ ونَوْمِهِ وطَعَامِهِ ولِبَاسِهِ ، ما يَسْمَعُ بِفَضيلَةِ عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ إلا ويُبَادِرُ إليه ولو كان الحديث به ضعيفاً. شديدَ المحاسبةِ لنفسِهِ ، حتى كان يُحَاسِبُ خَوَاطِرَهُ القلبيَّةَ. ساهَمَ مرَّةً في بناء مَسْجد - وما أكثرَ المساجدَ التي ساهَمَ في بِنائِها - فانتهى البِنَاءُ ، ولمَّا هَمَّ واستعدَّ للذهابِ لِرُؤيةِ المسجد قال لتلميذه: عَدَلْتُ عن الذهاب ، فتعجب التلميذ وسأل عن السبب فأخبره الشيخ أنه ربما ذَهَبَ فرأى المسجدَ فأعْجَبَهُ عَمَلُهُ ، والعُجْبُ مُحْبِطٌ للعمل. وصدق القائل: ( وأتَيْتُ إِلَيْكَ خَلِيَّاً مِنْ صَوْمِي وَصَلاتي معْ حججي)
كراماته: ظهرت للشيخ كراماتٌ كثيرةٌ ، ولا نُسْهِبُ هنا في هذا الجانب -الذي شَغَلَ بعضَ مُحِبِّي الشيخ- اعتقاداً منَّا أنَّ أَكْبَرَ كرامةٍ للشيخ رحمه الله هي استقامَتُهُ على الشريعة ، ولَيْسَتْ بالأمر الهَيِّنِ ، فَكَرَاهِيَةُ الدنيا وحُبُّ الموْتِ والاستعدادُ لِلِقَاءِ الله وحَمْلُ النَّفْسِ على المَكَارِهِ ، والوُقُوفُ عنْدَ الأمْرِ والنهي مِنْ أكْبَرِ الكَرَاماتِ. وبما أن الكرامة هي أمْرٌ خَارِقٌ للعادة يُظْهِرُه الله على يَدِ أوْليائِهِ دِلالَةً على صِدْقِهِمْ ، فإننا نَكْتَفي بِذِكْرِ واحِدَةٍ من كراماته الكثيرة التي يَصْعب إحصاؤها ، وهي كرامة شفائه من كِسر الحوْضِ ، إِذْ وَقَعَ أثناءَ قِيامِهِ للتهجُّدِ فانْكَسَرَ عُنقُ الفَخِذِ الملتقي مع عَظْم الحوض ، فهرع الأطباء من محبي الشيخ وبذلوا كل ما في وسعهم من وسائل وعلاج ورغبوا إجراءَ بعض العمليات أملاً في الْتِئَام الكسر ، فابى الشيخ رحمه الله ، ومنعهم من إجراء أي عملية وكان يقول لهم: دعوني فإني أحبُّ لِقَاءَ الله. فقلق الأطباء ومحبو الشيخ ، لاسيما أن كسر الحوض مَعْروف باسم ( كسر الموت ) لأنه يرافق المُسِنَّ إلى وَفَاتِهِ. وظنوا أن الشيخَ سَيُصْبحُ عاجزاً عن القيام بِنَفْسِهِ ، ثم كان من شِدَّةِ أَلَمِهِ يصرَخُ إن تحركَ أدنى حَرَكةٍ. ومضت فترة فاستيقظ في إحدى الليالي وأيقظ مرافقه قائلا: قُمْ فإني شُفِيتُ ، لقد زَارَتْني والدتي في الرؤيا ، وَوَضَعَتْ خَدَّهَا على مَوْضِعِ كسري فَبَرِئَ بإذن الله ، وقام الشيخ دون مساعدة أَحَدٍ ، ودهشت عقول الأطباء ، ينظرون إلى صور الأشعة ثم ينظرون إلى الشيخ يمشي فلا يكادون يصدقون. وأما مُكاشَفَاتُهُ لِخَواطِرِ زُوَّارِهِ وأحبابه وإطلاعُ اللهِ له على بعض أحوالهم فهي كثيرةٌ لا يُحْصيها عَدَدٌ ، ولا أَكُونُ مُبالِغاً إن قلت: قَلَّ من دخل إلى الشيخ ولم يكاشفه بخواطر نفسه أويبين له بعض أحواله ثم يوجهه للخير. دخل عليه مَرَّةً أحدُ تلامذتِهِ عائداً من الحرم حيث كان يدعو لوالده بِصِدْقٍ وإخلاص وبُكاءٍ وتَضَرُّعٍ ، فما أن دخل حتى نظر الشيخ إلى وجهه وقال له: أشركني بدعائك يا عبد الله أرجوك أن تدعو لي كلما دَعَوَتَ لِوَالِدِكَ. وعرف التلميذُ مكاشفةَ شيخِهِ. ومرة توسل به أحد تلامذته في غيبته لِضُرٍّ أصابَهَ فلما دخل على الشيخ كاشفه وقال له بحال قوي: توسل إلى الله برسول الله . وصدق القائل ( واَثْبِتَنْ للأوليا الكرامَةْ ، وَمَنْ نَفَاها فَانْبِذَنْ كَلامَهْ ) وصدق الله العظيم إذ يقول ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون ، الذين آمنوا وكانوا يَتَّقُون )
ورعه وزهده: كان رحمه الله زاهداً فيما سوى الله ، صَامَتْ نَفْسُه عن الدنيا ومَلَذَّاتها وشهواتها. في الشطر الأول من عمره أخذ في أسباب الرزق ليقوم بنفسه ويعفَّها عن صدقات الناس ، وحتى لا يتكسب الدنيا بالدين فتح دكاناً صغيراً قريباً من الحَرَمِ ، ثم أغلق الدكان وصار يؤجر بعض الغرف في بيته. ويروي رحمه الله أنه ادخر قليلا من المال وصَرَفَهُ جنيهات ذهبيةً ، فرأى والدتَهُ في الرؤيا تقول له: ( خَفِِّفْ نَفْسَكَ من الدنيا يا وَلدي ) قالتها ثلاثاً رحمها الله ، فلما استيقظ ما كان منه إلا أن أَنْفَقَ هذه الجنيهات على الفقراء والمساكين ، ولم يُبْقِ منها سوى مائتي ريال وَضَعَها في صرة كَفَنِهِ لتكون هديَّةً لِمُغَسِّلِهِ ومُكَفِّنِهِ وحَفّارِ قَبْرِهِ. وأصْبَح لا يدَّخِرُ شيئاً ، كلما جاءه رِزْقٌ أنْفَقَهُ. وله قول مأثور مشهور اتخذه شعاراً وَعَمَلاً ، وكتبه محبُّوه وعلَّقوه في بيوتهم ، يقول فيه: ( يا أهلَ الدُثُورْ مَالَكُم وَلِلْقُصورْ ، غدا تزورون القبورْ ، قُصورُنا قُبورُنا ، نبني قُبُورَنَا لأنها مَضْجعنا إلى يومِ خُروجِنَا )
وكان رحمه الله وَرِعاً ، يتحرى الحلال الصرف ، ويبتعد عن الشبهات. قُدِّم إليه زيتون من اليونان ، فأبى أن يأْكُلَهُ ، وقال: ( إنه من بلاد الكفرة ، وقد بلغني أن الخنازير ترتع تحت أشجار الزيتون في اليونان. ثم لماذا نشتري بضائع الكفرة وعندنا بضائع المسلمين) وكان إذا أراد الذبح تحرى عقيدة الذابح ، هل هو مسلم من أهل السنة والجماعة أم لا ، فإن لم يثبت له ذلك أبى أن يسلمه الذبيحة. ونمي إليه مرة أن الفَوَّال يزيد في كمية الفول حين يإتيه إناءُ الشيخ ، حُبَّاً في الشيخ واعتقاداً بِصَلاحِهِ ، فما أن علم الشيخ ذلك حتى استبدل الإناءَ بِآخَرَ لا يَعْرِفُهُ الفوَّالُ ، خَوْفاً من أن يَأْكُلَ بِدِينِهِ.
كرمه وسخاؤه: كان رحمه الله جَوَاداً سخياً ، يحب إكرامَ الضيوف وإطعامَ الطعام وبخاصة لزائري الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ويبالغ في إكرامهم ، ويقول: ( لَيْسَ في إِكْرَامِ الضَّيْفِ سَرَفٌ ) لا تخلو سُفْرَتُهُ من الضيوف وربما امتلأت غرفَتُهُ وازدحمت بالناس ، وإذا اقترب مَوْعِدُ الغَدَاءِ أو العَشَاءِ ، واستأْذَنَهُ جليسُهُ بالانصراف لم يأْذَنْ له إلا بعد أن يَأْكُلَ ، وقبل قيام الضيوف من سفرته يناديهم: أنتم جميعاً مَدْعُوُّونَ هنا غداً إن شاء الله . ولا يكاد يأكُلُ لُقْمَةً إلا ويُلَـقِّمُ مَنْ حَوْلَهُ الثانيةَ أو الثالثةَ.
كان ينتقي لضيوفه أجودَ الطعام وأحسنَهُ فيقول: ( اشتروا أحسنَ الخراف وأجودَها ، ليكن من النوع الحرِّي أو النعيمي ، لاتشتروا سَوَاكِنْ-نوع من الأغنام تستورد من أفريقية- ولا غيره ، لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) ولا يكاد يمضي أسبوعٌ أو أسبوعان إلا ويذبح جَمَلاً ويوزعه على الفقراء والمساكين. أما دعوته العامة بعد صلاة الجمعة فأشهرُ من نارٍ على عَلَم ، يعرفها القاصي والداني ، حيث يتوافد المئات من الناس على اختلاف جنسياتهم وأعراقهم ، المقيم والمعتمر والحاج ، يغص بهم مجلسه الكبير ، يقرأ كل واحد جزءاً من القرآن أو أكثر ، ثم بعد اكتمال ختمتين من القرآن أو ثلاثة ، يُتْلَى دعاءُ الخَتْم ، ثم يوضع الطعام ،
ولقد كان الشيخ في بداية أمره يطبخ الطعام بيده للضيوف ، ثم لما كبر سِنُّهُ وكَثُرَ الناس كلف بعضَ محبيه بالطبخ ، ثم أصبح لديه طباخ دائم. أما إذا حل رمضان فإن سفرة الفطور لا تنقطع طيلة أيام الشهر يحضرها المئات ، وكان بعض الناس إذا فاجأه ضيوف أتى بهم إلى سفرة الشيخ رحمه الله.
عبادته وخوفه من الله واستعداده للآخره: كان رحمه الله متبتلاً خاشعاً لله ، كثيرَ التعبُّدِ ، ذاكراً لله مُكثراً من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، صَوَّاماً قَوَّاماً ، لاتَفُوتُهُ سُنَّةٌ ولا رَاتِبَةٌ ولا يَتْرُكُ عَمَلاً وَرَدَ فيهِ أدنى ثَوَابٍ إلا ويطبقه ، يقوم في الثلث الأخير من الليل يذرف الدمعَ متضرعاً أوَّاهاً ، يُسْمَعُ نَحِيبُهُ وبُكاؤُهُ خارجَ غُرفتِهِ. يَنْطلق قبل الفجر بساعتين إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبقى فيه متعبداً ذاكراً لله تالياً لكتابِهِ حتى تشرق الشمس ، رغبة في الحديث الشريف: (مَنْ صَلَّى الفَجْرَ في جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللهَ تَعَالى حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ ). فيصلي الضُّحى ثم يَزُورُ البقيعَ أَحْياناً ثم يَنْصَرِفُ إلى بيتِهِ ليُكرِمَ زُوَّارَهُ وضيوفه الذين ينتظرونه ، ثم يعود إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل صلاة العصر فلا يخرج منه إلا بعد العشاء ، أما إذا كانت ليلة الجمعة فإنه لا يُغْمَضُ له جَفْن أبداً ، يقضي جميع ليلتها في العبادة والذكرِ والدعاءِ ويقضي يَوْمَهَا في العبادة والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستقبالِ زائريه وإكرامِ ضيوفِهِ ، أما تَعَبُّدُهُ في الليالي الفضيلة فيعجز عنه الشباب وأُولُوا العَزْمِ من الرجال ، قال أَحَدُ مُحِبِّيهِ وكان شاباً: ( لقد صلينا الليلة مع الشيخ مائةَ ركعةٍ وتَعِبْنَا واللهِ ، والشيخُ لَمْ يَتْعَبْ ) . وكان رحمه الله يحرص رغم ضعف جسمه ونحوله - على صوم النوافل كلها ، لاتفوته منها نافلة.
أما تلاوته لكتاب الله فما كانت تمضي أيام إلا ويتم خَتْمَةً إضافة إلى أوْرَادِهِ الكثيرة ، وَأَوْرَاقُ المُصْحَفِ التي تَآكَلَتْ من كثرة مُلامَسَةِ أَصَابِعِهِ خَيْرُ شاهدٍ على كَثْرةِ تلاوتهِ وتَعَهُّدِهِ لكتابِ اللهِ آناءَ الليلِ وأطرافَ النهار.
وفاته: لقد عَمَّرَ الشيخُ رحمه الله حتى بلغَ ثمانٍ وتسعينَ سنةً ، وكان دائماً يشتاقُ إلى لِقَاءِ رَبِّهِ ، وكان يتمنى أن يَقْبِضَهُ اللهُ إليهِ في ليلةِ سابِعٍ وعِشرين من رَمَضَان ، فإذا جاءت صام الشيخ وتصدَّقَ بِكُلِّ ما لَدَيْهِ ونَظَّفَ بَطْنَهُ ِبمُسهل ، وأمضى ليلَتَهُ في العبادةِ حتى يصبح ، فإذا أصبح تعجب ، ثم قال: ( اللهم أحْيِني مَادَامَت الحياةُ خيراً لي وتَوَفَّني إذا كانت الوفاةُ خَيراً لِي ).
ومُنْذُ أيامِ شبابِهِ اسْتَعَدَّ للآخرة بالعمل الصالح ، وجَهَّزَ نفسَهَ لِلِقَاءِ الله ، واشترى كَفَنَهُ وكُلَّ ما يَلْزَمُ لَدَفْنِهِ ، وكَتَبَ وصِيَّتَهُ ووضعها في كفنه ، وغَسَلَ الكَفَنَ بماءِ زَمْزَمَ وكان يَتَفَقَّدُهُ ويُصَلي عليه أحياناً ، وإذا سافر اصطحبه معه ، ويروي أنه كان مسافراً مرةً فمرَّ على مركز حدود إحدى البلدان فسأله موظف الجمارك ماهذا ؟ فقال: كَفَنِي ، فخاف الموظف ، وقال: امش امش.
ولما قربت مَنِيَّةُ الشيخ ابتلاه الله –كما يبتلي خواص خلقه - بحصوات في المرارة ، أزعجته وآلمته أَلَماً لا يُطاق ، فنقل إلى المستشفى وأجرى له الأطباء عملية استئصال للمرارة ، ولم يَنْعَمْ الشيخ بالراحة بعدها إلا قليلا ، و تناوبته آلام وأوجاع حتى تَقَايَأَ دماً ، فنقل إلى المستشفى مرة ثانية ، ثم عاد للبيت ، ثم ظل ينقل بين المستشفى والبيت حتى استقر بالمستشفى إلى حين الوفاة ، وأجريت له عدة عمليات منظار وعمليات صغيرة في المستشفى ، ولم يَغِبْ عَنْ اللهِ لحظةً واحدةً ، وما توقف لسانُهُ عن ذِكرِ اللهِ ، رغم شدة مُعَاناتِهِ ، وكان يسأل عن أوقاتِ الصلاة ويَعْرِفُ كُلَّ من زَارَهُ ، ويسأل عمن تأخر عن زيارته من أحبابه ، إلى أن حضر يوم السبت الثلاثين من شهر صفر عام ألف وأربعمائة وست وعشرين من الهجرة ، صحا الشيخ بكامل وَعْيِهِ ولاطَفَ مَنْ حَوْلَه ، وأَكَلَ قليلاً وشرب ، وسأل عن شهر ربيع الأول الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا له: غدا يبدأ ، ففرح كثيراً ثم دعا وردَّدَ قولَه تعالى( راضِيَةً مَرْضِيَّة ) وردَّدَ: (فِدَاكَ يَارَسُولَ الله) ثم قال: يامُسَهّلْ سَهِّلْ ، يامُسَهّلْ سَهِّلْ ، يامُسَهّلْ سَهِّلْ. وكأنَّ اللهَ أطْلَعَهُ على شيء ، ثم تقايأ دماً كثيراً وكأنَّ اللهَ يريدُ إكرامَهَ بالشهادة. ثم دخل في غيبوبة إلى اليوم التالي الساعة العاشرة من ضحى الأحد الأول من شهر ربيع الأول عام ألف وأربعمائة وست وعشرين من الهجرة ، ففتح الشيخ عينيه ونظر إلى من حوله وتَبَسَّمَ ثم أسْلَمَ الروحُ لبارئها.
وجاء محبُّو الشيخ من كل حدب وصوب فحملوه إلى رباط الخُـتَـنِـيّـين ، حيث كان من وصيته الإسراعُ بِدَفْنِهِ ، وعَدَمُ وضْعِهِ في الثلاجة. فَغُسِّلَ وكُفِّنَ بكَفَنِهِ الذي خبأه لهذا اليوم ، ثم صُلِّيَ عليه في المسجد النبوي الشريف عقب صلاة العصر ، وخرجت جنازته في موكب عظيم مهيب ، ودفن في بَقِيعِ الغَرْقَدِ ، قريباً من شُهَدَاءِ الحَرَّةِ. كما صُلِّيَ عليه صلاة الغائب في جميع الأقطار التي بلغها خبر وفاته ، وتناقلت بعض القنوات الفضائية خبرَ وفاتِهِ. ولم يَتْركْ مؤلفات علميةً بل تركَ وراءَهُ جيلاً من التلاميذ رَبَّاهُمْ على محبةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وَاتِّـبَاعِ سُنَّتِهِ.
رحم الله الشيخَ وقدسَ قبرَهُ ونوَّرَ ضريحَهَ ، وجَعَلَهُ مع من كان يُحِبُّهُم من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وألْحَقَنَا بِهِمْ بفضله ومَنِّه وكرمه. وجَبَرَ كسر الأمة الاسلامية وعَوَّضَها في علمائِها وصَالِحيهَا خيراً.
وكتبه خويدمه الفقير:
محمد ضياء الدين ملاحفجي
المدينة المنورة: 04/03/1426
المــوافق: 13/04/2005

تحميل



تشغيل