مميز
التاريخ: 24/04/2011

نبذة عن حياة فضيلة الشيخ أبو الخير الميداني رحمه الله تعالى

تراجم وأعلام

العلامة العارف بالله الولي الأكبر الشيخ
محمد أبو الخير الميداني
رئيس رابط العلماء
كتبها: فضيلة الشيخ حسين صعبية
تغمده الله برحمته وأسكنه فراديس الجنان، وأغدق عليه شآبيب الرضوان، فقد انتقل إلى جوار ربه الكريم راضياً مرضياً، مأسوفاً على أخلاقه الغر.
وسجاياه الزهر، إثر مرضٍ لم يمهله إلا أياماً قلائل، كنا فيها بين اليأس والرجاء، والشدة والرخاء، ولا ينعم لنا بال، ولا يقر لنا حال، حتى وافاه الأجل الذي لا يتقدم ولا يتأخر.
أجل، لقد وقع ما نحاذر، ودنا منا ما نباعد، فلو رأيت النفوس وقد زلزلت زلزالها، لرأيت حزناً عظيماً ومصاباً أليماً ورزءا جسيماً، تفيض له العبرات، وتتصاعد له الزفرات، فإنا لله وإنا إليه راجعون...
· تاريخ وفاته والصلاة عليه: كانت وفاته رحمه الله في داره الكائنة في حي العقيبة، ليلة السابع عشر من رمضان 1380ه الموافق 4 أذار 1961. وصلي عليه في جامع بني أمية الكبير،وحضر الصلاة عليه جميع علماء دمشق. وكثير من علماء المحافظات السورية. وحضر كثير من علماء الأقطار المجاورة. وصلى عليه إماماً الشيخ محمود الرنكوسي.
· نسبه ومولده ونشأته
هو المغفور له العلامة الأشهر والمحدث الأكبر، حنفي زمانه، وخالدي أوانه، البحّاثة النادر الأستاذ الأكبر - الشيخ محمد بن محمد بن حسين بن بكري الميداني، المكنى بأبي الخير (وكله خير).
ولد رحمه الله سنة 1875 ميلادية في الميدان، وكان أول دراسته في مدرسة الرشدية. ثم في مدرسة عنبر. وكان دائماً يحوز السبق الأول، ويتفوق على أقرانه بالأولى. ثم لما أنهى دراسته وأخذ الشهادات العالية ذهب إلى استنبول إلى المدرسة الحربية، ولكن لأمر يريده الله تعالى رجع إلى دمشق لإتمام أوراقه، وفي ذلك الحين طلبت المرحومة والدته أن يذهب إلى المرحوم الشيخ سليم المسوتي، ليسأله عن مسألة حصلت لها في بيتها، فلما جاء وسأل الشيخ عن المسألة، تفرَّس الشيخ فيه الصلاح والذكاء والانتباه، فسأله أن يدرس العلوم الشرعية، فقال: إن أمي لن ترضى بذلك، فذهب الشيخ سليم وكلم أمّه ذلك. ثم لازم الشيخ المسوتي حتى قال له: لم يبق عندي شيء إلا صار في صدرك.
· شيوخه الذين أخذ عنهم
أدرك الشيخ رحمه الله نخبةً ممتازة من الأعلام الجهابذة، ممن سار ذكرهم، وطارت شهرتهم وطبقت الآفاق. أذكر منهم من كان للمغفور له عناية خاصة بالانتساب إليهم تيمناً بذكرهم وتبركاً بالحديث عنهم وهم:
الأول: المغفور له الإمام الجليل والزاهد الكبير والصوفي العظيم شيخ الأولياء المأذون له بالكلام، الشيخ سليم المسوتي، مدرس جامع التوبة رحمه الله، وكان بركة العلماء في دمشق من غير منازع، حتى أن شيوخه يأتون إليه للتبرك به.
الثاني: العلامة المحقق الفقيه الكبير، وشيخ الطريقة النقشية المرشد الكامل، والعالم الزاهد، الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، المرحوم الشيخ عيسى الكردي، الذي أخذ عنه العلم والطريق، ثم خلّفه وأجازه، وزوجه ابنته لحبه له.
الثالث: الحافظ الجامع الفنان العلامة شيخ القراء بلا منازع المرحوم الشيخ محمد القطب.
الرابع: الأستاذ الجليل ترجمان الأولياء، الأصولي، النحوي، الصوفي ، الرياضي، المرحوم الشيخ أمين سويد.
الخامس: العلامة ذو الشهرة الواسعة والزهد العظيم، ذو التصانيف العديدة المفيدة، المحقق المدقق، من كان على قدم الصحابة في لباسه ومطعمه ومشربه وزهده وإقباله على الله تعالى، المحبوب من جميع طبقات الناس المرحوم الشيخ عبد الحكيم الأفغاني شارح البداية والكنز وغيرهما.
رحم الله الجميع رحمة واسعة وجزاهم خير الجزاء.
وكان المرحوم يتمثل عند ذكرهم بقول الفرزدق:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم .... إذا جمعتّنا يا جرير المجامع.
· شمائله رضي الله تعالى عنه
كان رحمه الله، مثالياً في علمه وأعماله وأخلاقه وتواضعه وأدبه، وكان خلقه القرآن الكريم، وشمائله السنة المطهرة، وكان في جميع أعماله وأقواله وتصرفاته مرشداً مربياً ومعلماً، ولقد كان الكثير ممن أحبوه ولازموه يتعلمون السّنة من أعماله وأفعاله، ما رآه أحد مرة إلا ذكر الله تعالى، وما اجتمع به إنسان إلا انتفع من علمه وفضله ، فلم يكن يخلو مجلسه أبداً من تعليم وإرشاد ونصح.
وكان مهاباً، وقوراً، ورعاً، متواضعاً، لا يرى نفسه أهلاً لشيء ما، كريماً كرماً حاتمياً، فإنه خرج عن مكتبته التي كانت أعز الأشياء عليه مرتين زهداً في الدنيا، ومؤثرةً للطلاب على نفسه، ما طُلب منه شيء ورده أبداً إن كان موجوداً لديه، ولم يمنع أحداً من الدخول عليه لا في ليلٍ ولا في نهارٍ حتى ولا في أوقات راحته، وكان يغضب حينما يقال له جاء فلان فسأل عنك قلنا إنه نائم ورجع، فيقول: لا لست نائماً، لم لا تعلموني بذلك؟ لعل له حاجة، ويقول (إن الله خلقني للناس لا لنفسي) ما رآه أحد إلا هابه ولم يصاحبه أحد إلا أحبه، كان رحيماً بالناس، صواماً، قواماً، زاهداً فيما في أيدي الناس، مقبلاً على العلم والتعليم والإرشاد والنصح لكل مسلم، بل للناس جميعاً، كان بكاءً من خشية الله تعالى، وكان لا يغضب إلا لله تعالى، أو لفوات درس من الدروس.
أما بره بوالديه فكان عجيباً، وأما بِره بمشايخه فكان العجب العجاب، حتى إنه يخدم كل من ينتمي إلى مشايخه ويقول: (أنا عبدٌ مملوك لهم).
وأما رحمته بطلابه فكان أرأف َبهم من آبائهم وأمهاتهم إذ كان يتفقد جميع أحوالهم، ويساعد المحتاج منهم، ويعود مرضاهم، وكان يقدم لهم الهدايا في المناسبات كالزواج والحج والولادة.
ولسنا نستملي صفاته إلا من أعماله، ولا أعماله إلا من شعاع حياته، ولا حياته إلا من تاريخه الصادق، وإذا كانت عظمة الرجال تقاس بما خلّدوا من مآثر نافعة، وما قدموا من جهود مشكورة، ومساع مذكورة، وما بذلوا لدينهم ووطنهم وأمتهم من جليل الأعمال، ومجيد الأفعال التي تمتد بها أيامهم وتطول بها حياتهم، ويذكرها الناس جيلاً بعد جيل، وقبيلاً أثر قبيل، فإن الشيخ رحمه الله ضَرب من ذلك بالسهم الأوفر, والحظ الأكبر, فلقد ظل ّ طيلة حياته كلها يعمل من أجل هذه الغاية السامية النبيلة حتى لقي ربه، وقضى نحبه في محراب العلم ومجالس الذكر مأجوراً مشكوراً من الله والناس، مذكوراً بالخير من تلامذته وإخوانه والناس أجمعين.
وأما وفاؤه لأقاربه وأرحامه وأصحابه ومعارفه فكان نادر المثال.
· حياته العلمية
هو البحر الخضم لا يدرك ساحله، والميدان الفسيح الذي لا يُعرف أوله من آخره، والروض الأنيق الذي تتفتح أزهاره وتغرد أطياره فتسحر العقول وتملك القلوب والنفوس وتأخذ بالألباب.
تعلق قلبُ الشيخ رحمه الله في طلب العلم، وشَغفه حباً، وحبس نفسَه على الطلب فكان مثالاً يحتذي، وقف جُهده على التحصيل، يوهب قلبه للعلم ابتغاء مرضاة الله تعالى لا يشغله شاغل، ولا يصدّه صّاد عما هو بسبيله، وله في ذلك حوادث وذكريات فيها عبر وعظات.
وكان لا يحضر درساً إلا طالعه قبل الحضور مطالعة تامة ووقف على دقائقه. وأحاط بغوامض مسائله، فإذا ما شرع شيخُه في تقرير الدرس على الطلاب أصغى إليه إصغاءً تاماً ليرى هل يتفق فهمه لتلك المسائل وفهم استاذه، وفي الأعم الأغلب كان يتفق فهمه وفهم أستاذه في تلك المسائل المعروفة بدقتها وصعوبتها، خصوصاً حين قراءته الهداية على أستاذه الشيخ عبد الحكيم الأفغاني.
ولقد أجازه أساتذته كلهم ظاهراً أو باطناً، في المعقول والمنقول.
وكان رحمه الله يستيقظ قبل الفجر بساعة ونصف على الأقل فيصلي النوافل، ومنها صلاة التسابيح، وبعد ذلك يمكثُ مستقبلاً القبلة يستغفر الله تعالى حتى يطلع الفجر، فيصلي الفجر ثم يقرأ الأوراد المعهودة، وبعدها يقرأ جزءاً من القرآن الكريم ثم يبدأ بإلقاء الدروس، فيقرأ درساً عاماً في جامع التوبة يستمر لما بعد طلوع الشمس فيصلي الضحى، ثم يقرأ دروساً خاصة بالطلاب في علوم الحديث والتفسير والأصول والفقه والمنطق مع جميع تفرعات العلوم العربية وآدابها ومعاجمها كالمزهر، علاوة على علم التصوف والأخلاق والسيرة النبوية والتاريخ والجغرافيا.
ويستمر في إلقاء الدروس إلى قبيل الظهر وبعدها يذهب إلى بيته، وله بعد الظهر درس، وبعد العصر درس، وبعد العشاء درس.
وكان مشهوداً له بحسن إلقاء الدروس وبأسلوبه الفذ في تعليم الطلاب وتفهيمهم، وكان يتقن اللغة التركية، والفارسية، والكردية، والفرنسية، ويلم إلماماً حسناً بالإنكليزية.
وكان في بعض المناسبات يتطرق إلى كثير من العلوم كالطب والفلك وتعبير الرؤيا والحساب والجبر وعلم الطبيعة (الفيزياء).
وكان رحمه الله حريصاً الحرص كله على إنماء الروح الإسلامية في النفوس والقلوب، ونشر أسرار الكتاب المجيد، وسائر ما جاءت به الشريعة السمحاء الغراء بين طبقات الأمة، ليخرج علماء أجلاء يخلصون العمل لله ويقومون بالدعوة إليه ويشرحون للناس أسرار دينهم الحنيف، وبذلك تشعر الأمة بوحدتها الكاملة وعزتها الشاملة، وتصبو إلى أن تعود سيرتها الأولى علواً ورقياً ومجداً وتقدماً في أساليب الحياة.


العلامة العارف بالله الولي الأكبر الشيخ
محمد أبو الخير الميداني
رئيس رابط العلماء
كتبها: فضيلة الشيخ حسين صعبية
تغمده الله برحمته وأسكنه فراديس الجنان، وأغدق عليه شآبيب الرضوان، فقد انتقل إلى جوار ربه الكريم راضياً مرضياً، مأسوفاً على أخلاقه الغر.
وسجاياه الزهر، إثر مرضٍ لم يمهله إلا أياماً قلائل، كنا فيها بين اليأس والرجاء، والشدة والرخاء، ولا ينعم لنا بال، ولا يقر لنا حال، حتى وافاه الأجل الذي لا يتقدم ولا يتأخر.
أجل، لقد وقع ما نحاذر، ودنا منا ما نباعد، فلو رأيت النفوس وقد زلزلت زلزالها، لرأيت حزناً عظيماً ومصاباً أليماً ورزءا جسيماً، تفيض له العبرات، وتتصاعد له الزفرات، فإنا لله وإنا إليه راجعون...
· تاريخ وفاته والصلاة عليه: كانت وفاته رحمه الله في داره الكائنة في حي العقيبة، ليلة السابع عشر من رمضان 1380ه الموافق 4 أذار 1961. وصلي عليه في جامع بني أمية الكبير،وحضر الصلاة عليه جميع علماء دمشق. وكثير من علماء المحافظات السورية. وحضر كثير من علماء الأقطار المجاورة. وصلى عليه إماماً الشيخ محمود الرنكوسي.
· نسبه ومولده ونشأته
هو المغفور له العلامة الأشهر والمحدث الأكبر، حنفي زمانه، وخالدي أوانه، البحّاثة النادر الأستاذ الأكبر - الشيخ محمد بن محمد بن حسين بن بكري الميداني، المكنى بأبي الخير (وكله خير).
ولد رحمه الله سنة 1875 ميلادية في الميدان، وكان أول دراسته في مدرسة الرشدية. ثم في مدرسة عنبر. وكان دائماً يحوز السبق الأول، ويتفوق على أقرانه بالأولى. ثم لما أنهى دراسته وأخذ الشهادات العالية ذهب إلى استنبول إلى المدرسة الحربية، ولكن لأمر يريده الله تعالى رجع إلى دمشق لإتمام أوراقه، وفي ذلك الحين طلبت المرحومة والدته أن يذهب إلى المرحوم الشيخ سليم المسوتي، ليسأله عن مسألة حصلت لها في بيتها، فلما جاء وسأل الشيخ عن المسألة، تفرَّس الشيخ فيه الصلاح والذكاء والانتباه، فسأله أن يدرس العلوم الشرعية، فقال: إن أمي لن ترضى بذلك، فذهب الشيخ سليم وكلم أمّه ذلك. ثم لازم الشيخ المسوتي حتى قال له: لم يبق عندي شيء إلا صار في صدرك.
· شيوخه الذين أخذ عنهم
أدرك الشيخ رحمه الله نخبةً ممتازة من الأعلام الجهابذة، ممن سار ذكرهم، وطارت شهرتهم وطبقت الآفاق. أذكر منهم من كان للمغفور له عناية خاصة بالانتساب إليهم تيمناً بذكرهم وتبركاً بالحديث عنهم وهم:
الأول: المغفور له الإمام الجليل والزاهد الكبير والصوفي العظيم شيخ الأولياء المأذون له بالكلام، الشيخ سليم المسوتي، مدرس جامع التوبة رحمه الله، وكان بركة العلماء في دمشق من غير منازع، حتى أن شيوخه يأتون إليه للتبرك به.
الثاني: العلامة المحقق الفقيه الكبير، وشيخ الطريقة النقشية المرشد الكامل، والعالم الزاهد، الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، المرحوم الشيخ عيسى الكردي، الذي أخذ عنه العلم والطريق، ثم خلّفه وأجازه، وزوجه ابنته لحبه له.
الثالث: الحافظ الجامع الفنان العلامة شيخ القراء بلا منازع المرحوم الشيخ محمد القطب.
الرابع: الأستاذ الجليل ترجمان الأولياء، الأصولي، النحوي، الصوفي ، الرياضي، المرحوم الشيخ أمين سويد.
الخامس: العلامة ذو الشهرة الواسعة والزهد العظيم، ذو التصانيف العديدة المفيدة، المحقق المدقق، من كان على قدم الصحابة في لباسه ومطعمه ومشربه وزهده وإقباله على الله تعالى، المحبوب من جميع طبقات الناس المرحوم الشيخ عبد الحكيم الأفغاني شارح البداية والكنز وغيرهما.
رحم الله الجميع رحمة واسعة وجزاهم خير الجزاء.
وكان المرحوم يتمثل عند ذكرهم بقول الفرزدق:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم .... إذا جمعتّنا يا جرير المجامع.
· شمائله رضي الله تعالى عنه
كان رحمه الله، مثالياً في علمه وأعماله وأخلاقه وتواضعه وأدبه، وكان خلقه القرآن الكريم، وشمائله السنة المطهرة، وكان في جميع أعماله وأقواله وتصرفاته مرشداً مربياً ومعلماً، ولقد كان الكثير ممن أحبوه ولازموه يتعلمون السّنة من أعماله وأفعاله، ما رآه أحد مرة إلا ذكر الله تعالى، وما اجتمع به إنسان إلا انتفع من علمه وفضله ، فلم يكن يخلو مجلسه أبداً من تعليم وإرشاد ونصح.
وكان مهاباً، وقوراً، ورعاً، متواضعاً، لا يرى نفسه أهلاً لشيء ما، كريماً كرماً حاتمياً، فإنه خرج عن مكتبته التي كانت أعز الأشياء عليه مرتين زهداً في الدنيا، ومؤثرةً للطلاب على نفسه، ما طُلب منه شيء ورده أبداً إن كان موجوداً لديه، ولم يمنع أحداً من الدخول عليه لا في ليلٍ ولا في نهارٍ حتى ولا في أوقات راحته، وكان يغضب حينما يقال له جاء فلان فسأل عنك قلنا إنه نائم ورجع، فيقول: لا لست نائماً، لم لا تعلموني بذلك؟ لعل له حاجة، ويقول (إن الله خلقني للناس لا لنفسي) ما رآه أحد إلا هابه ولم يصاحبه أحد إلا أحبه، كان رحيماً بالناس، صواماً، قواماً، زاهداً فيما في أيدي الناس، مقبلاً على العلم والتعليم والإرشاد والنصح لكل مسلم، بل للناس جميعاً، كان بكاءً من خشية الله تعالى، وكان لا يغضب إلا لله تعالى، أو لفوات درس من الدروس.
أما بره بوالديه فكان عجيباً، وأما بِره بمشايخه فكان العجب العجاب، حتى إنه يخدم كل من ينتمي إلى مشايخه ويقول: (أنا عبدٌ مملوك لهم).
وأما رحمته بطلابه فكان أرأف َبهم من آبائهم وأمهاتهم إذ كان يتفقد جميع أحوالهم، ويساعد المحتاج منهم، ويعود مرضاهم، وكان يقدم لهم الهدايا في المناسبات كالزواج والحج والولادة.
ولسنا نستملي صفاته إلا من أعماله، ولا أعماله إلا من شعاع حياته، ولا حياته إلا من تاريخه الصادق، وإذا كانت عظمة الرجال تقاس بما خلّدوا من مآثر نافعة، وما قدموا من جهود مشكورة، ومساع مذكورة، وما بذلوا لدينهم ووطنهم وأمتهم من جليل الأعمال، ومجيد الأفعال التي تمتد بها أيامهم وتطول بها حياتهم، ويذكرها الناس جيلاً بعد جيل، وقبيلاً أثر قبيل، فإن الشيخ رحمه الله ضَرب من ذلك بالسهم الأوفر, والحظ الأكبر, فلقد ظل ّ طيلة حياته كلها يعمل من أجل هذه الغاية السامية النبيلة حتى لقي ربه، وقضى نحبه في محراب العلم ومجالس الذكر مأجوراً مشكوراً من الله والناس، مذكوراً بالخير من تلامذته وإخوانه والناس أجمعين.
وأما وفاؤه لأقاربه وأرحامه وأصحابه ومعارفه فكان نادر المثال.
· حياته العلمية
هو البحر الخضم لا يدرك ساحله، والميدان الفسيح الذي لا يُعرف أوله من آخره، والروض الأنيق الذي تتفتح أزهاره وتغرد أطياره فتسحر العقول وتملك القلوب والنفوس وتأخذ بالألباب.
تعلق قلبُ الشيخ رحمه الله في طلب العلم، وشَغفه حباً، وحبس نفسَه على الطلب فكان مثالاً يحتذي، وقف جُهده على التحصيل، يوهب قلبه للعلم ابتغاء مرضاة الله تعالى لا يشغله شاغل، ولا يصدّه صّاد عما هو بسبيله، وله في ذلك حوادث وذكريات فيها عبر وعظات.
وكان لا يحضر درساً إلا طالعه قبل الحضور مطالعة تامة ووقف على دقائقه. وأحاط بغوامض مسائله، فإذا ما شرع شيخُه في تقرير الدرس على الطلاب أصغى إليه إصغاءً تاماً ليرى هل يتفق فهمه لتلك المسائل وفهم استاذه، وفي الأعم الأغلب كان يتفق فهمه وفهم أستاذه في تلك المسائل المعروفة بدقتها وصعوبتها، خصوصاً حين قراءته الهداية على أستاذه الشيخ عبد الحكيم الأفغاني.
ولقد أجازه أساتذته كلهم ظاهراً أو باطناً، في المعقول والمنقول.
وكان رحمه الله يستيقظ قبل الفجر بساعة ونصف على الأقل فيصلي النوافل، ومنها صلاة التسابيح، وبعد ذلك يمكثُ مستقبلاً القبلة يستغفر الله تعالى حتى يطلع الفجر، فيصلي الفجر ثم يقرأ الأوراد المعهودة، وبعدها يقرأ جزءاً من القرآن الكريم ثم يبدأ بإلقاء الدروس، فيقرأ درساً عاماً في جامع التوبة يستمر لما بعد طلوع الشمس فيصلي الضحى، ثم يقرأ دروساً خاصة بالطلاب في علوم الحديث والتفسير والأصول والفقه والمنطق مع جميع تفرعات العلوم العربية وآدابها ومعاجمها كالمزهر، علاوة على علم التصوف والأخلاق والسيرة النبوية والتاريخ والجغرافيا.
ويستمر في إلقاء الدروس إلى قبيل الظهر وبعدها يذهب إلى بيته، وله بعد الظهر درس، وبعد العصر درس، وبعد العشاء درس.
وكان مشهوداً له بحسن إلقاء الدروس وبأسلوبه الفذ في تعليم الطلاب وتفهيمهم، وكان يتقن اللغة التركية، والفارسية، والكردية، والفرنسية، ويلم إلماماً حسناً بالإنكليزية.
وكان في بعض المناسبات يتطرق إلى كثير من العلوم كالطب والفلك وتعبير الرؤيا والحساب والجبر وعلم الطبيعة (الفيزياء).
وكان رحمه الله حريصاً الحرص كله على إنماء الروح الإسلامية في النفوس والقلوب، ونشر أسرار الكتاب المجيد، وسائر ما جاءت به الشريعة السمحاء الغراء بين طبقات الأمة، ليخرج علماء أجلاء يخلصون العمل لله ويقومون بالدعوة إليه ويشرحون للناس أسرار دينهم الحنيف، وبذلك تشعر الأمة بوحدتها الكاملة وعزتها الشاملة، وتصبو إلى أن تعود سيرتها الأولى علواً ورقياً ومجداً وتقدماً في أساليب الحياة.

تحميل



تشغيل