مميز
الكاتب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 20/04/2011

إلى هواة الأخيلة الكاذبة

مقالات
إلى هواة الأخيلة الكاذبة
في الناس اليوم من إذا ساقتهم الظروف إلى محادثة الحكام، وإبداء المشورة لهم، لم يبالوا برضاهم بل تكلفوا لسخطهم، في سبيل أن يرتفع لهم شأن بين الدهماء وعامة الناس، وفيهم من إذا ساقتهم الظروف إلى الأمر ذاته، لم يبالوا برضا الناس ولم يهتموا بسخطهم في سبيل أن يرتفع لهم شأن عند الحكام!..
أولئك، شأنهم مداهنة الناس، ولا يبالون بالثمن الذي يدفعونه لذلك .. وهؤلاء شأنهم مداهنة الحكام، ولا يبالون هم الآخرون بالثمن الذي يدفعونه لذلك.
وتبحث عمن لا يبالي برضا الناس ولا الحكام، في سبيل رضا الله وحده، فلا تقع منهم إلا على النزر اليسير.
وفي اعتقادي أن مداهنة الناس ليست أقلّ سوءاً من مداهنة الحكام، ومع ذلك فهي الأكثر على صعيد الواقع.
وسبب ذلك أنّ مجابهة الحكام بعنف المعارضة وقسوة المواقف، كانت ولا تزال في أذهان الناس مظهراً للجهاد في سبيل الله ودليلاً على الجرأة في طريق الدعوة إلى الله، في حين أن مجابهة الناس بذلك، لم تكن في أذهانهم يوماً ما، مظهراً لأي معنى من معاني الدعوة أو الجهاد.
ومنذ صدر حياتي العلمية والاجتماعية، إلى أول الثمانيات من القرن الماضي، لم أكن قد دخلت في تجربة الخوض مع الحكام في أي مواجهة أو مجابهة أو حوار..
ثم شاء الله عز وجل أن أبدأ الخطوة الأولى على هذا الطريق فألقيت كلمة جامعة دمشق أمام الرئيس حافظ الأسد رحمه الله، في الحفل الذي أقيم على مدّرج جامعة دمشق، بمناسبة دخول القرن الخامس عشر الهجري .. وإني لأذكر أنني استنصحت والدي رحمه الله في الأمر، فوضعني من خلال نصيحة طويلة لا مجال لسردها هنا، على رأس صراط لا ألتفت فيه يمنة إلى الناس، ولا يسرة إلى الحكام، بل أتجه فيه إلى مرضاة الله وحده .. وكانت كلمتي التي ألقيتها في تلك المناسبة، من وحي هذا المنهج.
ولعلّ القارئ يذكر أن عاصفة مشكلات أثارتها فصائل من الإخوان، مع الدولة، كانت آنذاك على أشدّها .. وكان جلّ، بل كل العاملين في الحقل الإسلامي، يتّقون غضبة تلك الحركات أكثر مما يتّقون الدولة وعقابها .. فكانوا يلوذون بالتجاهل والصمت، مهما سئلوا عن موقف الشريعة الإسلامية من تلك التصرفات، ومهما سئلوا عم موقف الشريعة من طريقة مجابهة الدولة لها!.
فلما دخلت ميدان هذه التجربة، وألقيت كلمتي في ذلك الجوّ العاصف، أمام الرئيس رحمه الله، مستلهماً رضا الله وحده، لم يحل عظيم رضا كثير من الناس بها، دون تهديد خفي تلقيته من بعض رؤوس الجماعة، لأني أقررت بحكم الرئيس في كلمتي تلك، ودعوت له، ووصفته فيها بقائد هذه الأمة!..
ثم شاء الله أن أخطو الخطوة الثانية على هذا الطريق، فتحدثت في التلفزيون السوري من خلال ندوة رمضانية كان يديرها الأستاذ مروان شيخو .. وكان الرئيس رحمه الله، قد استجاب آنذاك لتحقيق سلسلة من الإصلاحات الدينية الهامة رجوته إنجازها في كتاب خاص رفعته إليه .. منها رفع الحظر عن طائفة كبيرة من الكتب الإسلامية، كانت قد منعت بقرار من وزارة الإعلام آنذاك .. عدت مرة أخرى إلى والدي رحمه الله، فحدثته بسلسلة تلك الإصلاحات، واستشرته في التنويه بها وشكر الرئيس عليها.
فقال لي: بل صرّح بها وبشكره عليها، عملاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم يشكر الله من لم يشكر الناس" وتشجيعاً له في السير على هذا الطريق.
ولما فعلت ذلك، وشكرت من سميته صاحب اليد الخفية على إنجاز تلك الإصلاحات، رأيت في الناس من قد صنّفني، من جرّاء ذلك، في قائمة الممالئين والمداهنين للدولة!..
ولما بلغ الأمر والدي، أقبل إلي قائلاً: -وقد تصور أنني متألم من حديث هؤلاء الناس-: بوسعك أن تسلك سبيلاً تنال به رضا الناس كلهم عنك، ولكن فلتعلم أنه لن يكون إلا سبيل النفاق!..
فالمنافق هو وحده الذي يملك أن ينال رضا الناس كلّهم، في كل الأحوال.
منذ ذلك اليوم، لم أحد بتوفيق الله ورعايته عن هذا المنهج، في كلماتي وأحاديثي التي شاء الله أن ألقيها أمام الرؤساء والملوك:
· لا أبدأ فأطرق أبوابهم، ابتغاء أي مغنم، أو بحثاً عن أي مصلحة دنيوية خاصة أو عامة.
· إن دعاني رئيس الدولة إليه، لمشورة أو مهمة، استجبت، إذ لا يسعني في حكم الشريعة الإسلامية إلا ذلك. ولكني لا أصطحب معي (انتهازاً لتلك المناسبة) أي حاجة شخصية أرجوها منه أو أعرضها عليه.
· لا أدّخر وسعاً في نصحه وتذكيره بالله، وبعظم المسؤولية التي يحملها لهذه الأمة، بالأسلوب المحبب البعيد عن التصنع، والمغموس بمشاعر الغيرة والحب، كلما سنحت الفرصة لذلك. إن في لقاء شخصي مغلق، أو في كلمة ألقيها على رؤوس الأشهاد.
· أثني عليه بكل ما عرفته فيه من صلاح وخير، سواء عرف الناس معي ذلك منه، أم لم يعرفوا.. حملاً له على المزيد، وتحذيراً له من التحول إلى النقيض، وإحقاقاً للحق.
· لا أتألّى على الله بحكم غيبي أقطع به، لا في حق حاكم، ولا في حق أي من عباد الله، مهما كان حق حاكم، ولا في حق أي من عباد الله، مهما كان شأنه. ولكني أجنح دائماً إلى حسن الظن بالله، في حق نفسي وفي حق سائر عباده. وهو الأمر الذي يحملني على الترفع عن الخوض في حقهم ويحفزني على حسن الظن بهم.
(من مقدمة كتاب: هذا ما قلته أمام بعض الملوك والرؤساء للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي)

تحميل



تشغيل