مميز
الخطيب: الدكتور محمد توفيق رمضان
التاريخ: 02/01/2015

خطبة د. توفيق البوطي : لنعد لدوحة المصطفى ﷺ في ذكرى مولده

لنعد لدوحة المصطفى r في ذكرى مولده

د. محمد توفيق رمضان البوطي

أما بعد فيا أيها المسلمون يقول الله جلَّ شأنه في كتابه الكريم: )مُّحَمَّدٌ رّسول اللَّه والّذينَ معه أشدَّاء علَى الْكفّار رحَمَاء بينهم تراهم ركّعًا سجّدًا يبتغون فضلًا مّنَ اللَّه ورضوانًا سيماهم فِي وُجوههم مّنْ أَثَر السّجود ذلك مَثَلهم فِي التَّوراة ومثلهم فِي الْإنجِيل كزرع أخرج شطأه فَآزره فاستغلَظَ فاستوى عَلى سوقه يعجب الزّرّاع ليغِيظ بهم الْكفّار وعد اللَّه الّذين آمنوا وعملوا الصّالِحاتِ منهم مّغفرة وأَجرًا عظيمًا( ووصف الله سبحانه وتعالى نبيه المصطفى r فقال: )وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( وقال في شأنه: )وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ( وقال أيضاً: )فبما رحمة مّن اللّه لنت لهم ولو كنت فظّا غليظ القلب لاَنفضّوا من حولِك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهمْ فِي الأمر فإذَا عزمت فتوكّل على اللّه إنّ اللّه يحبّ المتوكّلين (

أيها المسلمون: في ذكرى مولد المصطفى r جدير بنا أن نجدد الصلة بسيرته وشمائله وهديه، وأن نوثق العلاقة به r فنحن اليوم في أمس الحاجة إلى أن نعيد فهم شخصية رسول الله r وسط الضباب والتشويه الذي أحيطت به شخصيته r مع أنها كالشمس لا تحتجب ولا تشوه، ولكن عندما يسوء عرض صورة شخصية رسول الله r بقصد إبعاد المسلمين عن هديه فنحن بحاجة إلى أن نوثق الصلة به r وأن نجدد العلاقة مع سيرته وشمائله وأخلاقه وسائر جوانب شخصيته، اليوم نحن بحاجة إلى أن نتعرف على من أرسله الله عزَّ وجل رحمة للعالمين، وليس قتّالاً كما يقول المجرمون، نحن بحاجة إلى أن نتعرف على تلك الشفافية والرقة والعذوبة في أخلاق المصطفى عليه الصلاة والسلام، نحن بحاجة إلى أن نجدد الصلة مع سيرته r ونتعرف على حيائه في سائر شؤونه لنتعرف على جوانب كثيرة غابت أو أريد أن تغيب عن أذهاننا وعن تصوراتنا لشخصية النبي r،

أيها المسلمون: الإسلام كتاب وسنة، وفهم لهذا الكتاب ولهذه السنة المطهرة، والإسلام ليس نصوصاً ميتة، وليس كلمات مسطرة فقط على ورق، ليس مجرد تعاليم مكتوبة بين دفتي كتب، الإسلام تلك النصوص مترجمة في سيرة شخصية النبي r، مترجمة في حياته.. في أخلاقه، أو لم يقل ربنا تبارك وتعالى ) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ( إذا أردنا أن نتعرف على الإسلام في صورته الحقيقية فعلينا أن ندرس سيرة المصطفى r، وإذا أردنا أن نكون مسلمين فلنقتدِ بسيرة المصطفى r وأخلاقه وشمائله.

اليوم تخطط الجهات المعادية للإسلام أن تعرض على الأرض وبين الناس كلهم صورة مشوهة عن الإسلام، بهدف تنفير الناس عن الإسلام الذي بدأ الناس يتسارعون في الإقبال على دراسته والدخول به والتمسك بتعاليمه، ولقد قدر الله لي أن أجول في العالم وقدر لي أن ألتقي بكثير من أبناء تلك البلاد الكافرة، فوجدت تعطشاً وظمأً وتلهفاً إلى أن يتعرفوا على هذا الإسلام ووجدت إقبالاً شديداً على هذا الإسلام، وهذا هو الذي أرهب أولئك المجرمين، أرهب أعداء الإسلام أعداء الإنسانية، فعمدوا إلى تقديم إسلام صنعوه هم، من شأنه أن ينفر ويشوه، لا يندرج تحته إلا نقيض الإسلام من أجل أن يكون ذلك سبباً في ابتعاد الناس عن هذا الإسلام، أجل قدموا إسلاماً يذبح ويدمر ويقتل، قدموا إسلاماً ترتكب فيه الفواحش والموبقات، قدموا إسلاماً فيه الهمجية فيه الوحشية فيه نقض العهود فيه تقتيل العباد فيه تخريب البلاد، وأطلقوا على ذلك وهم يصرون على أن يطلقوا على هذه المظاهر كلها والتي دعمت من قِبَلهم بالسلاح والعتاد والرجال، يصرون على أن يسموا تلك العصابات المفسدة في الأرض دولة إسلامية، لكي يشمئز الناس تماماً من شيء اسمه الإسلام، لم تكف الصور الكريكاتيرية سعياً لتشويه صورة النبي r لم تكف الأفلام البشعة في تشويه صورة النبي r فعمدوا إلى إنشاء كيانٍ مسخ يشوه تعاليم ديننا باسم ديننا ويسئ إلى شخص رسول الله r باسم رسول الله r، أجل نحن اليوم بحاجة إلى أن نراجع سيرة المصطفى r نجدد الصلة به ونوثق معرفتنا به r، رسول الله r الذي سمي رحمة للعالمين هو ورسالته )قل بفضلِ اللّه وبرحمته فبذلك فليفرَحوا هو خير مّمّا يجمعون( )وما أرسلناك إِلَّا رحمة لّلعالمين( فسلكوا بدلاً من الرحمة: أسلوب القسوة والشدة والعنف والإرهاب الذي يعرض الإسلام بتلك الصور الشوهاء، تعالوا لنتأمل سيرة المصطفى r القائل "أنا وكافل اليتيم كهاتين" أشار بأصبعيه، ذلك لأن اليتيم قد فقد الأب أو الأم فامسح على رأسه كما قال النبي r، وخفف عنه ألمه وعوض عنه مصابه بفقد رحمة والديه أو والده أو والدته بيد تحنوا عليه بها لتشعر بدفئ ذلك الحنان الذي فقده، مرَّ رسول الله r ببعير قد لحق ظهره ببطن أي اشتدد جوعه فقال: "اتقوا الله في هذه البهائم المهجرة فاركبوها صالحة وكلوها صالحة" هذه رحمة بالحيوان، وروى مسلم عن عبد الله بن عمر بن العاص أن النبي r تلا قول الله عزَّ وجل في إبراهيم: )رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ( وقال عيسى عليه الصلاة والسلام: )إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( فرفع النبي r يديه – بعد أن عرض مشهدين لرحمة الأنبياء بأقوامهم: رحمة سيدنا إبراهيم ورحمة سيدنا عيسى، رفع يديه وهو يجأر إلى الله بالدعاء "أمتي أمتي " أنتم موضع اهتمام رسول الله r موضع رحمته موضع شفقته، يناشد الله عزَّ وجل يدعوه يجأر إليه ويتضرع إليه أن يرحمكم " أمتي أمتي، وبكى r، فقال الله عزَّ وجل: "يا جبريل اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك؟ " فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله فأخبر النبي r بما قال والله أعلم، فقال الله:"يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك" هذه بشارة المصطفى r لهذه الأمة هي بشارة بالرحمة وليس بالقسوة، بشارة بالإنقاذ وليس بالهلاك، بشارة تنزلت من فوق سبع سموات من الله عزَّ وجل إرضاءً لمن أرسله الله رحمة للعالمين، أوَ يوصف رسول الله على ألسنة هؤلاء المجرمين سدنة الطغيان الأمريكي الإسرائيلي يوصف بالقتّال، لعنة الله عليهم.

أما حياء النبي r فيقول: "الحياء لا يأتي إلا بالخير" المخطط الغربي أن يفقد منا الحياء من فتياتنا من نسائنا من شبابنا من أبنائنا وبناتنا أن يفقد الحياء عبر مخطط صهيوني قذر يغزونا بثقافة انعدام الحياء عبر وسائل الإعلام ووسائل الاتصال والشبكات العنكبوتية لكي يدمر البنية الاجتماعية فينا، ولكي تنعدم مشاعر الإحساس الإنساني السامي بالحياء الذي قال فيه r " إن الحياء لا يأت إلا بالخير " حساسية النبي r حياؤه لطفه رقته عذوبته كانت تحول بينه وبين أن يواجه المخطئ بخطئه، فكان r يقول - يريد أن ينصح أحداً لا يواجهه لئلا يحرجه لا أمام ذاته ولا أمام أصحابه، فكان يقول: " ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا " ما هذه الرقة ما هذا اللطف ما هذا الأدب الرفيع، النبي r شمائله الكريمة نحن بحاجة إلى أن نوثق الصلة بها وأن نرجع إليها لكي نبني حياتنا على أصولها وعلى نهجها، سيرة النبي r هي ترجمة الإسلام، وشمائل النبي rهي الأسوة التي ينبغي أن نقتدي بها.

أيها المسلمون في ذكرى المولد النبوي الشريف علينا أن نعود إلى دوحة المصطفى r إلى هديه إلى أخلاقه إلى شمائله ولا ينبغي أن ندع أولئك المجرمين وسادتهم يشوهون صورة ديننا وصورة نبينا المصطفى r من خلال أعمال إجرامية وممارساتهم القذرة، نحن بحاجة إلى أن نرسخ معاني الهدي النبوي من خلال دراستنا ومن خلال إقتدائنا بالحبيب المصطفى .) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم .

خطبة الجمعة 2015-01-02



تشغيل

صوتي