مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 03/01/2014

خطبة للعلامة الشهيد: واقع المسلمين في ذكرى المولد

واقع المسلمين في ذكرى المولد


22/11/1985

العلامة الشهيد البوطي

الحمد لله ثم الحمد لله الحمد حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناءاً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.

أما بعدُ فيا عبادَ الله:

ها هو الزّمنُ قد استدار، وها هو ذا قد عاد ليعيدَ إلينا ذكرى مولدِ المصطفى عليهِ الصّلاةُ والسّلام، وذكرى بعثتهِ إلى العالم، وذكرى الرّحمةِ الإلهيّةِ الغامرة التي انتشرت بينَ الخلائقِ جميعاً مع بعثةِ المصطفى عليهِ الصّلاةُ والسّلام، ها هو ذا شهرُ المولدِ المبارك قد أظلّكم من جديد، وها هم النّاسُ قد عادوا إلى الاحتفالِ بمولدِ المصطفى عليهِ الصّلاةُ والسّلام على شتّى المستويات، وفي كلِّ الأماكنِ والبقاع، وليسَ بدعاً من الأمر ولا شيئاً عجيباً في السّلوك أن يحتفلَ المسلمونَ بذكرى مولدِ رسولهم وحبيبهم محمّدٍ عليهِ الصّلاةُ والسّلام، فذلكَ أدنى ما يمكنُ أن يعدَّ شعاراً يدلُّ على المحبّة، ولا يمكنُ أن نتصوّرَ أنَّ من حقِّ الأممِ والشّعوب أن تحتفلَ بذكرى ملوكها ورؤسائها وأن تنفقَ على ذلكَ المالَ الوفير، ثمَّ تقف دونَ الاحتفالِ بذكرى مولدِ محمّدٍ عليهِ الصّلاةُ والسّلام، وتعرضُ عن ذلكَ أو ترى إنكارَ ذلك. لا يمكنُ إطلاقاً لهذينِ النّقيضينِ أن يجتمعا في قلبِ مؤمن، فكما تندفعُ الأمم للاحتفالِ بذكرياتِ ملوكها ورؤسائها، فمن بابٍ أولى من الطّبيعيِّ لها أن تندفعَ بدافعٍ من نوعِ هذا الحبِّ ذاته، فتحتفلَ بذكرى مولدِ رسولها محمّدٍ عليهِ الصّلاةُ والسّلام بالطّريقةِ المشروعة، وبالسّبيلِ الذي لا يعقبُ ضرراً، وبالأسلوبِ المتّفقِ مع شرعِ اللهِ عزَّ وجلّ، كلُّ هذا أمرٌ طبيعيّ وشيءٌ محمود.

ولكنَّ الأمرَ العجيبَ حقّاً: أن ترى أنَّ المسلمينَ كلّما ازدادوا ابتهاجاً بذكرى مولدِ الرّسولِ عليهِ الصّلاةُ والسّلام، وكلّما أمعنوا بالاحتفالِ في ذكرى مولدهِ في مثلِ هذا الشّهرِ المبارك: كلّما عادوا القهرى، وكلّما تراخوا عن اتّباعِ سنّتهِ والتمسّكِ بشرعه، الأمرُ العجيبُ حقّاً أنّهُ بمقدارِ ما يقبلونَ على الاحتفالِ والاحتفاء بذكرى مولدِ رسولِ اللهِ عليهِ الصّلاةُ والسّلام، بمقدارِ ذلك يمعنونَ في التّغييرِ والتّبديل، ويمعنونَ في التّلاعبِ بشرعِ اللهِ سبحانهُ وتعالى وفي الإعراضِ عنه، بدوافعَ وأساليبَ وأسماءٍ شتّى، هذا هو الأمرُ الغريبُ في حالِ هذه الأمّة.

وكلّما رأيتُ الزّمنَ قد استدار، وكلّما هبّت روائحُ ذكرى مولدِ رسولِ اللهِ عليهِ الصّلاةُ والسّلام في هذا الشّهرِ المبارك، وتذكّرتُ هذا التّناقضَ العجيبَ بينَ احتفالاتِ المسلمينَ الشّكليّة وبينَ واقعهم الفعليّ، تذكّرتُ حديثاً لرسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلّمَ يأخذُ بمجامعِ القلوب، وتقشعرُّ لهولهِ الألبابُ والنّفوس، وهو حديثٌ صحيح بل هو من أصحِّ الأحاديثِ المرويّةِ عن رسولِ الله صلّى اللهُ عليهِ وسلّم. يروي الإمامُ مسلمٌ في صحيحه ومالكٌ في موطَّئه وغيرهما عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلّمَ وقفَ في البقيعِ ذاتَ يومٍ وحولهُ كوكبةٌ من أصحابه فقال: "واشوقاهُ إلى إخواني". قالَ لهُ بعضُ أصحابه: (ألسنا إخوانكَ يا رسولَ الله)؟ قالَ: "بل أنتم أصحابي، وإخواني أولئكَ الذينَ لم يلحقوا بعد، وسأكونُ فرطاً لهم على الحوض". قالَ لهُ قائلٌ عليهِ الصّلاةُ والسّلام: (أوتعرفهم يا رسولَ الله)؟ قالَ النّبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلّم: "أرأيتم لو أنَّ رجلاً لهُ خيولٌ غرٌّ محجّلة في خيلٍ دُهْمٍ بُهْمْ، أفكانَ يعرفها"؟ قالوا: (نعم يا رسولَ الله). قال: "فأنا أعرفهم غرّاً محجّلينَ من آثارِ الوضوء. ألا ليذادنَّ رجالٌ عن حوضي -أي ليُطردونَ عن حوضي- كما يُذادُ البعيرُ الضّال الذي اقتحمَ بينَ إبلِ قومٍ وهو ليسَ منهم، ليُذادنَّ أناسٌ عن حوضي كما يُذادُ البعيرُ الضّال، فأقولُ ألا هَلُمّ ألا هَلُمّ، فيُقالُ لي: (إنّكَ لا تدري كم بدّلوا من بعدك). فأقول: فسحقاً فسحقاً فسُحقا".

كلّما استدارَ الزّمن وعادَ شهرُ ربيعٍ الأوّل ورأيتُ مباهجَ المسلمين الظّاهرةَ والشّكليّة بمولدِ المصطفى عليهِ الصّلاةُ والسّلام ثمَّ أمعنتُ النّظرَ في واقعهم المخزي وسلوكهم البعيدِ البعيدِ عن شرعِ اللهِ وهديِ رسولِ الله صلى اللهُ عليهِ وسلّم تذكّرتُ هذا الحديث، كانَ من الممكن أن يكونَ فألَ خيرٍ لنا، وأن يكونَ عنوانَ بشرى سارّةٍ لقلوبنا. ولكنّا بأيدينا حوّلنا دلالةَ هذا الحديث فجعلناهُ من أعظمِ التّهديداتِ المخيفةِ لنا.

لو لم نغيّر في شرعِ الله، لو كنّا أمناءَ على دينِ الله لو كنّا أمناء على سنّةِ المصطفى عليهِ الصّلاةُ والسّلامُ في بيوتنا، في أنفسنا، معَ أهلينا وأولادنا، في علاقاتنا مع إخواننا، في علاقاتنا معَ المالِ والدّرهمِ والدّينار، لو أنّنا كنّا على هذه الشّاكلة لكانَ حريّاً بنا أن ننتشيَ ونحنُ نسمعُ هذا الحديث، وأن نتأمّلَ خيراً، وأن نعدَّ أنفسنا مع إخوانِ رسولِ الله عليهِ الصّلاةُ والسّلام الذينَ اشتاقَ إليهم وحنَّ إلى رؤياهم وأعلنَ أنّهُ سيكونُ فرطاً لهم. ولكنّا بمحضِ اختيارنا، وبما جنتهُ أيدينا، شئنا أن نكون على خلافِ ذلك، فأمعنّا تغييراً وتبديلاً وتلاعباً بدينِ اللهِ عزَّ وجلّ، وهكذا حكمنا على أنفسنا أن نكونَ من تلكَ الثّلّةِ الأخرى التي أشارَ إليها المصطفى عليهِ الصّلاةُ والسّلام، عندما قال: "ألا وليذادنَّ قومٌ عن حوضي كما يزادُ البعيرُ الضّالّ، فأقولَ: ألا هلمَّ ألا هلمّ. فيقال: (إنّكَ لا تدري كم بدّلوا من بعدك)".

ما كانَ أغنانا أن نزجَّ بأنفسنا فنصبحَ من هؤلاءِ النّاس، وما كانَ أولانا أن نكونَ من المحافظينَ على شرعِ الله، المتمسّكينَ بهديِ رسولِ الله صلّى اللهُ عليهِ وسلّم. ولكن انظروا يا عبادَ الله، انظروا إلى أقوالنا وابتهاجاتنا كيفَ تسير، وإلى سلوكنا بأيِّ وادٍ ينحطّ، كلّنا يتعاملُ بالرّبا، إن لم يكن كلّنا فأكثرنا، وليتَ أنَّ الأمرَ وقف عندَ التوغل في هذا السّلوك، معَ الاعترافِ بأنّنا مقصّرونَ ومذنبون، ولكن يشاءُ أكثرنا إلّا أن يبرّر، ويأبى أكثرنا إلا أن يستخرجَ الفتاوي الكاذبة من أجلِ أن يبرّرَ بذلك ابتعادهُ عن دينِ اللهِ عزَّ وجلّ، وتمزيقه لواجبٍ من واجباتِ اللهِ سبحانهُ وتعالى.

كلّنا ننظر إلى آدابِ الإسلامِ في بيوتنا، فنجدُ أنَّ هذه الآدابَ مطرودة، مطرودةٌ من بيوتنا، الاختلاطُ المشين بينَ الرّجالِ والنّساءِ الأجانب، أمرٌ معروف في بيوتِ المسلمينَ الحجّاج المصلّين المحتفلينِ بموالدِ المصطفى عليهِ الصّلاةُ والسّلام. وإذا قامَ شابٌّ غيورٌ على دينِ الله يذكّرُ أباه بأنَّ هذا الاختلاطَ غيرُ جائز، أبناءُ العمومةِ وبناتُ العمومةِ وأبناءُ الخؤولةِ وبناتُ الخؤولة، أجانبٌ بعضُها مع بعض، اهتاجَ الوالدُ عليهِ وماج، وأزبدَ وأروى، وأعلنَ غضبهُ على الولد، وهو إنسانٌ يزعمُ أنّهُ مسلم، إنسانٌ يزعم أنّهُ متديّن، نعم..

انظروا إلى واقعنا يا عبادَ الله، كم بدّلنا من الأحكامِ الإسلاميّةِ المعروفة باسمِ التّطويرِ والتّغييرِ والتّبديل، وبدعوى أنَّ الأحكامَ تتبدّلُ بتبدّلِ الأزمان، وهي قاعدةٌ صحيحة لو أنّا وضعنا فيها معناها الذي وضعهُ فيها دينُ اللهِ عزَّ وجلّ، والّذي نبّهنا إليهِ علماؤنا وأئمّتنا رحمهمُ اللهُ سبحانهُ وتعالى.

وتنظر إلى واقعِ المسلمينَ في أسواقهم وتجاراتهم فتجدُ المباح: هو كلُّ ما تطولهُ يدُ التّاجر، أيّاً كان ومهما كانَ شكله، أمّا المحرّم: فهوَ ما لا يستطيع أن تمتدَّ يدُ التّاجرِ إليه. أمّا دينُ اللهِ عزَّ وجلّ فموضوعٌ على الرّفوف، نتذكّرهُ عندما نريدُ أن نتسابقَ إلى العُمَر، نتذكّرهُ عندما نريدُ أن نُهرَعَ إلى الحجّ ونجعلُ أقدامنا تلتصقُ بظهورنا ركضاً وراءَ الحجِّ إلى بيتِ اللهِ الحرام. أمّا معاملاتنا الماليّة، وأمّا الغشّ، وأمّا الخداع، وأمّا الكيدُ في المعاملة فحدّث ولا حرج وكلُّ ذلكَ يقعُ في صفوفِ الحجّاج والذينَ يتظاهرونَ بمظهرِ التّديّن قبلَ أن يظهرَ في صفوفِ الآخرين.

ماذا أقول؟ هذا الحديثُ في هذا الموضوع حديثٌ ذو شجون، وشرحهُ طويلُ الذّيل، وهو يزيدنا ألماً فوقَ ألم، ولكنّي أعودُ فأقول: ليسَ عجيباً أن يحتفلَ المسلمونَ بذكرى مولدِ حبيبهم عليهِ الصّلاةُ والسّلام فهذا شأنُ كلِّ أمّةٍ ترتبطُ ارتباطاً وثيقاً برسولها محمّدٍ عليهِ الصّلاةُ والسّلام، ولكنَّ العجيبَ حقّاً أن يناقضَ المسلمونَ أنفسهم، وأن يعلنوا أنّهم مسلمونَ بالأقوالِ وزخرفِ القولِ والشّعارات، ولكنّهم ليسوا بمسلمين عندما يكلّفهم الإسلامُ شيئاً من حظوظهم، وشيئاً من أهوائهم، ولكنَّ اللهَ عزَّ وجلّ إنّما يذكّرنا بالعمل، وينبّهنا إلى الاستمساك والرّشدِ بالفعل قبلَ أن يذكّرنا بالأقوالِ والشّعارات، (قد جاءكم من اللهِ نور وكتابٌ مبين يهدي بهِ اللهُ من اتّبعَ رضوانهُ سُبُلَ السّلام). يهدي بهِ الله لا من رفعَ شعاراته، يهدي بهِ الله لا من جمّلَ لسانهُ بالاحتفالات، يهدي بهِ الله من اتّبعَ رضوانه سُبُلَ السّلام. يقولُ اللهُ عزَّ وجلّ: (واعتصموا بحبلِ اللهِ جميعاً ولا تفرّقوا). والاعتصام: التّمسّك بحبلِ الله، وحبلُ اللهِ شرع، وحبلُ اللهِ السّلوكُ الفعليّ وليسَ الدّعاويَ القوليّة.

أسألُ اللهَ عزَّ وجلّ أن يصلحَ أحوالنا وأن يعيدنا إلى رشدنا، وأن يتكرّمَ علينا فيجعلنا من إخوانِ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم المتّبعينَ لشرعه، لا من أولئكَ الّذينَ سيُطرَدُونَ عن حوضهِ يومَ القيامة، أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيم...

الخطبة الثانية

وأوصيكم عبادَ اللهِ بتقوى الله، وأوصيكم بالعودةِ إلى دينِ اللهِ سبحانهُ وتعالى، وبوضعِ محبّةِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلّمَ بينَ جوانحكم على شكلٍ يدفعكم للتمسّكِ بسنّته والتّمسّكِ بهديه.

اللهم اغفر للمسلمينَ والمسلمات...



تشغيل

صوتي