مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 06/12/1996

لو صدق المسلمون باحتفالهم بذكرى الإسراء والمعراج ...

الحمد لله ثم الحمد لله الحمد حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.

أما بعدُ فيا عبادَ الله:

يحتفل العالم الإسلامي في هذه الأيام كما تعلمون بذكرى الإسراء والمعراج، والعلماء مختلفون في ميقات هذه المكرمة التي أكرم الله سبحانه وتعالى بها نبيه سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم. ولكن كثيراً من المؤرخين ومنهم ابن سعدٍ في طبقاته جزموا بأن ذلك كان قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة بثمانية عشر شهرا.

وإذا علمنا أنه صلى الله عليه وسلم خرج من مكة متجهاً إلى المدينة في أول ربيعٍ الأول، علمنا أن ميقات هذه المكرمة التي أكرم الله بها رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم كان في أواخر هذا الشهر المبارك، كان في أواخر شهر رجب. فليس خطأً ما اعتاده الناس اليوم من احتفالهم واحتفائهم في هذه الأيام الأخيرة من هذا الشهر المبارك بذكرى الإسراء والمعراج، وإن لم يرد حديثٌ صحيحٌ أو غير صحيح فيما يتعلق بصيامه.

وبعد .. فإني أجزم أيها الأخوة أن المسلمين لو صدقوا في احتفالهم بهذه الذكرى المباركة من منطلق استرضاء الله سبحانه وتعالى، وانطلاقاً من تحققهم بما أمرهم الله سبحانه وتعالى وكلفهم به، لكان ذلك كافياً وحده لأن يجمع شمل هذه الأمة من شتات، وأن يؤلف بين أفرادها وجماعاتها وأن يعيدها مرةً أخرى إلى صراط الله سبحانه وتعالى الواحد والموحد. لو أن احتفال المسلمين اليوم بهذه الذكرى كان احتفالاً حقيقياً لا تقليدياً، ولو ابتغي من وراء ذلك مرضاة الله سبحانه وتعالى.

ولرأينا من وراء ذلك أيضاً نتيجةً أخرى: لرأينا أن المسلمين وقد اتحدوا، وقد عادوا إلى صراط الله سبحانه وتعالى الواحد والموحد كما قلت، لرأينا أنهم عادوا يمتلكون القوة التي يستطيعون أن يحصنوا بها حقوقهم، وأن يستعيدوا بهذه القوة ما استلب من أوطانهم.

ولكن الأمر كما تعلمون أيها الإخوة تحول من عملٍ يُبتغى به رضى الله سبحانه وتعالى إلى مظاهر تقليدية يُبتغى بها المحافظة على التراث، يبتغى بها المحافظة على عاداتٍ وتقاليد قد نراها مقدسةً يجب الإبقاء عليها. هذا هو الدافع الأغلب الذي يحمل هذه الأمة على أن لا تنس ذكرياتها العزيزة، وأن تلتفت بين الحين والآخر إلى معالم تاريخها الأغر، فترفع الرأس بهذه المعالم عالياً، هذا الدافع لا علاقة له برضى الله سبحانه وتعالى.

قلنا مراراً ونقولها دائماً: علاقتنا بالله عز وجل إنما تنطلق من هويتنا التي تُلخص في أنها تعلن أننا عبيدٌ مملوكون لله سبحانه وتعالى، وأن الله سبحانه وتعالى هو مولانا الذي لا مولى لنا سواه، هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن ننطلق منها إلى وظائفنا وإلى أعمالنا وإلى احتفالاتنا واحتفاءاتنا بأمثال هذه الذكريات المباركة، ولكن هذا الشعور غاض أو كاد أن يغيض من نفوس الكثرة الكاثرة من المسلمين في هذا العصر.

من هم الذين يتلمسون مكان عبوديتهم لله عز وجل، فيستثيرون مشاعر هذه العبودية ويوقظون كوامنها ثم يصطبغون بحقيقتها؟ ثم إنهم يقفون من معتقداتهم وسلوكهم تحت مظلة ربوبية الله عز وجل، وقد علموا أن الله هو مولاهم الذي لا مولى لهم سواه؟ (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم)

هؤلاء الذين يصطبغون بهذه الحقيقة غدوا قلة - أيها الإخوة - في هذا العصر، وأصبح ارتباط أكثر المسلمين اليوم بتاريخهم الإسلامي ارتباط اعتزاز أمةٍ بتاريخها، أصبح هذا الارتباط أشبه ما يكون باعتزاز أي أمة من الناس بماضٍ أغر يُذكر ويبعث النشوة في رؤوس الأحفاد الذين جاؤوا من بعد ذلك السلف.

الغرب أيضاً يحتفلون مثل هذا الاحتفال، الدول الباغية البعيدة عن دين الله عز وجل هي الأخرى تعتز بأمجادها التاريخية مهما كانت متطورةً وبعيدةً عنها في السلوك والتطبيق؛ عملٌ تقليدي دأبت الأمم كلها على السير على منواله.

وإلا فحدثوني أيها الإخوة كيف يمكن أن يجتمع نقيضان في حياة أي أمة من الأمم فضلاً عن المسلمين؟ كيف يمكن أن نحتفي بذكرى إسراء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، ثم بذكرى العروج بها إلى السموات العلى، وقد علمنا أنه رسول الله، وأنه الإنسان الذي أوحي إليه بشرعٍ من قبل الله سبحانه وتعالى؟

كيف يمكن أن نجمع بين احتفالنا بهذه الذكرى وبين إعراضنا كل الإعراض تقريباً عن التعاليم التي وضعها بين أيدينا؟ وعن الوصايا الذي تركها لنا بعد رحيله إلى الرفيق الأعلى؟

كيف يمكن إذا ذُكرنا بمعالم هذا الدين ومبادئه السلوكية والأخلاقية المختلفة والمتنوعة، نترك ونتأبى على هذه التعاليم مؤثرين الانصياع لأولئك الآخرين الذين ما فتئوا يحاربون هذا الدين ويحاربون رسول هذا الدين محمداً صلى الله عليه وسلم؟ كيف يمكن أن يجتمع هذان النقيضان؟

كيف يمكن أن أحتفل مفتخراً معتزاً بذكرى الإسراء والمعراج - وهي مكرمة عظيمة غريبة أيد الله بها رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم - حتى إذا دعيت إلى تطبيق أوامره تأبيت، بل ثرت ربما على هذه التعاليم، حتى إذا ذُكِّرت بمنهجه بالفضيلة التي تحلّى بها ثم علمنا كيف نثبت عليها، نتأبى عليها، ونوثر تلك العادات الآسنة التي يزدهي بها الغرب أو الشرق محاربين بل مبتعدين كل الابتعاد عن هذه التعاليم التي لم يعلمنا إياها رسول الله اختراعاً من رأسه، وإنما إبلاغاً أبلغنا إياها من ربه ومولاه سبحانه وتعالى. أنا لا أعلم كيف يمكن أن يجتمع هذان النقيضان؟ اللهم إلا أن يكون التحليل كما قد قلت لكم.

احتفالاتنا غدت عملاً تقليدياً، غدت تعبيراً عن اعتزازنا بالتاريخ لأنه تاريخ، غدت تعبيراً عن ارتباطنا بأمجادٍ سابقة نعتز بها كما تعتز أي أمة بأمجاد سابقة لها، كما تعتز فرنسا بثورتها الفرنسية رغم أنها تطورت ثم تطورت وابتعدت عن عادات أولئك الذين قاموا بتلك الثورة قبل أكثر من قرنين من الزمن. هذا هو معنى احتفال المسلمين بذكرياتهم الدينية أياً كانت.

ومن ثم - أيها الإخوة - يصح أن نقول إن الإسلام غريبٌ في بلاد المسلمين، وكما قد قلت أكثر من مرة: إن غربة الإسلام في بلاد المسلمين ليست أقل من غربته في بلاد الغرب أبداً، بل أكاد أقول في بعض الأحيان: إن غربة الإسلام في بلادنا الإسلامية أصبحت أشد، وأصبح الإسلام الذي كانت معالمه تاجاً تتوج به هذه البلاد، أصبح هذا الإسلام كسائحٍ غريبٍ غريب يجوب أطراف مدينةٍ لا علم له بها، ولا علم للناس بهذا السائح الذي يخب في شوارعها وفي أسواقها. أكاد أقول إن غربة الإسلام في بلاد المسلمين غدت أكثر سوءً من غربته في بلد الغرب.

ولقد كنت ولا أزال أقول: يا عجباً إن ذلك الصراع الذي قام في فترةٍ من الفترات في فرنسا بين العقيدة الإسلامية التي تتمثل في الحشمة والحجاب الذي ينبغي أن يوضع على رأس الفتاة وأن تعتز به الفتاة، قام صراعٌ بين هذه الحشمة الإسلامية وبين تيارات من العادات المخالفة في فرنسا، وسار هذا الصراع ردحاً من الزمن، ثم ماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة أن انتصر الحق، أن انتصرت الفضيلة بالنسبة لأصحابها، كانت النتيجة أن انتصرت الحشمة، كانت النتيجة أن انتصر الحجاب الإسلامي السليم الذي لا افراط فيه ولا تفريط، انتصر ذلك في بلاد الكفر، وأنغضَ أولئك الذين كانوا يواجهون هذا باشمئزاز، أنغضوا الرؤوس وأعلنوا عن الحرية التي ينبغي أن تترك فسيحة المجال لكل من أراد أن يمارس حريته كما يشاء.

وها هي ذي فرنسا - أيها الإخوة - تنطق بلسان الحال أن للإسلام أن يعبر عن ذاته كما يشاء ضمن ساحة الحرية، ونحن لا نخالف هذا القيد ولا الشرط أبداً. أعلنت فرنسا أن للإسلام أن يعلن عن وجوده وبأجمل حلية وبأبرز شعارٍ من شعارات الفضيلة، ألا وهو شعار الحشمة. أعلنت فرنسا أن للإسلام أن يعلن عن شعاره هذا في المدرسة في الثانوية وفي الجامعة، وما ينبغي أن يضيق السبيل على هذه الفضيلة أبداً.

إذاً الإسلام ليس غريباً كل الغربة في ديار الغرب، بل الإسلام غريب في كثيرٍ من الأصقاع العربية والإسلامية أكثر مما هو غريبٌ في بلاد الغرب التي لم تفتح بعد فتحاً إسلامياً، والتي نعلم أن كثيراً من بقاعها تعلن العلمانية منهجاً لها.

أيها الإخوة .. النتيجة التي ينبغي أن ننتهي إليها، هي أننا نحن المسلمين طالما كان ارتباطنا بالإسلام ارتباطاً تقليدياً، طالما كان اعتزازنا من الإسلام بشعارات وبأقوال حتى إذا بحثنا عن مضمونات لها لم نعثر على شيء، فإننا لن نجني من هذا الإسلام شيئاً مما وعدنا به رب هذا الإسلام. ولكن إذا آل اعتزازنا بالإسلام إلى عملٍ وتطبيق، وإذا فسرنا تمسكنا بالشعارات بتمسكنا بما تحتها من مضامين وتطبيقات، فأنا أضمن - بعد الضمانة التي ضمنها رب العالمين لعباده - أن يبدل الله ذلنا عزا،ً وأن ينهي تشردنا وشتاتنا ويجمع شملنا بعد ذلك، وأن يعيد إلينا حقوقنا التي استلبت منا، وأنا بذلك ضمين وكفيل، وما قيمة أن يضمن إنسانٌ مثلي هذا إلا أن تكون ضمانته ترديداً وصدىً لضمانة الله سبحانه وتعالى: "وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ". ولكنكم جميعاً تعلمون متى يكون ذلك أيها الأخوة؟ متى يكون المستضعفون هم الأقوياء والوارثين؟

عندما يعتز المستضعفون بدين الله، وعندما يستمسكون بحبل الله، وعندما يعتصمون بالمبادئ التي أوحى إلينا بها الله سبحانه وتعالى: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ".

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم .

تحميل



تشغيل

صوتي