مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 30/12/1994

الحديث عن الإسراء والمعراج في ظل واقع مُخْجِل

الحمد لله ثم الحمد لله الحمد حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.

أما بعدُ فيا عبادَ الله:

لقد دأبت عادة الخطباء والمتكلمين أن يتحدثوا في مثل هذه الأيام من كل عام عن مكرمة الإسراء والمعراج التي اختص الله بها رسوله محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولقد كنا نتحدث عن هذه المناسبة في مثل هذه الأيام ونحن مشحونون بالأمل؛ الأمل الذي نرى دلائله بارزة أمامنا في نهوض المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لحماية الإسلام ولرعاية حقه ولاستعادة ما سلب من أرضه، فكان الحديث عن الإسراء والمعراج مصحوباً بغليان الشعور الإسلامي المتجه إلى استعادة الحق واستعادة الأرض.

ولكننا في هذا العام عندما نريد أن نتحدث عن دروس الإسراء والمعراج نجد أنفسنا في تراجعٍ بدلاً من الإقبال، ونجد أنفسنا ومن حولنا الكثير والكثير من الأيدي التي ترتفع بالاستسلام أمام هذه الحالة التي نراها من حولنا، إن التفتنا يميناً أو التفتنا شمالاً. كيف يمكن أن تكون النفس؟ وكيف يمكن أن يكون البال والفكر منسجمين في الحديث عن هذه المناسبة القدسية الكبرى؟ كيف يكون الإنسان وهو غريق في بحار الخجل من الله سبحانه وتعالى؛ عندما يجد أكثر المسلمين من حوله وقد نكصوا على أعقابهم وتركوا الأمانة التي علقها الله عز وجل في أعناقهم، ورفعوا - كما قلت لكم - أيديهم بالاستسلام بعد أن كانت أيديهم مليئة بالقوة والسلاح الذين يتجهوا بهما المسلمون سعياً لاستعادة الحق لا أكثر، ولاستعادة المقدسات لا أكثر من ذلك. إن الإنسان ليخجل وإني لأشعر بالحياء من الله عندما أريد أن أتكلم عن دروس الإسراء والمعراج.

ألا تلاحظون أيها الأخوة كيف تتزايد الأيدي من حولنا للاستسلام، في كل أسبوع تسمع نبأً جديداً وفي كل فترة مقبلة تسمع خبراً عن جهة جديدة، لا أقول: آمنت بالسلم بل رفعت يدها بالاستسلام، العدو جاثم، والقدس التي يتحدث عنه الخطباء بمناسبة الإسراء والمعراج سليبة، والعدو لا يزال مستشرياً في طغيانه وبغيه، ولا يزال يؤكد أن يده لن تنحسر عن هذه البقعة الإسلامية المقدسة، ثم يدعو بعد ذلك ومع ذلك إلى أن نسالمه؛ أي يدعونا إلى أن نستسلم لقراره هذا. تلك هي الترجمة الحقيقية لدعوى السلم سواء جاءت من أمريكا أو ظهرت من إسرائيل، هي دعوة إلى أن نستسلم لقراراته، يده لن تنحسر عن قدسنا التي هي ملك الإسلام، وطغيانه لن يتقلص شيء منه، ومستوطناته ستظل كما هي. ومع ذلك تعالوا فاستسلموا لقرارنا هذا، والمسلمون من حولنا لا تزال أيديهم ترتفع استجابة لهذه الدعوة. كيف نتكلم عن الإسراء والمعراج؟ وكيف نتجه بوجوهنا إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم وهي ملطخة ببقع الخجل من هذا النكوص على أعقابنا ومن هذا الواقع الدامي الذي نعيشه.

قلت لكم بالأمس أيها الأخوة: إن الإسلام هو دين السلم وهل من دليل على هذا أوضح وأقوى من اسم السلام، من اسم الإسلام. وهل من دليل على هذا أوضح من قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين" فلئن بحثت عن من يصدق في ترسيخ دعائم السلام في الأرض، فانظر إلى الإسلام والمسلمين، وانظر إلى تاريخ الإسلام يحدثك عن صدق اتجاه الإسلام والمسلمين إلى ترسيخ دعائم السلم في الأرض. ولو أردنا أن نفتح ملف التاريخ لنبرز الحقائق الدالة على هذا، لضاق بنا الحديث، ولكن الإسلام الذي دعى إلى السلم علمنا كيف نغرس فسيلة السلم فوق أرفع روابي الأرض. هذا الإسلام علمنا أن السلم لا تستنبت بذوره إلا في مناخ العدل، فحيثما وجد العدل لا بد أن يخضر السلم فوق تلك التربة، وحيثما فُقد العدل فلا بد أن يزهق السلم ولابد أن يتحقق في مكان ذلك الطغيان والبغي والعدوان. هذه هي الحقيقة وهكذا علمنا إسلامنا وهكذا سار المسلمون من قبل عندما غرسوا نبات السلم فأينع مخضراً فوق روابي الأرض الإسلامية كلها، سلوا التاريخ، سلوا البقاع التي وصل إليها الإسلام، حيث يقتل المسلمون اليوم حيث تسيل الدماء الزكية لقد استظلت تلك المناطق بالإسلام هل ضاق المسلمون ذرعاً بغير المسلمين بتلك البقاع؟ هل حصد المسلمون النصارى واليهود ومن لف لفهم لأنهم يشكلون بقعاً بين المسلمين زرقاء أو سوداء أو حمراء هل فعلوا ذلك؟ لا بل مدوا رواق العدل في هذه المناطق كلها، لما مد رواق العدل استنبت من خلال ذلك السلم، فنحن الذين نعلم الناس كيف يتحقق السلم فوق الأرض، وتلك هي مهمتنا وتلك هي رسالتنا، ولكننا عندما ندعو إلى ذلك ونخطو خطواتنا في سبيل ذلك، نعلم أن النبات لا يمكن أن يستنبت إلا في تربة مناسبة. هل يمكن أن تنبت جذعاً فوق صخر؟ لا يمكن هذا والتربة المناسبة للسلم إنما هي تربة العدل فأين هو العدل؟

عندما يكون هذا العدو الجاثم في أرضنا لا يزال يمد رواق طغيانه ولا يزال يرسخ مستوطناته التي اغتصبها من المسلمين، ولا يزال يؤكد في اليوم بعد اليوم أن القدس الإسلامية لن تعود إلى حظيرة الإسلام، أجل أن القدس الإسلامية لن تعود إلى حظيرة الإسلام. كيف يتوقع أن تكون هذا الطغيان حقلاً لسلمٍ يمكن أن يستنبت فيه؟

نعم هنالك مستسلمون من حولنا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يتسرب هذا الاستسلام إلى أرضنا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يتسرب هذا الاستسلام إلى هذه الأرض المكلوءة بحماية الله كما لا نعلم كيف يمكن؟ هؤلاء المستسلمون ليسوا هم ربما الذي ينطق التاريخ من خلالهم أبداً، هؤلاء المستسلمون سيزهقون، ومن وراء هؤلاء مسلمون لكنهم مسلمون لله مسلمون لدين الله مسلمون لسلطان الله ولأمر الله، فإن تكلموا فباسم الله يتكلمون، وإن تصرفوا فعلى هديٍ من شرعة الله سبحانه وتعالى يتصرفون، ولا يمكن إطلاقاً لاستسلام مهين أن يكون رداءً لإسلام كريم، لا يمكن أن يتحقق هذا بشكل من الأشكال؟ من هو هذا الغر؟ من هو هذا المغفل الجبان؟ الذي يؤمن بأن أمريكا ودول البغي هناك تصنع حقيقة السلم هنا من؟ من هو الذي يصدق؟ كيف يمكن لسلطان الغرب الذي يمزق السلم والذي يحرقه في أتون تلك الحرب الظالمة الضارية التي يذبح فيها المسلمون البرءاء ثم يبيعون السلم في بلادنا هنا، الذين يذبحون السلم ويقطعونه إرباً إرباً في الغرب لا يمكن أن يكونوا رواد سلم حقيقي هنا في الشرق إطلاقاً. كيف يمكن أن نصدق أن تنظر أمريكا إلى هؤلاء المسلمين الذين يذبحون في تلك البلاد الإسلامية وهم برئاء من كل ذنب آمنون في ديارهم لا يريدون إلا الحق الذي أذعنت به الدنيا، لا يطلبون أكثر من تقرير المصير، وقد طالب بالأمس أناس غير مسلمين بتقرير المصير فرفعت روسيا يد الاستسلام لهم، وهؤلاء يطالبون بتقرير المصير فقط، لا يبغون لا يطغون لا يقتنصون حقاً من صاحب حق لا يسيئون لا يضيقون سبيلاً لسلم عالمي قط فيم يذبحون؟ فيم يقتلون؟ فيما تهدم دورهم بل قراهم بل مدنهم؟

هؤلاء الذين يفعلون هذا أو يباركون هذا هم الذين يبيعوننا السلم هنا، أفيمكن أن يكون إنسان عاقل مصدق لهذا الذي يجري. السلم لا يتجزأ أيها الأخوة. والإنسان أو الدولة التي تريد أن تقوم دلالاً لبضاعة السلم في العالم ينبغي أن تغار على السلم الذي يمزق هناك دون أي موجب ودون أي سبب قط، روسيا تفعل فعلها هذا وكأنها الوحيدة على مسرح العالم. أين أمريكا التي ترسل رسلها في كل أسبوع أو أسبوعين إلينا ليستنهضونا إلى السلم مالها لا تستنهض روسيا إلى السلم! مالها تستنهض أولئك الأوغاد ليوقفوا مجزرتهم المتجهة إلى أناس برئاء لم يقتنصوا أرضاً لم يقتنصوا قدساً! لم يقتنصوا حقاً لآخر بشكل من الأشكال آمنون في عقر دورهم مالها لا تعلم روسيا السلم كما تعلمنا هنا؟

قيل لي: لماذا لا نتكلم عن مآسي المسلمين في تلك الديار في الخطب والدروس ونحو ذلك؟ قلت: وهل صمتُ مرة عن مشكلة المسلمين في تلك الديار حتى أعود وأتكلم بعد صمت؟ إنني كلما تكلمت عن مشكلات المسلمين فأنا أتكلم عن البوسنة والهرسك من خلال ذلك، إنني كلما تكلمت عن مأساة تجزأ المسلمين وتألب بعضهم على بعض فأنا إنما أتكلم عن مصائب البوسنة والهرسك والشيشان وغيره، والذي يريد أن يتكلم عن مآسي المسلمين ينبغي أن يعلم كيف يخطط للحديث عن هذه المآسي، تماماً كما خطط أعداؤنا لتلك المآسي، أعداؤنا الذين يمزقزن السلم هناك ويحاولون أن يعدموا الإسلام من جذوره هناك. ماذا صنعوا قبل ذلك؟ قطعونا إرباً إرب جعلوا كل شريحة تقف بالمرصاد أمام الشريحة الأخرى، استثاروا وهيجوا الخصومات والتناقضات بين المسلمين في كل بلدة إسلامية، طبقوا ما ينص عليه تقرير مجلس الأمن القومي الأمريكي الذي أعلن في عام 92، والذي يقول ينبغي إثارة التناقضات بين المسلمين في كل دولة إسلامية حتى تتآكل قواها. عندما أتحدث أدعوا أبناء أمتي وديني إلى أن يتحدوا إلى أن ينهوا هذا الخصام إلى أن يفكوا الاشتباك إلى أن يعودوا أمة واحدة إلى أن يطبقوا قول الله عز وجل: "وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم"، فأنا أتحدث عن مشكلة البوسنة والهرسك وليس الحديث عن هذه المشكلة أن أمسك مسبحة وأقول: البوسنة والهرسك البوسنة والهرسك، وليس الحديث عن مشكلة المسلمين هناك أن أستثير العواطف لدى المسلمين وأحيلها إلى لهب يتلظا حتى إذا سألوني ما العمل؟ قلت لهم: تلك مهمتي أن أستثيركم وأمضي كثيرون هم الذين يقولون بهذه الطريقة عن مآسي المسلمين لكن هذا ليس سبيلاً، السبيل أن أتحدث عن المنهج الطريق الذي ينبغي أن نسلكه لحل معضلة المسلمين هناك.

أما والله الذي لا إله إلا هو لو كان المسلمون اليوم متضامنين على مستوى الشعوب والفئات والجماعات الإسلامية وعلى مستوى الحكام والقيادات لما جرأ أولئك الأوغاد أن يفعلوا فعلهم وأن يثيرو هذه المصائب وهذه المجازر في صفوف المسلمين هناك قط، علم ذلك من علم وجهل ذلك من جهل. ولكننا لما خضعنا لتلك المخططات التي رسمت في ظلام ليل في الغرب هناك، وانصعنا لإرادتهم ولتصرفاتهم طلبوا منا أن نصبح مزقاً متدابرة. قلنا: نعم سنصبح كذلك وأصبحنا كذلك، عندما طلبوا أن يصبح المسلمون الذين هم متمسكون بحبل واحد يسيرون على صراط واحد ملتزمون بشرعة واحدة عندما طلبوا منا أن نصبح فئات متناقضة متصارعة يذبح المسلم أخاه المسلم، قلنا: نعم لبيك ها نحن قد فعلنا ذلك. عندما استجبنا لتلك الخطط، ولدت مآسي المسلمين في البوسنة والهرسك وما حولها وما بعدها وقبلها، فإذا أردت أن أتكلم عن مآسي المسلمين فينبغي أن أدخل البوابة المنطقية إلى الحديث عنها، والبوابة المنطقية هي هذا الذي أدعوا إليه دائماً:

أيها المسلمون أسقطوا حواجز الفرقة مما بينكم. أيها المسلمون عودوا إلى جذع وحدتكم واتركوا الأغصان التي جعلتم من كل غصن منها سلاحاً يمسك به المسلم لينحط به عدواناً على ظهر أخيه المسلم، حديثي عن البوسنة والهرسك أن أنادي المسلمين حكاماً وشعوباً أن يعودوا فيتضامنوا، إن لم يستطيعوا أن يتحدوا وأن لا يجعلوا تضامنهم تكتيكاً بل أن يجعلوا تضامنهم شرعة ومنهاجاً ومبدأً لا يمكن أن يتحول عنه، وإلا فإن المسلمين لا بد أن يصبحوا مضغاً مضغاً مضغ ولا بد أن يزدرد أعداء المسلمين هذه المضغ واحدة إثر أخرى، كل مسلم يعلم هذه الحقيقة، ولا يمكن حتى للمغفلين أن يجهلوها هذه هي الكلمة التي يمكن أن نقولها بمناسبة الإسراء والمعراج. ونصيحتي لنفسي ولكل مسلم أن ندعوا أنفسنا وإخواننا إلى أن يتحدوا، إلى أن يطبقوا أمر الله، إلى أن يرعو إلى كلام الله "ولا تكونوا من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون" هذه الآية تنطبق ويا للأسف علينا اليوم. أقول قولي هذا و أستغفر الله العظيم.

تحميل



تشغيل

صوتي