مميز
الشيخ محمد ياسر القضماني

الشيخ محمد ياسر القضماني

الكاتب: الشيخ محمد ياسر القضماني
التاريخ: 07/03/2010

التعايش مع غير المسلمين وضوابطه العشرة

بحوث ودراسات

بسم الله الرحمن الرحيم


التعايش مع غير المسلمين وضوابطه العشرة


وبعد: فقد كَتب في هذا الأمر الخطير من المعاصرين عدد كبير، بين مسهب وموجز ومقتصد بين ذلك, وقد وقعت على كلمة في هذا الشأن جامعة منوّرة؛ رأيت أنها تجمّع فيها أشتات ما كُتب هنا وهناك, مع حِكَم لطيفة، وتعليقات نفيسة على بعض نصوص الوحْيَيْن, فراق لي أن أوجزها لكم فتكون سهلة البلاغ والتبيين في هذا الوقت الذي عُكّرَ فيه على كثير من شعائر الدين وهدي سيد المرسلين.


عنون لكلمته سيدي العلاّمة الحبيب عمر بن محمد بن سالم بن حفيظ بعنوان:


(التعايش مع الآخر حقيقة تاريخية وضرورة واقعية)


يرى السيد الداعية: أنّ التعارف هو الأصل في خلق الناس وتشعبهم وتكاثرهم. فالله تعالى خاطب بني الإنسان بقوله:


﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾[الحجرات:13].


وفي تذكيرهم بوحدة أصلهم تهيئة نفسية وتيسير لسبيل التقارب, وانتزاع الشعور بالعداء، أو بالتميز الذاتي. والأساس الضروري للتعايش هو التحلي بالصبر, قال جل جلاله:


﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾[الفرقان:20].


وهذه عشرة ضوابط للتعايش في الشريعة المطهرة يمكن من خلالها اتضاح مفهوم المعايشة.


 


 


 


ضوابط التعايش


الأول: عدم الإكراه على الدين.


قال الله سبحانه تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾[البقرة:256].


والدعوة إلى الدين وبيان محاسنه ليس إكراها عليه؛ فالإكراه ممنوع منهي عنه، والثاني مفروض ومن أعظم مهمات المسلمين.


وفرْق ٌ أيضاً بين الإكراه على الدين وبين ردِّ عدوان من صدّ عنه ومنعَ تبيينه بالحجة والبرهان؛ فهذا يُقاتل عند تعيّن القتال وفي حقه جاء: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾[البقرة:193].


وسنّ العقوبات على من أتى مشيناً من التصرفات لا يتعارض مع: ﴿لا إكراه في الدين﴾.


الثاني: حفظ حرمة الدماء والأموال والأعراض.


قال تعالى : ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾[المائدة:32]. وجاء في البخاري عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي r قال: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإنَ ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً).


فعلى أساس صيانة الأنفس والأموال والأعراض يجب أن تقوم العلاقة بين جميع فئات الناس وطوائفهم.


الثالث: إقامة العدل والقسط في الحكم بين جميع الطوائف.


فلا تحمل العاطفة ولا الشنآن - أي البغض - على إجحاف في حكم ولا إحقاق باطل، ولا إبطال حق. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾[النساء:58].


وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾[المائدة:8].


وقصة سباق مصري مع ابنٍ لعمرو بن العاص، وكيف ضربه ابن عمرو لما سُبق وعاذ المصري بعمر بن الخطاب في المدينة المنورة، فطلبَ عمر من عمرو أن يأتي المدينة مع ابنه، وطالب المصري أن يضع السوط على صلعه عمرو. وقولة عمر لعمرو: مُذْكم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً. هذا شاهد من شواهد العدل الإسلامي وقيامه بالقسط.


الرابع: التفريق بين المودة والولاء، وبين البرّ والقسط وإحسان المعاملة.


فالمودة والولاء ممنوعان على المؤمن بالله ورسوله في حق من لم يؤمن بالله ورسوله كائناً من كان، لكن البرّ والقسط وإحسان المعاملة مشروعات موروثات من هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفي سورة الممتحنة تفصيل بديع لذلك. منها: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:8]. وفيها حصر النهي عن الولاء في صنف مخصوص جندوا قواهم للعدوان والظلم والصد عن سبيل الله في قوله: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾[الممتحنة: 9].


ومن رَبْطِ الآيات يتبين أن المراد بمثل آية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾[التوبة:73] ونظائرها­ - صنفٌ مخصوص من الذين جنّدوا طاقاتهم وقواهم للظلم والاعتداء على الغير ومصادرة الحريات ونشر الفساد ..


وإذا تعيَّن قتال المعتدي فهناك جملة من الآداب. فمن الآثار: ما جاء في البيهقي: عن أبي عمران الجوني أن أبا بكر - رضي الله عنه - بعث يزيد بن أبي سفيان إلى الشام، فمشى معه يشيِّعه. قال يزيد بن أبي سفيان: إني أكره أن تكون ماشياً وأنا راكب. قال: فقال إنك خرجت غازياً في سبيل الله، وإني أحتسب في مشيي هذا معك, ثم أوصاه فقال: لا تقتلوا صبياً ولا امرأة ولا شيخاً كبيراً ولا مريضاً ولا راهباً، ولا تقطعوا مثمراً ولا تخرِّبوا عامراً، ولا تذبحوا بعيراً ولا بقرة إلا لمأكل, ولا تغرقوا نخلاً ولا تحرقوه.


فهذه الأخلاق النبوية تتعلق بالمعتدين المفسدين فكيف بغيرهم؟!.


الخامس: احترام العهود والمواثيق و البعد عن الغدر والخيانة.


قال الله تعالى : ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾[التوبة:4].


وفي السيرة النبوية لابن هشام, لما جاء أبو جندل إلى النبي r بعد أن عقد صلح الحديبية مع مشركي مكة. فقال له: يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المسلمين فرجاً ومخرجاً, إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناهم على ذلك عهداً وأعطونا عهد الله, وإنا لا نغدر بهم.


وفي ظل التزام كلٍّ بعهوده واتفاقاته يستقر الوضع، وتنشأ الثقة, ويسير سيل تبادل المصالح والمنافع, فيسود الأمن ويتم التعايش السليم القويم.


السادس: التفريق بين من يمكن التعامل معه وبين من يتفاحش عدوانه وإصراره ولا يؤمن شره.


وقد استأجر رسول الله r مع أبي بكر في الهجرة مشركاً يدلهم على الطريق يُؤمَن جانبه.


وفي بدر قال النبي لأصحابه يوم التقى الجمعان: قد عرفت رجالاً من بني هاشم وغيرهم أُخرجوا إكراهاً, فمن لقي منكم أحداً من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه أُخرج كرهاً.


وقد دخل مع رجوعه من الطائف في جوار المطعم بن عدي، ودخل أبو بكر في جوار ابن الدغنّه.


*السابع: التفريق بين أخذ علوم الحرف واللغات والهندسة والاجتماعيات والرياضيات والصناعات والماديات بأنواعها، وبين ما له تعلق بالإيمان والشريعة والدين:


فالأول يؤخذ من كلِّ متقن له مطلع فيه من غير ترك واجب، ولا وقوع في محرم, فيمكن تبادل المعلومات فيه بين مختلف الطوائف.


والثاني لا يؤخذ إلا عن أهله بسنده إلى مصدره ومنبعه, قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أخرج أحمد وابن أبي والبزّار من حديث جابر أن عمر - رضي الله عنه - أتى النبي r بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب, فقرأه عليه فغضب وقال: (لقد جئتكم بها بيضاء نقية, لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به, والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا إتباعي).


وروى مسلم في مقدمة صحيحه عن الإمام محمد بن سيرين قال: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.


الثامن: حفظ المعروف لأهله ومكافأتهم والوفاء لهم.


وقد قال النبي r في أسرى بدر كما في البخاري: (لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له), وذلك أنه كان من أشد من قام في نقض الصحيفة أيام حبسوه وقومه في الشِعْب وأجار النبي عند رجوعه من الطائف كما تقدم.


ويؤكد القيام بهذا الواجب في حفظ المعروف مبدأ ترك العصبية. جاء في سنن أبي داوود عن جبير ابن مطعم أن رسول الله r قال: (ليس منّا من دعا إلى عصبية, وليس منّا من قاتل على عصبية, وليس منّا من مات على عصبية).


التاسع: ترك الجدال العقيم وحصروه في التي هي أحسن.


مما يزعزع التعايش السليم التولع بكثرة الجدال وإثارة البلبلة وكثرة المِراء والانتقاد, وقد نهتنا الشريعة عن الجدال إلا مع الالتزام فيه بالتي هي أحسن, قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[العنكبوت:46]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[النحل:125].


ومما يعين على ترك الجدال تقويم أن المسؤولية في البلاغ وحسن البيان لا السيطرة، ولا أن ننصب أنفسنا وكلاء على الناس في بواطنهم ومقاصدهم, ولا في تولي حسابهم ومجازاتهم على أعمالهم, وقد يبدو شيء من ذلك في أسلوب بعض المتكلمين باسم الدين ويلتبس عليهم أن ذلك من الغيرة على الدين والنصرة للحق.


العاشر: فتح المجال للباحثين عن الحقيقة وتيسير السبيل لهم.


قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾[التوبة:6].


قال ابن كثير: يقول الله تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: وإن أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم، استجارتك أي استأمنك، فأجبه إلى مطلبه حتى يسمع كلام الله أي القرآن، تقرؤه عليه وتذكر له شيئاً من أمر الدين، تقيم به عليه حجة الله، ثم أبلغه مأمنه أي، وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه، (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ)؛ أي إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله وتنتشر دعوة الله في عباده.


*                         *                        *


وبعد:


فهذه جمل مباركات من سيدي الداعية الحبيب عمر بن حفيظ عميد دار المصطفى للدراسات الإسلامية بمدينة (تريم) في حضرموت اليمن, وقد انتفعنا بها, أمتع الله به دائماً.


أقول: فإذا كنَّا نُؤمر بما أمرنا به - مما مر معنا - مع غير المسلمين, مع من يخالفنا في الاعتقاد والأصول, فما بالنا لا نحسن التعامل مع من يشاركنا الاتجاه إلى القبلة؟


رأينا أن المشرك المهدور الدم إن استجار بنا أجرناه, ونحن لا ننسى دعوته وإسماعه ما لعلَّه أن يكون سبباً في هدايته ودلالته، وهو كلام ربّنا وربّه وهادينا وهاديه!


لماذا لا نحسن التحاور مع الموافق في كثير من الأحيان، مع أننا مدعوون أن نجادل الكفار بالتي هي أحسن؟!


لماذا لا يسع بعضنا بعضاً في الفروع العملية، فإذا خالف أحدنا الآخر أثّمه أو ضلّله, ولربما لم يتورع عن إخراجه من الدائرة المنجية!؟


لماذا .. لماذا؟ أسئلة كثيرة، وشؤون نعاني منها، أحسب أن هذه الأسس والضوابط للتعايش مع الآخر إن راجعناها وتمكنّا من محاسبة أنفسنا على أساسها، ستجعل فينا الحياء أن نسيء لمعاهد متأدب مراعٍ للعهود، فضلاً عن أن نسيء لموحد.


وفقنا الله وسدّدنا لما يحب ويرضى, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


                               الاثنين: 9/جمادى الأولى/1427هـ


  5/حزيران/2006م.

تحميل