مميز
EN عربي

الباحثة نبيلة القوصي

الكاتب: الباحثة نبيلة القوصي
التاريخ: 15/03/2013

البيمارستان النوري - متحف الطب والعلوم في دمشق

معالم الشام

الحضارة الإسلامية اهتمت بأخلاق الإنسان وصحته وجسده، اهتماماً دينياً جسدياً، حيث دأب الحكام على تطوير هذا المفهوم، فكانت البيمارستانات جزء من صرح حضارتنا الإسلامية.


لم يرد ذكر المشافي بمفهومها الكبير إلا في عهد نور الدين زنكي رحمه الله، الذي عرف بأعمال الخير والإحسان، فملأت أخباره كتب التاريخ، وكان اهتمامه منصبّاً على خدمة الإنسان، فترك مآثر تحكي قصته وروعته، ومن مفاخره الرائعة "البيمارستان النوري" بدمشق، الذي ظل عامراً إلى سنة 1317 هجري، ليصبح "متحف الطب والعلوم عند العرب" .


 "البيمارستان النوري"، وصفه المؤرخون، أبو شامة المقدسي ت: 665 هجري، "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية"،  والجغرافيون، النعيمي ت:  978 هجري، والرحالة، كابن جبير ت: 614 هجري، وابن بطوطة ت: 703 هجري، نمضي معاً في رحلة نحن نقف على وصفها من خلال الوقوف عند بعضٍ من أسطر ترجمة هذا المعلم الكبير، فهيا معاً.


ما معنى بيمارستان؟


معناه لغوياً: مصطلح فارسي الأصل، ومعناه مركب من "بيمار" (المريض)، و"ستان"، (الدار)، أي دار المرضى، واختُصرت فيما بعد إلى كلمة "مارستان".


والبيمارستان النوري، هو أحد ثلاثة بيمارستانات قد شُيّدت في دمشق، الدقاقي في عام 495 هجري، في المنطقة الجنوبية الغربية من الجدار الغربي للأموي، وسمي بالعتيق بعد بناء البيمارستان النوري، في عام 549 هجري، والذي ظل يؤدي وظيفته إلى ما بعد القرن الثامن للهجرة، والبيمارستان الثالث القيمري في الصالحية 654 هجري.


 قال الرحالة ابن جبير : (دخلتُ دمشق عام 580 هجرية وبها مارستانان قديم وحديث، والحديث أحفلهما وأكبرهما والأطباء يبكرون إليه في كل يوم، ويتفقدون المرضى، ويأمر بإعداد ما يصلحهم من الدواء والغذاء)، فوصفه بأنه مفخرة عظيمة من مفاخر الإسلام، إذ كان مستشفى يعالج المرضى، ومن جهة أخرى مدرسة للطب.


 أين يقع ؟


يقع في قلب المدينة الدمشقية القديمة، على مسافة غير بعيدة من الجامع الأموي، إلى الجنوب الغربي منه، في منطقة الحريقة شرق سوق الحميدية.


قصة بناء "البيمارستان النوري":


تذكر المصادر التاريخية أن السلطان نور الدين قد وقع في يده أحد ملوك الفرنج، فبذل في نفسه مالاً عظيماً، فشاور الأمراء، فأشاروا ببقائه في الأسر خوفاً من شره، لكن نور الدين أطلقه وأخذ المال ثلاث مائة ألف دينار، ولما وصل الملك الفرنجي بلده مات، وطلب الأمراء سهمهم فقال لهم نور الدين: (لقد جمع الله لي الحسنيين الفداء وموت اللعين).


واشترط في وقفه أن يكون مختصاً بالفقراء والمساكين، ولايمنع منه الأغنياء، ولما حضر نور الدين افتتاحه، أحضر له قدح شراب فشربه وقال: (هذا حلال علي وعلى جميع المسلمين مثلي، وعلى أقل العالم...) .
 يمثل هذا البناء نموذجاً لفن العمارة السلجوقية، فهو يعود إلى 549 هجري 1154 ميلادي، وقد تم بنائه على مرحلتين:


الأولى لـ البناء الأساسي في عهد نور الدين زنكي، والثانية حين وسعه الطبيب بدر الدين ابن قاضي بعلبك، في عام 637 هجري، وأضاف إليه دوراً كانت حوله ليتسع أكبر عدد من المرضى.


ثم قام بيبرس بترميمه، ثم السلطان قلاوون وابنه الناصر محمد في آواخر القرن السابه للهجرة.


لقد بقي القسم الرئيسي من البيمارستان على وضعه الأصلي.


الوصف التصويري:


يتألف من باحة سماوية تتوسطها بركة ماء مستطيلة، مبنية بالحجر المنحوت ولزواياها من الداخل حنايا نصف اسطوانية كعنصر زخرفي شاع في العهدين السلجوقي والأيوبي.


وتحيط بالباحة أبنية يتوسطها في كل جهة إيوان وعلى جانبيه غرفتان، وهذه الغرف بعضها مربع والبعض مستطيل، وكلها مسقوفة بالأقباء المتقاطعة.


مدخل البيمارستان، مفتوح في الواجهة الغربية له مصرعان من الخشب، مصفحان بالنحاس ومزخرفان بالمسامير النحاسية الموزعة على أشكال هندسية.


وعلى المصراعين مطرقة نحاسية، والمصرعان مزخرفان من الداخل بالحشوات المنقوشة بالزخارف النباتية.


وللباب ساكف مؤلف من حجر واحد منقول من بناء قديم يعود إلى العهد الوماني، ويعلو الباب واجهة زخارف جصية من عصر نور الدين.


يلي الباب غرفة مربعة تقوم بمقام دهليز يطلق عليها ( الدركاء)، تقع بين البابين الخارجي والداخلي، وعلى جدران هذه الغرفة أشرطة كتابية وزخارف تشير للعهد المملوكي.


الأواوين:


الغربي في نهاية المدخل الرئيسي، يعلوه عقد مدبّب، والجنوبي كسوته رخامية رائعة، تتألف من محراب مسطح في صدره لوح رخامي، والإيوان الشرقي أكبر الأواوين، مخصصاً لعقد جلسات الأطباء وإلقاء المحاضرات.


وقد تحدث الطبيب  موفق الدين أحمد بن القاسم بن خليفة ابن أبي أصيبعة، ت:686 هجري، في مؤلفاته، عن طبيب البيمارستان في عهد نور الدين ويدعى أبو المجد ابن أبي الحكم، يصف عمله اليومي قال: (يدور على المرضى ويتفقد أحوالهم ... ثم يأتي ويجلس في الإيوان الكبير، وجميعه مفروش، ويحضر كتب الاشتغال ... ثم تجرى مباحث طبية، ويُقرئ التلاميذ) من كتابه: "عيون الأنباء في طبقات الأطباء".


ومن الأطباء الذين ورد ذكرهم:


أفضل الدولة أبو المجد، ت: 570 هجري، وموفق الدين عبد العزيز الشيخ العالم الطبيب، ت: 604 هجري، ومهذب الدين عبد الرحيم بن علي، علامة زمانه في الطب وقد أوقف داره بدمشق مدرسة للطب، ت: 628 هجري، كمال الدين الحمصي، كان تاجراً وعمل طبيباً احتساباً لوجه الله، ت: 612 هجري، والقاسم بن خليفة والد الطبيب المشهور ابن أبي أصيبعة، ت: 649 هجري، بدر الدين قاضي بعلبك، وابن أبي أصيبعة ت: 686 هجري، وغيرهم الكثير، رحمهم الله وجزاهم عنا خيراً كثيراً.  


وفي عام 1317 هجري، قامت بلدية دمشق بإنشاء "مستشفى الغرباء" في الجانب الغربي من التكية السليمانية المطلة على المرج الأخضر، وسمي فيما بعد "بالمستشفى الوطني" وأقيمت مدرسة للطب بجانبه، ليكون خلفاً "للبيمارستان النوري"، فجزى الله نور الدين خير الجزاء .


ومع مرور الزمن تغيرت معالم "البيمارستان النوري" وأصبح أيام الفرنسيين مدرسة طبية، ثم أصبح "متحف للطب والعلوم عند العرب".


ويضم حالياً البيمارستان، المتحف أربع قاعات رئيسية وهي:


1 ـ قاعة العلوم: التي يعرض فيها أهم الأدوات العربية واللوحات الفنية التي تحكي كيف تطور العلوم عند العرب.


2 ـ قاعة الصيدلة: حيث يعرض فيها نماذج تمثل الأدوات والأجهزة التي كان يقوم العلماء العرب بواسطتها بمزج ودق وتركيب الأدوية المستخرجة من الأعشاب الطبية.


3 ـ قاعة الطب: تحوي على مخطوطات ولوحات ورسوم طبية ونماذج لأدوات جراحية مأخوذة من كتاب الزهراوي، بالإضافة إلى مقتنيات لها علاقة بالطب الروحي وأدوات لها علاقة بالشراب والغذاء.


4 ـ القاعة الرابعة الطيور والحيوانات المحنطة: تعليمية أكثر منها أثرية، إذ تحتوي على نماذج حديثة لطيور وحيوانات متنوعة محنطة، وهذا يشير إلى اهتمام العرب بعلم الحيوان وفن البيطرة.


5 ـ مكتبة المتحف: مكتبة تضم مجموعة من الكتب العلمية والطبية والصيدلانية والمؤلفات والمجلات والدراسات التي تبحث في التراث العربي الإسلامي في مختلف النواحي.


انتهت رحلتنا مع البيمارستان النوري، لنجد لساننا يردد قول الشاعر:


نروح ونغدو لحاجاتنا .... وحاجات من عاش لا تنقضي


فمتى نستغل ما بين أيدينا لتطويره نحو الأفضل؟


وكأننا وقفنا وأوقفنا الزمن معنا، لا نفقه إلا التحسر والوقوف على الأطلال ..


والنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: (الكيّس (العاقل) من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه الأماني).


 فعلى الإنسان أن يكون كيّساً فطناً ثاقب الذهن، ويبادرَ إلى انتهاز الوقت في الأعمال الصالحة قبل أن يفاجئه الأجل المحتوم، فيندم على ما فرط في جنب اللّه سبحانه وتعالى.


فأين بصمتك وأثرك أيها الساكنُ دمشقَ؟


ماذا ستكون في صفحة التاريخ؟


مازال لدينا الوقت والأنفاس، فلنبادر بإيقاظ الهمم الغافلة المتكاسلة .. أسأل الله لي ولكم حسن التدبر للعمل الصالح بنية صالحة تحب الخير للجميع.


رحم الله نور الدين زنكي، والذين أتوا من بعده يجتهدون في خدمة الإنسان، في كافة المعارف والعلوم المتنوعة، جزاهم المولى عنا خير جزاء، وجعلنا خير خلف لخير سلف .


المصادر و المراجع:


ـ الروضتين في أخبار الدولتين / أبو شامة المقدسي


ـ رحلة ابن جبير / ابن جبير


ـ شذرات الذهب / ابن العماد


ـ العمارة العربية الإسلامية / الريحاوي


ـ خطط دمشق / العلبي