مميز
الكاتب: الشيخ محمد الفحام
التاريخ: 08/11/2019

رسالةُ القلبِ مِنَ القَلْبِ إلى مَدَّاحِي الحبيبِ الأَعظَمِ صلى الله عليه وسلم

مقالات

رسالةُ القلبِ مِنَ القَلْبِ


إلى مَدَّاحِي الحبيبِ الأَعْظَمِ صلى الله عليه وسلم


جوهر الخالصِ مِنَ الحُبِّ


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله رسول الله وبعد ؛ فإنَّ الحديثَ عن الإِنشادِ حديثٌ عن قَضيَّةٍ مِنْ أَجَلِّ القَضايا الاجتماعية وأَخْطَرِها التي اعتادَها الناسُ وأَلِفُوها إلى مُسْتَوى اعتمادِها مِنَ الثوابت الدعوية في حياةِ المسلمين لما فيها من إيجابِ توليدِ طاقاتِ الوجدان عند كلِّ مُحِبٍّ لسيد ولد عدنان وتجديدٍ لعهد الالتزام بهديه وهو الممدوح عليه الصلاة والسلام.  


هذا ؛ وإنَّ صاحبَ الشأنِ في ذلك كلِّه مَنْ مَتَّعَه اللهُ تعالى بِصوْتٍ جَميلٍ وبيانٍ كريم مُترجماً قولَه تعالى : (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ) على حدِّ ما قاله المفسرون : مِنْ ذلك الصوتُ الحَسَنُ، ومَعْلومٌ أنَّ تأثُّر السَّامِعِ بالصوتِ الحَسَنِ مِنْ نَبْعِ الفِطْرَةِ السليمة لارتباطِه بالروحِ التي خُلِقَتْ في مَعالي علياءِ اللهِ تعالى على رابط الخطاب الأول، فكان منها وبها بعد ذلك نَبَضاتُ الحياةُ الروحية التي تُرقِّي العبدَ في مَعارجِ المعرفة، فَتَسْمُو به إلى عَلْياءِ الإِصغاءِ الأَوَّل لذلك الخطابِ القديم الذي كان أَوَّلَ ما طَرَقَ سمعَ الأَرواحِ بقوله تعالى : (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى) وكما قال الشاعر : 


مِنْ يومِ أَلَسْتُ تَعارُفُنا

وأَعوذُ  به  أنْ  أَجْهَلَهُ


وعليه ؛ فَكُلُّ صوتٍ حَسَنٍ تَميلُ النَّفْسُ إلى سماعِه مِنْ طَيْفِ ذلك الكلام، وكلُّ نغمةٍ بِلَحْنٍ مُسَمَّىً مِنْ نَبْعِ ذلك العطاءِ، وقد ارتَبَطَتْ بِأَبْرَكِ أوقاتِ التجليات [السَّحَر] خلاصةِ أوقاتِ الليلِ وخيرِه، فَلامَسَتْ أرواحَ العارفين في قيامِهم لله واستغفارِهم في محرابِ عبوديتِهم لجلالِه حتى شَهِدُوا لِكُلِّ يومٍ مِنْ أيامِ الأُسبوع السَّبعة نَغَمَةً من النَّغَماتِ الأمِّ يسمو بها العارفُ ويشفُّ أكثرَ فأكثر وعَبْرَ جَرْسِها الجميل يَسمعُها بِسَمْعِ البَصيرة، فقد أَدْركوا مِنْ خلالِ ما كُشِفَ لهم أنَّ المولى سبحانه قَدَّرَ أنْ يكونَ لِكُلِّ حالٍ من أَحْوالِ العابدِ للهِ حظٌ وافرٌ منها حتى أَنَّهم اصطلحُوا لها مُسَمَّياتٍ ثم اختَصروها بقولهم : [صُنِعَ بِسَحَر] _على أن بعضهم يستبدل الفتحتين بكسر وسكون أي [صُنِعَ بِسِحْر] لكنَّه يُغايِرُ الجوهرَ الْمَعْرِفي الْمُشار إليه قريباً _ أما حروف الاصطلاح فهي كناية عن النَّغماتِ بِكُلِّ حَرْفٍ، فالصَّاد لِلصَّبا، والنون للنَّهاوَنْد، والعَيْن لِلْعَجَم، والباء لِلبَيَات، والسين، لِلسِّيكا، والحاء للحِجاز، والراء للرَّصد. وكان كَشْفُهم عن تِلْكَ الحقيقةِ نابعاً مِنْ مُكابَداتٍ روحيَّةٍ، ومجاهداتٍ هاديةٍ، وأحوالٍ زاكيَة تَناغَمَتْ مع جَرْسِ تلك النَّغَماتِ لذا أَشاروا إلى أَجْوائِها الْمُتوافِقَةِ فقالوا : الصبا ؛ نَغَمُ الغرام، والنَّهاونْد ؛ نَغَمُ الحُزْنِ، والعَجَمُ ؛ نَغَمُ الجَلالِ، والبَياتُ ؛ نَغَمُ الطَّرَبِ، والسيكا ؛ نَغَمُ الجمالِ والفَرَحِ، والحجازُ ؛ نَغَمُ الْحَنِينِ والشوق والسُّلوك والرَّحيلِ إلى اللهِ تعالى.، والرصد ؛ نَغَمُ الحبِّ والمعرفة.  


أقول : وهذا ما كان يَسْتَشْعِرُهُ كلُّ مَنْ صَفَتْ فطرتُه، وزكَتْ نَفْسُه، وحَنَّ إلى وطنِه الأَوَّلِ الذي هَبَطَ منه أبوه الأول آدم عليه السلام.


ثم إنَّ نَغَمَ الرَّصد _أو الرست_ الذي هو عندَ أَهْلِ الفَنِّ أمُّ النغمات ونَغَمُ الليل عند أهلِ اللهِ تعالى نَغَمُ الحُبِّ والْمُحِبِّين ونَغَمُ العارفين وأولياءِ الله أجمعين.


وهنا يأتي الخطابُ لِمَنْ حمَّلَه اللهُ تعالى أَمانَةَ القلوبِ والأرواح، وجعلَ نهضةَ السامعين  برسْمِهم وفي رحابِهم ومحرابِهم، وتحليقَ أرواحِهم رهناً بصفاءِ قصودِهم، وسلامةِ أحوالِهم وهذا يتطلَّب صلاحَ الحالِ بالاقتداءِ بسيِّد الرجال صلى الله عليه وسلم الذي لَمَّا سُئِلَ عن خَيْرِ الجُلساء قال : ( خير جلسائكم مَنْ ذَكَّركُم اللهَ رؤيتُه، وزادَ في عِلْمِكُمْ مَنْطِقُه، وذكَّركُم الآخرةَ عمله) /الحكيم الترمذي/، فَقَد قَدَّمَ الحالَ على القال إشارةً إلى أنَّ صفاءَ السَّريرةِ أوَّلاً وهو مُقَدَّمٌ على الصورة، لما فيه من التأثير بسريان الحال في الناظرين والسامعين، وعليه ؛ فتأثُّرُهم رهنٌ بصلاحِ المادِح وعَدَمُه بِعَدَمِه. 


مِنْ هنا قال أهلُ التربية : فلو تَعَلَّقَ قَلْبُ الْمُنْشِدِ بالسامعين وإطرائِهم وطبقاتهم ودنياهم لَحُجِبَ عن أنوارِ التَّجَلِّياتِ التي تَتَنَزَّلُ مِنْ عَلْياءِ اللهِ تعالى على عبادِه المخلِصين وذلك بعائقِ ظُلُماتِ باطِنِ الإثم، فإنْ تمادَى في الطَّلبِ وارتَبَطَ نشاطُه بمدحِهم له وتَطْييبِهمْ لما يَفْعَلُ وإحباطُه بإعراضِهم وقعَ في الشِّرْكِ الخَفِيِّ الْمُبَدِّدِ لأَجواء الأنس التي يَنْشُدُها كلُّ عاقل، ولا يَسْتَشْعِرُها إلا كلُّ صادقٍ ذي قلبٍ سليم.


تدبَّر معي قولَ الحبيبِ الأعظم صلى الله عليه وسلم المشير إلى خَطَرِ ذلك :


(مَنْ تَحَبَّبَ إلى الناسِ بما يُحِبُّون، وبارَزَ اللهَ بما يَكْرَهونَ لَقِيَ اللهَ وهو عليه غَضبان)/الطبراني/


وقولَه صلى الله عليه وسلم : (الشِّرْكُ : أنْ يَقومَ الرجلُ يُصَلِّي، فَيُصَلِّي، فَيُزَيِّن صلاتَه لما يَرى مِنْ نَظَرِ رجلٍ) /البيهقي وابن ماجه/


وفي تنبيه المغترين للإمام الشعراني عليه الرحمة والرضوان مِنْ مواعِظِ سيدِنا الإمامِ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ : في علاماتِ الرِّياءِ : إنَّ لِلْمَرائِي ثلاثَ علاماتٍ ؛ 1_ يَكْسُلُ إذا كان وحدَه 2_ ويُصَلِّي النَّوافلَ جالِساً  3_ ويَنْشَطُ إذا كانَ مع الناسِ، ويَزيدُ في العملِ إذا مَدَحُوه، كما يَنْقُصُ منه إذا ذَمُّوه.  


وعليه ؛ فالدواءُ الناجعُ في ضوابطِ الوُجْدانِ الآتية ؛


أولا ؛ الإخلاصُ ؛ الذي جُعِلَ شرطَ قبول لكل عملٍ تَكْلِيفِيٍّ عند الرقيبِ العليم سبحانه وتعالى مَنْ قال في بيانِه الجليل : (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)


وقال في الحديث القدسي الصحيح : (أنا أَغْنَى الشُّركاءِ عن الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عمَلًا أَشْرَكَ فيه غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وشِرْكَه)


ومعلومٌ لدى المحقِّقِين أنَّ هذا المقامَ لا يَتَحَقَّقُ إلا بالْمُراقَبَةِ للرقيبِ المجيدِ الذي يَراهُ حين يقومُ، ويَعْلَمُ سِرَّه وما يُخْفِي مِن قُصودٍ وغاياتٍ، ومِنْ أين يَبْدأُ، وكيف يَخْتِمُ، وأنَّه لو عَثَّرَهُ سبحانه بتَجَلٍّ مِنْ تجليَّاتِه الجَلالِيَّة لَغُصَّ حَلْقُهُ وضاقَ صَدْرُه، وغابَ عنه ما كان فيه، وأُرْتِجَ عليه، وصَعِقَ مِنْ فَوْرِه، وعندها لا يَمْلِكُ أنْ يَسْتَرِدَّ ما سُلِبَ منه لأنَّه مِلْكٌ لمولاهُ لا مِلْكٌ لِسِواه.


وعليه ؛ فهو مطالبٌ بأنْ يَتَّقِيَ اللهَ تعالى في نِعَمِهِ ويتأدَّبَ بين يدي مَظاهرِ عَرْضِها  لِيَرْعاهُ ويَزيدَهُ مِنْ فَضْلِه ولا يَنْقُصَه، فيكونَ بين طَرَفَيْ الخَوفِ والرجاءِ في تجليَّاتِ الجلالِ والجمال، وذلك هو الأدبُ الرفيعُ الذي يكونُ سبباً للتأثُّرِ والاستحضارِ والاسْتِذْكارِ.  


ثم إنَّ هذا يَحتاجُ إلى مُقدمةٍ ضروريَّةٍ وهي مُحاسَبةُ النَّفْسِ بِمُساءَلَتِها عن القَصْدِ في مُوافَقَتِها تُرى ما الذي تَبْغِيه مِنَ التَّصَدُّرِ بين الناس ؟؟ هل هو مَطْلَبُ العَمَلِ الخالصِ قربةً إلى اللهِ تعالى ونَهْضَةً بالقلوبِ لِرَدِّها إلى علَّام الغيوبِ ؟؟ أمْ هو مَطْلَبُ الشُّهرة ؟؟، وذلك مِنَ الكبائرِ لأنَّه رياءٌ وهو مِنْ باطنِ الإثمِ الذي نُهينا عنه في بيانِه تعالى : (وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ)


 وخَطَرُهُ أنَّه إذا اسْتَقَرَّ في القلبِ أَفْرَزَ نُكْتَةً سوداءَ تَحْرِمُه مِن استثمار ما خُلِقَ مِنْ أَجْلِه وعندها لا يُمْكِنُ أنْ يُدْرِكَ معانيَ ما يَنْطِقُ به فيَغْدُوَ كلامُه حُجَّةً عليه لا لَه يومَ الحِساب، ذلك أنَّ النورَ إذا دخلَ الصَّدْرَ انْفَسَحَ وانْشَرَحَ، فإذا لم تَجِدِ الأَنوارُ محلَّها مِنَ القَلْبِ رَجَعَتْ أَدْراجَها، ومَعلُومٌ أنَّ مَقامَ التَفْريدِ في التوحيد هو الانْشغالُ باللهِ عما سواه، وذلك مِنْ قَواطِعِ الصِّلاتِ بسيِّدِ السادات عليه أفضلُ الصلوات والتسليمات.


لذا قال أهلُ اللهِ : الإخلاصُ ؛ تصفيةُ الفعلِ عن مُلاحظةِ المخلوقين.


الإخلاص ؛  هو استواء الْمَدح والذم مِنَ العامَّة، ونسيانُ ثواب العمل.


وفي الحكم العطائية ؛ الأعمالُ صورٌ وأرواحُها وجودُ سرِّ الإخلاص فيها.


ثانياً ؛ تهييئُ النَّفْسِ قبلَ كلِّ مجلسٍ بالصلاة على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ تلك العبادة التي جُعِلَتْ مَدْخَلاً لانْشراحِ الصَّدْر ونورِ القلب ببركة صلاة الله تعالى على المصلي عليه ورَدِّ السلام النبوي عليه ذلك بِبَلاغِ الملائكةِ الْمُوكَلَةِ بِتَلَقُّفِ الصلاةِ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أفواهِ الْمُصَلِّينَ عليه صلى الله عليه وسلم، فإنَّ ذلك يُبَدِّدُ ظلماتِ الأَهْواءِ، ويُغْلِقُ مَداخلَ الشيطانِ ووساوسَه.


وفي مسند أحمد وغيره عن أنس بسند صحيح: (مَنْ صلى عليَّ واحدةً صلى اللهُ عليه عَشْرَ صلواتٍ، وحَطَّ عنه عَشْرَ خطيئاتٍ، ورَفَعَ له عَشْرَ درجات) وواضحٌ دون رَيْبٍ حالُ مَنْ يكونُ في ظِلِّ رعايةِ اللهِ تعالى ورسولِه صلى الله عليه وسلم.


ورحم الله الإمامَ النبهانيَّ إذْ يوضِّح في نَظْمِه البديع المضمون الأساس للمولد :


 


وفَرِحُوا  بِذِكْرِه  وطَرَبُوا

وأَكَلُوا على اسْمِهِ  وشَرِبُوا

وابْتَهَلُوا  لِرَبِّهم  وطَلَبُوا

واسْتَشْفَعُوا له به وانْتَسَبُوا

مُعْتَقِدينَ نَيْلَ كلِّ قَصْدِ

كَمْ عَمَّرَ اللهُ به   الدِّيارا

ويَسَّرَ  السرورَ    واليَسارا

إذْ بَذَلوا الدِّرْهَمَ والدِّينارا

وذكروا  الرحمنَ   والْمُخْتارا

بين صلاةٍ ودُعا  وحَمْدِ


 


ثالثاً ؛ استحضارُ الحضرةِ النبوية في سِرِّه ؛ لأنَّه في الأَصْلِ هو صاحبُ الْمَجْلِسِ على الحقيقةِ، فلو غابَ عنه صاحبُه عليه الصلاة والسلام لَغابَ عنه الكَمالُ والجَمالُ وانْقَلَبَ إلى جَوٍّ صاخِبٍ إيقاعاتُه سَقيمةٌ لا تَنْهَضُ بالسَّامِعِين لأنَّها تَغْدُو وعاءً فارغاً لا تزيد المكانَ إلا صَدىً مِنْ الإِزعاجِ الْمُوجِعِ للقلبِ والْمُصَدِّع لِلرأْسِ، فالجوهرُ قبلَ الْمَظْهَرِ، وصلاحُ السِّرِّ قبلَ تجسيدِ الْمَطْلَبِ بالعمل.


سُئِلَ أحدُ العارفين عن أجواءِ طيبةَ فأَجابَ : [طَيْبَةُ في كلِّ مَكانٍ يُذْكَرُ فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ويُصَلَّى عليه بِصِدْقٍ وعلى الحبِّ الخالصِ المترجَمِ بِتَفْرِيدِه في المحبوبيَّة عَبْرَ جعلِه قُطْبَ الدائرةِ في المكان]


 أقول : ولقد كانَ هذا هو حالَ الصحابةِ الكرامِ رضي الله تعالى عنهم مِنْ شُعَراءَ وغيرِهم يَعِيشُون أُنْسَ ذِكْرِهِ والصلاةِ والسلامِ عليه حيث ما حَلُّوا وارتَحَلُوا في حياتِه وبعد انتقالِه، حتى في أشدِّ الحالات كان شعارهم [وامحمداه] اجتَمَعوا عليه في اليمامة فنَصَرَهم اللهُ تعالى لِعِلمِهم بشأنِه العظيم، واعترافِهم بفضلِه العميم، وصلةِ قلوبِهم الدائمةِ بقلبِه الشريف عليه الصلاة والسلام، وادراكِهم لِسِرِّه السَّاري في أوصالِ المحبين لشأنِه الكريم في كلِّ زمان ومكان.


فَكُلَّما ازدادَ الْمُدَّاحُ مَعْرِفَةً بالممْدوحِ كُلَّما تَمَكَّنوا مِنْ إيصالِ أنوارِ السرِّ النبوي أكثر وبذا تتقابلُ الأرواح وتتآلف القلوب بعد أنْ رُدَّت إلى عَلاَّمِ الغُيوب.


وهنا أقول يا أَحِبَّتي ! إنَّ اختيارَ المكانِ من جملةِ الآدابِ العمليَّةِ في محرابِ الحضرة النبوية، فليستِ الأَماكنِ العامة كالمقاهي والملاهي مَحَلاً للنُّورِ النبوي وحضرةِ الْمَمْدوح، وذلك لأنها موبوءةٌ بالمخالفات وما جُعِلَتْ إلا دائرةً لظلماتِ الموبقات، ووعاءً للثرثرة والغفلات، ومَرْتَعاً خَصيباً لِلْوسواس الخنَّاس.


فاختيارُ الأجواءِ الْمُحَصَّنَةِ بآدابِ الشرع مُقَدِّمةُ النتائجِ الطيِّبة، وليس الاختلاطُ _الذي اتُّخِذَ مَدْخَلاً لرضى الشيطان وغَضَبِ الرحمن_ جوّاً مُلائِماً لِمَدْحِ الحبيب سيد ولد عدنان صلى الله عليه وسلم.


وهذا يقتضينا أنْ نُحيطَ عِلْماً بِحُكْمِ الشرعِ في كلِّ ما أقامَنا الله عليه من برنامَجِ العملِ مِنْ أوَّلِه إلى مُنتهاه.


أَصْغِ معي إلى كلامِ الإمامِ النبَهاني في نَظْمِه البديع بعد أنْ عَرَضَ الصورةَ العمليَّة للواقعِ السَّليم الذي دَرَجَ عليه جَمْهَرةٌ واسعةٌ مِنْ مُحِبِّي الموالدِ والْحَريصين على إقامتِها لما فيها مِنْ تجديدٍ لِلْعَهْدِ وطَمَعٍ بالوعدِ قال :


 


لكنَّما الأعمالُ بالنيَّاتِ

ويُشْرَطُ الإِخْلاصُ للنَّجاةِ

إنَّ الرِّيا يُحَوِّلُ  الحالاتِ

ويَقْلِبُ الطاعاتِ  سيِّئاتِ

ويَجْعَلُ التقريبَ عَيْنَ البُعْدِ

ولْيُنْفِقِ الأَمْوالَ مِنْ حلالِ

فذاكَ شَرْطُ صالحِ الأَعْمالِ

إنْ لم يَكُنْ إلا حَرامُ  المالِ

فَأَجْرُه    يكونُ    لِلأَهالي

وهو لَهُ في النارِ شَرُّ قَيْدِ

وخِلْطَةُ النِّساءِ بالرِّجالِ

في شَرْعِنا مِنْ أَقْبَحِ الخِصالِ

وسِمَةُ الفُسَّاقِ  والجُهَّالِ

في كلِّ   وقتٍ وبِكلِّ  حالِ

ومِنْ أَجَلِّ مُوجِباتِ الطَّرْدِ

فَاحْذَرْ جميعَ ما مَضَى في المولِدِ

وكُلَّ   إيذاءٍ    بفمٍّ     أو يَدِ

وارْفُضْ   سَماعَ  كلِّ  غِرٍّ  مُنْشِدِ

بِوَصْفِ حَسْناءَ ووصفِ أَمْرَدِ

واهربْ تفُزْ مِنْ صوتِ هذا الوَغْدِ


 


        


رابعاً ؛ فقه الشخصيَّةِ النبوية الدعوية ؛ هو مِنْ أَهَمِّ ما ينبغي أنْ يَتَمَثَّلَه المادحُ من جواهرِ الحَضْرَةِ النبوية الراشدة، فإنَّه يُقابِلُ الْمُخْتَلِفَ مِنْ طبقاتِ المجتمعِ وشَرائِحِهِ وواجِبٌ عليه شرعاً أنْ يَنْهَضَ بقلوبِ الجميعِ على أَتْقَى قَلْبِ رجلٍ واحدٍ هو صاحبُ المولدِ صاحبِ السِّرِّ وتجلياتِه رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فلعلَّ اللهَ تعالى يُحَرِّكُ قلوباً غافلةً، ونُفوساً عن مَنْهَجِ التزكية غائبة، وعقولاً عن الحقيقةِ ضالَّة، وفي الصحيح : (لأنْ يَهْدِيَ اللهُ بكَ رجلاً واحداً خيرٌ لكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ _في رواية_ خير لك مما طلعَتْ عليه الشمس) ولقد قالوا : إنَّ نورَ النُّبُوةِ مِنْ جملةِ الْمُذَلِّلاتِ لِلصِّعابِ في نظامِ الدعوةِ إلى اللهِ تعالى وهدايةِ عبادِه، ومُدَّاحُ الحبيبِ عليه الصلاة والسلام لهم حَظٌّ وافر مِنْ طَيْفِ ذلك النُّورِ إنْ صدَقٌوا في نعمةِ حبِّه وصِلَتِهم وعلاقتِهم به صلى الله عليه وسلم ومعرفتهم بمنهج شخصيَّتِه الدعوية تلك التي تجذَّرت بنورها الفطرةُ الإنسانية من البداية، فَكَمْ مِنْ مُنْشِدٍ وقَفَ حيالَ الْمُنْكِرينَ لِلكثيرِ من الاستحقاقاتِ النبويةِ وخصائِصِها مَوْقِفَ الحِكْمَةِ الهادية مع الْمَقْنَعِ العقليِّ الْمُرَوَّحِ بالمعنى الوُجدانيِّ بحكم ما يَعْلَمُه من شمائله وسيرته، فما خَرَجُوا إلا بِشُعورٍ لاهِفٍ شائِقٍ إلى الحضرةِ النبوية يَستزيدون المعرفةَ به وقد أَدركوا أنَّ حبَّه كامِنٌ في الفؤاد على الفطرة، لكنَّ ظلمَةَ الجهلِ مع الفَهْمِ الخاطئِ غيَّبَه عن تلك الحقيقة.


لذا يقال بيقين إنَّ قلوبَ السامعين أمانةٌ في يدِ المنشدين الذين ينبغي أن يَنْشُدُوا بقصائدهم ومدائحهم رضى اللهِ ورسولِه صلى الله عليه وسلم على متن العلم والمعرفة حتى يَضْمَنُوا التأثيرَ في غيرهم، فَقَبُولُ السامِعِ رَهنٌ بشهودِ المادِح للمَمْدوحِ، ومستوى تعظيمِه له، ونسبةِ معرفتِه لِخصائِصِه وقدِره المكنونِ بيانُه في بيانِ اللهِ تعالى ووحيه القائل : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) والقائل : (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)    


خامساً ؛ اعتمادُ إيقاعِ النَّظْمِ اللغوي في المدح ؛ فإنَّه وزنٌ مِنْ أوزانِ الكلامِ الثابتِ الذي لا يَنْكَسِرُ إلا بانْكِسارِه _جَهلاً بقواعِدِه_، وضرورةُ البُعدِ عن الآلاتِ لا سيما تلك الأجهزة الغربية الصاخِبة التي يستعملها الفساق في ليليهم الحمراء ونوايهم الشيطانية، اللهم إلا الدُّف ذلك أنَّ الآلةَ تَحْجُبُ الْمُرادَ مِنْ نَهضةِ الروحِ عَبْرَ الصَّخَبِ الذي تُحْدِثُه والرُّعونةِ التي تولِّدُها في كيانِ بعضِ السامعين لا سيما الشباب الذين يأْلَفُونَ اللَّهْو عادةً ما يُحيلُ المكانَ إلى دائرةٍ من الغفلة خَطيرةٍ، ويُخْرِجُ المحتفلين عن المراد الذي مِنْ أجلِه وبِقَصْدِه أُقيمَ المولد.


هذا وإنَّ الصوتَ الحسنَ إنما يُعرَفُ إيقاعُه السَّليم عادةً واختباراً بدون آلات، فالصوتُ السَّليم هو الآلةُ الأساسُ المرتبطة بسمع الروح الذي يُثْبِتُ حقيقةَ كونِ صاحبِه ذا أُذُنٍ موسيقية أو لا، كما يقال في عُرْفِ أهلِ الفَنِّ الذين إذا اخْتَبروا ذا الصوتِ اخْتَبَروه مِنْ غيرِ آلة.


سادساً ؛ تنزيهُ العملِ عن الدنيا ؛ فلا يليقُ بالْمُنْشِدِ المحبِّ لِلنَّبِيِّ الأكرم صلى الله عليه وسلم أنْ يَهْبِطَ بالْمَمْدوحِ إلى اشتراطِ المقابلِ الدنيويِّ لما في ذلك من الاستخفافِ بالْمَمْدوحِ أوَّلاً، وذهابِ الأَجْرِ بالكلِّيَة ثانياً، وَمَقْتِ اللهِ تعالى مَنْ يُتاجِرُ بالدِّين لِأَجْلِ الدنيا ثالثاً، وحملِ وِزْرِ مَنْ يَقَعُ فيما وَقعَ فيه مِنَ التَّعَلُّقِ بالدنيا ونِسْيانِ الآخرةِ رابعاً، إضافةً إلى ما يَحْصُلُ مِنْ فَتْحِ بابِ الغيبةِ والنميمةِ خامساً، وانقلابِ الحالِ مِنْ عبادةٍ مُقَرِّبَةٍ إلى اللهِ تعالى ومرقِّيَةٍ في مِعراجِ الحُبِّ الخالصِ إلى مَعالي المعارفِ بالتَّحَسُّنِ الدائمِ إلى عادةٍ مُرْدِيَةٍ في مَهاوي الأَهواءِ الحاجِبَةِ عن منهجِ التكليفِ الأساسِ الذي به يَقْطِفُ العبدُ ثمارَه اليانِعة النافعة وذلك هو الخُسران المبين سادساً .


نعم ! إنَّه لا حَرَجَ لوجاءَ الإِكْرامُ مِنْ مُنْتَشٍ تأثَّرَ بمدح المادحين وتفاعَلَ بالإِصغاءِ فهو تكريمٌ مُشَرِّفٌ لا يَهْبِطُ بالمادح ولا يؤذيه بل يُبْقِي عليه كرامتَه، ولا يُخْرِجُه عن دائرةِ الإخلاصِ فيما هو عليه مِنْ إرادتِه وجهَ اللهِ تعالى ابتداءً، ناهيكَ عن أنَّ عِفَّتَه تلك تحفظُ عليه كرامتَه وتزيدُه ألَقاً في نَظَرِ الخَلقِ ورعايةً عند مَنْ قال سبحانه : (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ)


ختاماً ؛ سيدي الْمَدّاح إنَّ قدرَك كامنٌ في قَلْبِ كلِّ محِبٍّ، لأنَّك دلّالٌ على جوهر الإسلام خيرِ الأنام عليه الصلاة والسلام في نظامِ الجمال، فاحرص على هذه النعمة ولا تُبَدِّدْها بشهوةِ ساعةٍ ربما تُطيل فيك الحَسْرة والندم، فَكُلَّما سَمَتْ نَفسُك في محرابِ بيان المولى الكريم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) كلَّما عَلا قدرُك عند اللهِ ورسولِه صلى الله عليه وسلم، لأنَّ قولَه سبحانه : (كونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) أَمْرٌ بأنْ يكونَ المؤمنون مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وصحبِه الكِرام الذين : (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) أن يكونوا معهم في الأقوالِ والأفعالِ، فلعلَّ اللهَ تعالى يكتبُ لك مثلَ أجْرِ مَنْ يهديه على يديك ويزيدُه مِنْ فضلِه بهديِكَ الحَسَنِ، وسَمْتِكَ الحَسَنِ، وصوتِكَ الحَسَنِ، في رحاب مَدده الأعظم، من روح بيانه الأكرم (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ) بالخُلُق الحَسَنِ والصوتِ الحَسَن.


                                               


وكتبه


الفقير إلى ربه الغني محمد الفحام


مع رجاء صالح الدعاء

تحميل