مميز

الفتوى رقم #6003

التاريخ: 25/12/2019
المفتي: الشيخ محمد الفحام

لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ

التصنيف: الرقائق والأذكار والسلوك

السؤال

السلام عليكم أرجو ان تساعدني في هذا الموضوع تقريبا منذ عام الحمد لله أكرمني الله بالهداية والتوبة وبدات اصلي بالمساجد وأحافظ ع الصلوات بوقتها وفي لمساجد وأكرمني الله بالخشوع والبكاء بالصلاة وأصبح البكاء في كل استغفار وصلاه جزء من حياتي ولا أستطيع ان أتخلى عن البكاء وبدات طاعاتي تتوسع بشكل اكبر من حفظ قران وجلسات العلم والخ... والآن ياشيخ اشعر بشيء غريب ان الله ليس راضي عني وشعوري النفسي سيء للغاية من خوفي ان الله يتركني وأيضًا أصبحت نفسي ثقيلة للغاية لدرجه لااطيقها واخاف من الله كثيرا وانا عايش لوحدي ولا أستطيع ماذا افعل أقول في نفسي كثر الطاعات ليش شيء مستحب لانه يرهق النفس ويتعبها وشكرا لكً

 

الجواب

وعليكم السَّلامُ ورحمةُ اللهِ تعالى وبركاتُه أيها الأخُ الكريمُ ينبغي الانْتِباهُ إلى أَهَمُّ ما يَعني العابدَ أنَّ إقبالَه على مولاه مِنْ لَطائِفِ عطاياه سبحانه وتعالى, فَمَنْ تَلَبَّسَ بطاعةِ الله تعالى, ثم ظنَّ الطَّرْدَ والبُعْدَ فقد عرَّض نفسَه لِلْيأْس مِنْ رحمةِ اللهِ تعالى, وهذا ما ليس بِمَرْضِيٍّ عند الْمَعْبُودِ عزَّ وجلَّ, وعليه؛ فما تَشْعُرُ به من ظنك البعدَ عن رضى الله, وأنت في رحابِ محرابِه وَهْمٌ لا يُبْنَى عليه حُكْمٌ بحال لأنَّه مَدْخَلٌ شَيْطانيٌّ يُرادُ منه إِبعادُ العابدِ عن ربِّه, فما يَنْبَغِي أنْ يُحيلَكَ خوفُك مِنَ اللهِ تعالى إلى اليأسِ مِنْ رحمتِه, بل إلى الرجاءِ بالعَفْوِ والصفحِ فهذا شأنُ العابدِ المعتمِدِ على خالقِ العملِ لا على العمل, لذلك لَمَّا حَوَّلَنا السيِّدُ الأعظمُ صلى الله إلى ساحةِ الاسترحام بقوله: (إنَّه لنْ يَدْخُلَ أحدُكم بِعَمَلِهِ الجنة) قيل: ولا أنت يا رسولَ الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يَتَغَمَّدنيَ اللهُ برحمتِه) ورحمنُ الدنيا والآخرة يقول: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) وهنا بيت القصيد فإنَّه صلى الله عليه وسلم _والله أعلم_ إنَّما قَصَدَ بذلك سَدَّ مَسالِكِ الشيطانِ التي مِنْ أَخْطَرِها إيهامُ العبدِ أنَّه غيرُ مَقْبولٍ على الرغم مِنْ أنَّ أَمْرَ القبولِ مُغَيَّبٌ, وأنَّه سبحانه وتعالى لم يُكَلِّفْنا بالبحث عن أماراته, بل كلَّفَنا بعبادِتِه حُبّاً بمعرفتِه كما في بيانه العظيم: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) وللإشارة إلى أن ساحة الرحمة واسعة تسع العبد المفتقر إلى مولاه بكل أحواله.

فاعبدِ المولى الجليل لأنَّهُ ربٌّ عظيمٌ يَسْتَحِقُّ العبادةَ فعبدته, واسْلُكْ سبيلَ الأَدَبِ بيقينِ أنَّهُ ليس لكَ عملٌ يَصْلُحُ لِلْعَرضِ عليه, وأنَّه راحمٌ ذُلَّكَ بين يديْه, وأنَّ الذُلَّ بين يديه عَيْنُ العِزِّ به مُكثراً منه دعاءً بقولك: إلهي ورجائي ومَقْصُودي! ليس لي عَمَلٌ يَصْلُحُ لِلْعَرْضِ عليك, فارْحَمْ ذُلِّي بين يديك, ثمَّ دعْ نفسك في تصرُّفه وبين يديه سبحانه, فهو أرحمُ بكَ منكَ كيف لا ؟  وهو القائل: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) أَضِفْ إلى ذلك تأَمُّلَكَ مَدلولَ فضلِه ووسيعَ رحمتِه في بيانِه وهو يأْمُرُ المسرفين أنْ لا يَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَتِه بِشَرَفِ إضافتِهم إليه: (يا عبادي) بياءِ النِّسْبَةِ يَنْسُبُهُم إليه رغم إسْرافِهم, ويُغْريهم بالطَّمَعِ برحمتِه سبحانه, فكيف بالصالحين مِنْهم ؟

فَثِقْ برحمةِ مولاكَ ولا تَظُنَّ به إلا الخيرَ فهو القائل في الحديث القدسي الصحيح: (أنا عند ظنِّ عبدي بي إنْ ظنَّ خيراً فَلَهُ, وإنْ ظَنَّ شراً فَلَهُ) وكما ورد: (خصلتان ما بعدهما خصلةً في الخير حُسْنُ الظنِّ بالله, وحُسْنُ الظَنِّ بعبادِ الله) ولا تنسني من دعواتِك المباركات.