مميز

الفتوى رقم #30789

التاريخ: 18/02/2012
المفتي: الشيخ محمد الفحام

توفيق بين حديثين في الجهاد

التصنيف: أحكام الجهاد والسياسة الشرعية

السؤال

السلام عليكم شيخي الفاضل : كيف نوفق بين حديث( لا تمونوا لقاء العدو)، وبين حديث ( لوددت ان اغزو في سبيل الله فأقتل ) وجزاكم الله خيرا

الجواب

أن تعلم أنَّ مفهومَ الغزو إنما هو الجهادُ في سبيل الله لا سبيل شيء سواه والذي جوهرُ القصد فيه هو فتح القلوب وردُّها إلى علَّام الغيوب هو الأصل، وكما قال مؤرخو السَّلف، "لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد" بالدلالة على بضاعةِ الرحمن وحُكم شرع الله سبحانه. لذا قال الغَرب ما عَرفَ العالم فاتحين أرحمَ مِن العرب، أي الذين حملوا رسالةَ الإسلام ومكارمَ خير الأنام عليه الصلاة والسلام. ومعلوم أن حكم الشرعِ فيه هو فرضُ الكفاية ولذلك تفصيلٌ وافٍ في كتب الفقه. هذا؛ ولو استقرأنا حروفَ الغزوات النبوية لَبانَ لنا ذلكمُ المقصُد الأسنى وقد كادَ صلى الله عليه وسلم أن يُهلك نفسه لإيصال الحق والنور وبيانِه إلى كلِّ أحد حتى قال له ربُّ العزة: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً}فموضوع الغزو موضوعُ فتحٍ وهداية ودِلالة لما في ذلك من أداءِ الأمانة والتبليغ ولهذا المعنى أيضاً تفصيل واسع عند علماء الفقه والتاريخ والسير .... وأما قوله صلى اله عليه وسلم في الصحيحين: "لا تتمنَّوا لقاءَ العدو ..." فمفادُه كما أشار أهل العلم أنه لما فيه من صورة الإعجاب بالنفس، والوثوق بالقوة، وقلة الاهتمام به، وهو مخالف للاحتياط، وهو مِن مَهالك النفس ... ولِأنَّ لقاءَ العدو أشدُّ الأشياء على النفس، والأمورُ الغائبةُ ليست كالمحقَّقة، فلا يؤمَنُ أن يكون عند الوقوع على خلاف المطلوب ... ذلك أنه إن طلبه -أي بنفسه مفتخراً- فأوتيَه عجز عن تحقيق المراد وكثيراً ما تُعاكسه الأقدار لوجودِ حَظَّ النفس فيه. ثمَّ إنه فيه تنبيهٌ على آفةِ التمني، وشؤمِ الاختيار لأنهما ليسا من أوصاف العبودية الخالصة لله تعالى. وعليه؛ فسؤال اللهِ العافيةَ وأن يختار لِعَبْده الخيرَ ليُعانَ عليه وينتفعَ به هو الأرب. وهذا تعليم جليل من السيد الجليل عليه الصلاة والسلام. وأذكِّر بقولِ أحدهم يومَ حُنين -وقد نظر إلى كثرة العدد في جيش المسلمين- [لن نُغْلَبَ اليوم عن قِلَّة] فلم يكن يومها تمني لقاء العدو وحَسب بل تخطَّى إلى الإعجاب بالكثرة والقوة والعَدد والعُدَد. فكانتِ النتيجة أن نزلتِ الشِّدة على الجيش فتشتَّتَ بالتداخل ولولا لطف الله ورحمته التي -أهداها إلى الأمة- رسول الله صلى الله عليه وسلم لصار أثراً بعد عين حيثُ ردَّهم صلى الله عليه وسلم إلى أصل ما حُمِّلوه من أمانةٍ فذكَّرهم بُنُبوَّتِه التي هي وحيُ الله يقول: "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" ثم يناديهم بصوتِ عمه العباس؛ يا أصحابَ السَّمُرة -أي بيعة الرضوان- حتى تابوا إلى رشدهم، ودائرة عبوديتهم لربهم بمنطلق العقيدة والسلوك عبر مرجعهم الأول صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا بعد شتات كاد أن يُهلك الجيش بأكمله وقد بلغ قِوامه اثني عشر ألفاً. اللهم اهدِنا واهدِ بنا واجعلنا هادين مَهْديّين على نهج مَن قال: "لأن يهديَ اللهُ بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْرِ النَّعَم" وصلى الله عليه وسلم وبارك على معلم الناس الخير وهاديهم إلى سواء سبيل آمين.