مميز

الفتوى رقم #3040

التاريخ: 28/09/2019
المفتي: الشيخ محمد الفحام

الفرق بين الكفر والمعصية

التصنيف: العقيدة الإسلامية

السؤال

متى يمكن ان تصبح المعصية كفرا وما هي الاشياء التي يمكن ان تجعل المعصية كفرا اذا اقترنت بها و كيف استطيع التفرقة بين المعاصي والمكفرات علما انني مصابة بوسواس شديد في كل ما هو متعلق بما يمكن ان يخرج من الملة وتأتيني نوبات رعب وهلع و اكنئاب و قلق قوية وشبه دائمة بسبب فكرة احتمال انني يمكن ان اقع في الكفر في اي لحظة واموت على ذلك واخلد في جهنم فأرجو منكم بشدة التوضيح لاخراجي من هذه الدوامة , مثلا هل من يجاهر يالمعصية ويرتكبها بتفاخر ويعين ويشجع عليها ويحبها ولا يمانع اذا عمت كافر ,انا لا اقوم بذلك ولاكن اسئل لكي ارفع كل الشبهات التي تطرأ علي, ولا اسئل عن الحكم في الدنيا بل في الاخرة هل من يفعل هذا يعد كافر عند الله, هل يمكن ان تصبح المعصية كفر اذا قارنها محبة واصرار وعدم الرغبة في الخلاص منها او التوبة منها وزوال استقباحها مثلا اذا كان شخص يشاهد الافلام التي لا تحترم المحاذير الشرعية التي تحتوي مخالفات و مدح الحرام وطمس الحلال ومعتقدات شركية وكفرية وهو مقر بانها معصية وحرام ويقوم بالاستغفار عليها وهو يعتقد بطلانها ولا يتاثر بها من اي جانب ولكنه يحبها كثيرا ويشاهدها كثيرا ويحب الاحداث والشخصيات كثيرا ويتفاعل معها ويستمتع بها دون مبالات ناسيا او متجاهلا او معرضا عن الاحكام والافكار الدينية وكلما طرات له فكرة تتعلق بالدين او بتحريم هذه الاشياء يدفعها ويعرض عنها ويسكتها ويتجاهلها مع انه قابل لهذا التحريم فهل هذا كافر او هل يحبط عمله, متى يكون الاستهانة بالمعصية كفرا, هل من يرد على من ينصحه في الدين او يتكلم في الدين بوقاحة ويسكته او يعرض عنه كافر اذا كان معه اصل الدين اي اركان الايمان واركان الاسلام, من كان يشاهد افلام فيها محاذير الشرعية وافكار شركية وكفرية هل يكفي اعتقاد بطلانها لرفع الكفر عن نفسه, هل يمكن ان تكون مشاهدت هذه الاشياء كفر في حالة ما, ما هو التعريف الدقيق عدم الاقرار والرضا في هه الحالة الذي يرفع الكفر, وهل قرائة القصص ومشاهدت الرسوم المتحركة لها نفس احكام مشاهدت الافلام التي يمثلها البشر ام يوجد اختلافات, وهل هذه الافلام وغيرها التي تحتوي مشاهد ومعتقدات كفرية هل تدخل مشاهدتها في الجلوس في مجالس الكفر اي هل يكفر من يشاهدا مسلما متعلقا بدينه موقنا بكل ما فيه يقينا تامامداوما و مجتهدا في الطاعات و كان يعتقد بطلانها

 

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه ومَنْ والاه, وبعد؛ فإنَّ التفريق بين مَدلول المعصية غَيْرِ المكفِّرة, والكُفْرِ أَمْرٌ لازم؛

فالمعصيةُ؛ هي ما يرتكبُه العبدُ من المخالفات عالماً بأنها مخالفةٌ يجب الخروج منها بالتوبة النصوح وفي مطويِّ نفسِه رغبةُ الإنابة إلى مولاه في العاجلِ أو الآجل وكأنَّ لسان الحال منه يقول: إلهي ما عصيتك جحوداً, أو إنكاراً لحكمك, أو جرأةً, غير أني عصيتُك ضعفاً, فيامَنْ أعَذْتَنِي مِنَ الجحود قوِّ في رضاكَ ضَعْفِي, وحَبِّبْ إليَّ الإيمانَ وزيِّنه في قلبي, وكرِّه إليَّ الكُفْرَ والفُسوقَ والعِصيان واجْعلني مِنَ الراشِدِين ياربَّ العالمين. لذا وُصِّفَ بالمؤمن العاصي كما أشار علماء العقيدة أي: فلم يُسْلَبْ صفةَ الإيمان.

أما الكفر, فهو توصيفُ لِمُنْكِرِ دينِ اللهِ تعالى أو أيِّ مَعلومٍ من الدِّين بالضَّرورة, وكذا لِمُرْتَكِبِ المعصيةِ استحلالاً أي؛ _وللتوضيح_ كأنْ يَشْرَبَ الخمر فَيُذَكَّرَ بِحُكْمِ اللهِ تعالى في بيانه أنه حرام, فَيُنْكِرَ حُرْمَتَهُ جُحُوداً, ويقول: بل هو حلال. وبذلك يعلم الفرق بين العاصي والكافر ذلك أنَّ شاربَ الخمرِ عِصْياناً مع عقيدتِه السَّليمةِ بِحُكْمِ اللهِ تعالى يُسَمَّى فاعلَ كبيرة والخروج عنها _بتقريرِ علماءِ العقيدةِ_ بالتوبة لا بالشهادتين, حتى وإن مات متلبساً بالمعصية مات مؤمناً عاصياً والمؤمن وإنْ ماتَ عاصياً يُغَسَّلُ ويُكَفَّنُ ويُصَلَّى عليه ويُدْفَنُ في مَقابرِ المسلمين.

وفي الختام كلام ؛ أقولُ أما الوساوسُ المذكورةُ فلا يُبْنَى عليها حُكْمٌ ولا يلتفت إليها قَطُّ ولا يُحْكَمُ على صاحبِها بالكفر, بل يُؤْمَرُ بأنْ يَجْعَلَ أَمْرَهُ ومَعرِفَةَ حُكْمِهُ تَبَعاً لِمُفْتِيه, ذلك أنَّه إذا استجابَ إلى ما يَطْرأُ عليه مِنْ تَخْلِيطٍ أَرْهَقَ نفسَه بما لم يُكَلِّفْهُ اللهُ تعالى به لا سيما وأنه القائلُ سبحانه: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) فَبِأَدْنَى تأمُّلٍ لبيانِ اللهِ تعالى يدركُ الْمُكَلَّفُ أنَّ أرحمَ الراحمين لم يُحَمِّلْهُ ما لا تُطِيقُه نفسُه, كيف وهو يُلَقِّنُنا جُمَلَ الدعاءِ المخفِّفة والشارحة للصدر والْمُبْعِدَة لِمَهاوِي القَهْرِ بكلِّ حال, وما أنت عليه مِنَ العَرَضِ القَهْرِيِّ الذي لا يُؤاخِذُ اللهُ عبدَه به, ولا يُطالِبُه بمقتضاهُ لأنَّهُ خارجَ نظامِ التكليف, فاطمئنَّ بالاً, ولا تكترث فإنَّ الله أرحمُ بك منك بنفسك.  

أسأل الله تعالى تمام العافية لنا جميعاً وأن يدخلنا في وسيع رحمته.