مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 26/04/2019

خطبة الإمام الشهيد البوطي | العزة والرفق صفتان لا انفكاك للمسلم عنهما


العزة والرفق صفتان لا انفكاك للمسلم عنهما
خطبة الإمام الشهيد البوطي
تاريخ الخطبة: 05/04/2002
الحمد لله ثم الحمد لله الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئُ مَزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهك ولعظيم سلطانك, سبحانك اللّهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسِك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأشهدُ أنّ سيّدنا ونبينا محمداً عبدُه ورسولُه وصفيّه وخليله خيرُ نبيٍ أرسلَه، أرسله اللهُ إلى العالم كلِّه بشيراً ونذيراً، اللّهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.
أمّا بعدُ فيا عباد الله..
صفتان ينبغي أن يكون المسلمون - لا سيما في هذا العصر - على بينة منهما: أما الصفة الأولى، فهي من أخص سمات الإسلام ومن أهم مستلزماته. وأما الصفة الأخرى فهي من أخطر ما يحذر منه الإسلام.
أما الصفة الأولى: التي هي من أخص سمات الإسلام ومن أهم مستلزماته فهي (الإنسانية) بكل ما في هذه الكلمة من معنى، وهي الرفق بكل ما يتضمنه من خصائص ومزايا، وهي الأخلاق الإنسانية الحميدة. ولو أن الله عز وجل علم أن هنالك شرعة غير شرعة الإسلام وديناً غير دين الإسلام يضمن أن تتحقق في حياة الناس مبادئ الأخلاق الراشدة والإنسانية الحميدة والرفق في التعامل إذاً لأمرهم الله بتلك الشرعة، ولكن الله وهو العليم الحكيم علم أن معين الأخلاق الإنسانية الراشدة والرفق بكل ما في هذه الكلمة من معنىاً لأمرهم الله بتلك الشرعة ولكن الله وهو العليم الحكيم علم أن معين الأخلاق الإنسانية الراشدة والرفق بكل ما ف إنما هو الإسلام ولا شيء غير الإسلام، ومن ثم شرف الله عباده بهذا الدين.
انظروا وتأملوا في كتاب الله سبحانه وتعالى تجدون أن كل مبادئ العقيدة الإسلامية وسائر أحكام الشريعة الإسلامية تدور على محور الرفق، تدور على محور الأخلاق الإنسانية الفاضلة السامية، تدور على محور بناء المجتمع الإنساني بالصلاح والابتعاد عن الفساد والإفساد.
انظروا إلى قوله سبحانه وتعالى: )تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[ تأملوا في هذا الكلام.
انظروا إلى قول الله سبحانه وتعالى: )لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا[. لاحظوا وتأملوا وتدبروا هذا الكلام الرباني.
قفوا عند قوله سبحانه: )وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا[.
انظروا وتأملوا في قوله سبحانه: )وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ[
ما الدليل على أنه ليس كما يقول؟ الدليل ما يلي: )وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ[ هذا هو المقياس.
انظروا إلى المعنى الذي يعرف البيان الإلهي التقوى به عندما يقول: )وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ[ من هم المتقون يارب؟ )الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[
هل أزيدكم أيها الإخوة من آي الكتاب المبين ما يوضح أن مدار الشرعة الإسلامية كلها على تغذية الإنسانية بغذائها السليم وعلى أن يكون الإنسان ملكاً يتحرك ويمشي فوق هذه الأرض بالأخلاق وبالرفق وباللين وبالإصلاح بدلاً من الإفساد. هذه هي الصفة التي هي من أخص خصائص الإنسانية ومن أهم مزاياها.
أما الصفة الثانية والتي هي من أخطر ما يحذر منه الإسلام، فهي الهوان هي الذل هي الضعة .. وكم وكم أناس التبست عليهم الصفة المحمودة الأولى بهذه الصفة المذمومة الثانية، الإسلام الذي شرفنا الله عز وجل به يسمو بالإنسان صعداً فوق مستوى الهوان لايريد له الهوان يرتفع به صعداً فوق مستوى الضعة، لا يريد ربنا للإنسان الضعة بشكل من الأشكال، لا يريد الباري سبحانه وتعالى من الإنسان أن يركن إلى الذل كيف؟ وهو الذي قال الله عز وجل عنه: )وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا[ لاحظوا أيضا أيها الإخوة كم وكم يحذر بيان الله سبحانه وتعالى الإنسان ولا سيما المسلم من أن يركن إلى الهوان، من أن يركن إلى الضعة والذل لغير الله سبحانه وتعالى.
انظروا وتأملوا في قول الله سبحانه وتعالى: )وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا َصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ[ تلك هي صفات عباد الله الربانيين ونحن منهم إن شاء الله تعالى.
انظروا إلى قول الله عز وجل ) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ[
تأملوا في قول الله سبحانه )لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ [هل لاحظتم الفرق أيها الإخوة بين الصفتين؟ هل لاحظتم الفرق بين الرفق, اللين, الإنسانية، الأخلاق السامية، الشفافية الروحية وبين الضعة والهوان والذل، فرق كبير. الصفة الأولى جاء الإسلام ليربينا عليها وليدعونا إليها أما الصفة الثانية فإنما جاء الإسلام ليكرمنا بأن يرتفع بنا عن وهدتها.
إذا تبين لنا هذا أيها الإخوة فاعلموا أن هذا الذي يُنعت به الإسلام والمسلمون اليوم من قبل أناس عرفنا ولم يعد الأمر سراً أنهم يخططون للقضاء على الإسلام، إذا لاحظنا كم وكم وكم تتكرر تهمة الصاق الإرهاب، العنف, الغلظة، القسوة بالإسلام .. إذا لاحظتم هذا فاعلموا أنها خطة، وأن هذه الخطة تهدف إلى شيء ينبغي أن نكون على بينة منه. هؤلاء الذين يقولون هذا عن الإسلام ليسوا عمياً، إنهم يعلمون أن الإسلام بريء من هذا، إنهم يعلمون أن الإسلام هو الذي يجسد أعلى درجات الأخلاق الإنسانية المثلى، وهم الذين يعلمون قبلنا أن أجدادهم وأسلافهم إنما تعشقوا الإسلام فدخلوا في رحابه لهذه المزية الإنسانية التي فيه، ولكنهم يتعامون عن هذه الحقيقة التي يعلمونها، أفتعلمون لماذا؟ هنالك عدة أسباب لكن من أهم هذه الأسباب، من أهم أسباب تكرير هذه التهمة الكاذبة التي يكررونها صباح مساء، الإسلام دين الإرهاب، دين العنف، دين الغلظة والقسوة والمسلمون إنما هم مظهر لهذا الإسلام الذي كان من شأنه كذا وكذا ... هدفهم من ذلك أن يستنزلوا ضعاف النفوس من المسلمين من مرتبة العزة والكرامة إلى مستوى الهوان والضعة ثم أن يستنزلوهم فالمزيد فالمزيد فالمزيد حتى يصبحوا عبيداً لهم. أعرفتم الحكمة أيها الإخوة في المسلمين ويالا الأسف.
أناسٌ يعانون من ضعف النفس، يعانون من المعنى الذي حذر رسول الله المسلمين منه " لا يكن أحدكم إمعة " يعانون من هذا الوصف يصغون إلى ما تقوله أمريكا أو غير أمريكا عن الإسلام والمسلمين صباح ومساء وتطرق الكلمة أسماعهم، المسلمون إرهابيون والإسلام دين الإرهاب، دين العنف، ضعفهم يحملهم على أن ينفضوا أنفسهم و إنسانيتهم من هذه الصفة، كيف ينفضون أنفسهم منها بأن ينزلوا أنفسهم من برج الكرامة التي رفعهم الله إليه، بأن ينزلوا أنفسهم من هذا المستوى شيئاً فشيئاً فشيئاً ليلتصقوا بوادي الضعة والهوان الذي حذر الله سبحانه وتعالى منه. ومن هنا تنظر إلى هؤلاء المسلمين ضعاف النفوس الذيليين تنظر فتجد أن الواحد منهم ترتعد فرائصه هلعاً ويتصرف بكل ما يمكن أن يبرأه من العنف أن يبرأه من الإرهاب حتى تزول هذه التهمة عنه وكيف السبيل إلى ذلك؟ أن ينزل إلى مستوى الهوان بل ربما إلى مستوى العبودية وإن لم يعلم اسمها أجل، ومن هنا فإن هؤلاء الناس يصبحون جنوداً لأولئك الأعداء إن اقتضى الأمر أن يخونوا أمتهم خانوها، إن اقتضى الأمر أن يبيعوا مبادئهم بعرض من الدنيا قليل باعوها، إن اقتضى الأمر أن يسالموا أعدائهم الذين يستلبون الحقوق ويستعمرون الديار ويقتلون البرءاء فعلوا ذلك، إن اقتضى الأمر أن يعينوهم بالوقود من أجل أن يستعينوا بذلك بمزيد من التقتيل والتنكيل فعلوا ذلك لماذا؟ لكي لا ينعتوا بالإرهاب، لكي لا ينعتوا بالعنف.
هذه الظاهرة أيها الإخوة هي مصدر ضعفٍ نفسي أولاً، وهي أثر من أثر الاستعمار النفسي، ورحم الله من قال: إن المشكلة لا تكمن في أن يستعمر عدو أرضاً للمسلمين، إنما المشكلة في أن تكون نفوس المسلمين مستعمرة، هنالك نفوس مستعمرة يا عباد الله.
ولقد علم الله عز وجل الحكيم الرحيم أن في الناس من قد تلتبس عليهم الأمور، تلتبس عليهم العزة التي يأمرنا الله سبحانه وتعالى بأن لا ننزل من عليائها، مع الإنسانية والرفق واللين والأخلاق الحميدة التي أمرنا الله عز وجل أن لا نتسامى فوقها، علم الله أن في الناس من قد تلتبس عليهم هذا بذاك أو أن في الناس من يعانون من الضعف والهوان النفسي فأرشدنا بيان الله عز وجل إلى هاتين الصفتين: أمرنا بالأولى وحذرنا من الثانية، وأكد لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي يقول: )إن الله رفيق يحب الرفق في الأمور كلها[ هو ذاته الذي يقول : )المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف استعن بالله ولا تعجز[ هذا الأمر الذي وضعنا الله عز وجل منه أمام ميزانٍ دقيق ينبغي أن نكون على بينة منه.
هذه الكلمة تتكرر على أسماعنا صباح مساء نسبة الإسلام إلى الإرهاب نسبته إلى العنف وما إلى ذلك من كلمات، ما ينبغي أن يحملنا ذلك على أن نستشعر أننا نقف من هذا الكلام في قفص اتهام وأننا متهمون وأن علينا أن ننفض أرديتنا وكواهلنا ونفوسنا من هذه التهمة وكيف ننفضها؟ بأن ننزل ثم ننزل ثم ننزل إلى قاع الذل والهوان ونصبح ذيليين تبعاً لأولئك الناس بل نصبح عبيداً إن لم نسمى بالعبيد.
ألا ترون إلى أكثر التصرفات التي يتصرفها كثير من العرب والمسلمين في هذه الأيام، يعقدون الندوات والمؤتمرات في كل مناسبة ليؤكدوا بأنهم ليسوا إرهابيين، ليؤكدوا أنهم ليسوا عنيفين والدليل على ذلك أننا مستسلمون لما تحبون، أننا لا نقول كلمة مرعبة في وجه أعدائنا، أننا نستسلم للعدوان أننا نعينهم على عدوانهم، أليس هذا كافياً؟ أليس هذا كافياً؟ أليس هذا داعياً إلى أن تقلعوا عن اتهامكم لنا؟ هل هنالك ضعف أشد من هذا الضعف؟ هل هنالك هوانٌ أبلغ من هذا الهوان؟ لماذا الإسلام أيها الإخوة؟
الإسلام تاجٌ توج الله عز وجل به رأس الإنسانية ليستشعر الإنسان بعزته، بكرامته، ومنبع الكرامة في الإسلام عبودية الإنسان لله، أنا عبد لمولاي أنا عبد لواحد لا ثاني له، عبوديتي له، هواني له ذلي له، أما الآخرون فهيهات هيهات أن يطمعوا بأي هوان مني لهم، هيهات أن يطمعوا بأي ذلٍ أو تبعية لهم، من علم أنه عبدٌ لله كان عزيزاً في رحاب الدنيا هؤلاء الناس توجوا رؤوسهم بل قلوبهم بتاج العبودية لله لما هانوا ولما استكانوا كما حذر الله عز وجل في محكم تبيانه. ليت شعري ألم يقرأ هؤلاء الناس القرآن؟ )وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا[ ديننا يرفض الاستكانة، ديننا يركل التبعية، ديننا يركل الهوان وفي الوقت ذاته ديننا دين الرفق، دين الصلاح بدلاً من الإفساد، دين الأخلاق الإنسانية الحميدة دين الشفافية في الشعور والروج هذا هو الإسلام أيها الإخوة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح حال المسلمين حتى يستجيب دعائنا فينتصر للمسلمين. أسأل الله عز وجل أن يطهر أرض الإسلام من الخيانة، أسأل الله عز وجل أن يطهر أرض الإسلام من المهانة، من التبعية الذليلة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.


تشغيل

صوتي