مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 15/03/2019

خطبة الإمام الشهيد البوطي | هل نحن مسلمون حقاً؟


هل نحن مسلمون حقاً؟
خطبة الإمام الشهيد البوطي
تاريخ الخطبة: 2001/08/24
الحمد لله ثم الحمد لله الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئُ مَزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهك ولعظيم سلطانك, سبحانك اللّهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسِك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأشهدُ أنّ سيّدنا ونبينا محمداً عبدُه ورسولُه وصفيّه وخليله خيرُ نبيٍ أرسلَه، أرسله اللهُ إلى العالم كلٍّه بشيراً ونذيراً، اللّهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.
أمّا بعدُ فيا عباد الله..
ما تزال ثمة كثرة كبيرة من المسلمين يتساءلون صباح مساء إلى متى يظل المسلمون يعانون من هذا الذل والهوان الذين انحطا عليهم من جراء هذا العدو الذي سلطه الله سبحانه وتعالى عليهم، فأخذ منهم الحقوق، واغتصب منهم الأرض، ونال منهم كما يشاء قتلاً وتشريداً وطرداً، والمسلمون مسلمون، والعدو نموذج من أولئك الذين لعنهم الله سبحانه وتعالى في محكم تبيانه؟ لا يزال هذا السؤال وارداً على ألسنة كثير من المسلمين ولا يزال يطوف بأذهان كثيرٍ من المتسائلين. وينبغي أن أجيب عن هذا السؤال ربما للمرة الثانية أو الثالثة باختصارٍ وإيجاز يليقان بهذا المقام.
ينبغي أن نتساءل أنحن مسلمون حقاً؟ أنحن أولئك المسلمون الذين وعد الله عز وجل في محكم تبيانه بأن ينتصر لهم وبأن أن ينتصف من أعدائهم؟ عند الإجابة على هذا السؤال توضع النقاط على الحروف ويعلم هؤلاء المتسائلون الجواب الذي يطمئنهم.
ما الإسلام أيها الإخوة؟ إذا كان الإسلام شعاراتٍ يُجمل بها اللسان، ويؤطر بها الكيان، ويدعيها الناس دون شاهدٍ يصدق هذه الدعوة أو يكذبها، فما أيسر أن يكون هذا العالم كله مسلماً، ولكن الإسلام ليس كذلك أيها الإخوة، الإسلام ليس كلمات يرددها اللسان، والإسلام ليس إطاراً يجمل به الناس أنفسهم، الإسلام اعتقادٌ يُهيمن على الكيان ومن ثم سلوكٌ ينسجم مع هذا الاعتقاد. والاعتقاد حقيقة جاثمة في القلب؛ لا أستطيع أن أدخل إلى قلوب الناس فأحاكمهم على وجودها أو عدم وجودها، لنا الظاهر والله يتولى السرائر، وإذا ادعى الإنسان أنه يتبنى عقائد الإسلام فينبغي أن نصدق، ولكن تعالوا إلى نتائج هذا الاعتقاد، أهي موجودة؟
المسلم له شواهد على صدق إسلامه لابد منها: يكون شاكراً لنعم الله سبحانه وتعالى، المسلم يكون زاهداً في الدنيا التي كرهها الله عز وجل بعينيه وجعلها متاع الغرور، وكرر ذلك على سمعه بل وعلى بصره أيضاً. المسلم ينبغي أن يكون خوف الله عز وجل ملأ قلبه وأن تكون المهابة منه ملأ كيانه. هذه المعالم الكبرى لحقيقة الإسلام. فهل تجلت هذه المعالم في حياتنا نحن المسلمين.
أيها الإخوة هل شكرنا الله سبحانه وتعالى على نعمه، أظن أن في المسلمين اليوم من يقول: نعم نحن نشكر الله صباح مساء، كيف؟ نقول الحمد لله والشكر لله وما مناسبة تمر وما صديق يلقى صديقه يسأله عن حاله إلا ويردد كلمة الشكر. أهذا هو الشكر الذي أمر الله سبحانه وتعالى به عباده؟ أهذا هو الشكر الذي خاطب به آل داوود قائلاً: )اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ[؟ أهذا هو الشكر الذي أمر الله عز وجل به عباده إذ قال لهم: )فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ[؟ من قال إن الشكر مسخ في حياة المسلمين برضا من الله عز وجل إلى أن آل إلى كلمة يرددها الإنسان بقطعٍ النظر عن السلوك؟
أنظر إلى أمتنا الإسلامية - وبلدنا نموذج منها ولعلها خير البلاد الإسلامية لدى النسبة - فأجد أن الكثرة الكاثرة من المسلمين يتقلبون من الدنيا في نعيم وفي رغد عيش، يعتصرون من الرزق الذي متعهم الله عز وجل به سكراً يسكرهم يمتعهم، وأنظر وإذا بهم قد جعلوا من هذه النعم المختلفة التي لا مجال لعدها جعلوا منها جدراناً غليظةً حجبتهم عن المنعم أنستهم المنعم المتفضل. أصحاب الغنى والثروات يتقلبون في غناهم في ثرواتهم في مزارعهم في شؤونهم في تجاراتهم والذين هم دون ذلك يحلمون الليل والنهار بأن يكونوا أمثالهم ويعتبون على الله عز وجل إن في سرهم أو في علانيتهم يعتبون عليه أنه لم يكرمهم بمثل ما أكرم به أولئك المترفين، ولم يمتعهم بالدور الفخمة والأثاث الرائع والمزارع العظيمة والأموال الكثيرة كما متع أولئك الآخرين.
أنظر فأجد أن جل المسلمين فريقان اثنان: فريقٌ يلهو ويتقلب من نعم الدنيا التي أكرمه الله عز وجل بها بما قد أنساه المنعم، وفريق آخر لم يصل إلى ذلك الشأو في نعم الدنيا متوسط الحال أو دون ذلك يعيش في هم واصب. لماذا لم ينل هذه الدرجة الباسقة التي نالها أقرانه وأصحابه وأنداده؟ كلاهما غائب عن الله عز وجل، أين هو شكر النعمة، وشكر النعمة هو أن يصرف العبد النعم التي أغدقها الله عز وجل عليه للوظيفة التي خُلق من أجلها.
أنظر أيها الإخوة إلى جل المسلمين في بلادنا وإلى موقفهم من الإسلام، فأرى أنهم قد اتخذوا من الدنيا سكناً لهم، وصدق عليهم قول الله عز وجل: )وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ[ يظن الواحد منهم أنه مخلد، أعضاؤه، فكره، نشاطه، قدراته، كلها مجندةٌ لدنياه والدين يكفيه منه التفاته، يكفيه منه تذكرة، يكفيه منه حالةٌ تمر به مر الكرام، هذا إن التفت إلى الدين وهذا إن مد بينه وبين الدين هذا الخيط الواهي.
هذه أول صفة من صفات المسلمين )اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ[ أين هو شكر المنعم؟ والدين كله يتلخص كما قال العلماء في شكر المنعم.
المظهر الثاني للإسلام الزهد في الدنيا، وأحسب أن كلمة الزهد في الدنيا أصبحت كلمة غريبةً في أسماعنا، أصبحت كلمةً غريبةً في ساحات أحاديثنا وتذكرتنا وحواراتنا الدينية والإسلامية، الزهد.. الزهد أصبح شيئاً تاريخياً، بل إن في المسلمين اليوم من يستخف بكلمة الزهد عندما تتكرر على الألسن، وأنظر إلى كلمات الله فأجد ربعه يركز على ضرورة الزهد في الدنيا والابتعاد عن متاه الدنيا والترفع فوقها: )اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ[
أنظر وقد أمرني الله عز وجل كمسلم أن أسخر دنياي وأجعلها مطيةً لآخرتي، هذا معنى الزهد، أذلل الدنيا التي متعني الله عز وجل بها وأجعل منها مطيةً ذلولاً أبلغ بها مرضاة الله سبحانه وتعالى. أنظر وإذا بجل المسلمين قد جعلوا من الدين مطية ذلولاً ليصلوا بهذه المطية إلى دنياهم إلى شهواتهم إلى أهوائهم.
لاحظوا العكس الذي يمارسه كثير من المسلمين لما قد أمر الله سبحانه وتعالى به. يأمرني الله عز وجل إذا رزقني من متاع الدنيا ما رزق أن أجعل من ذلك كله مطيةً تبلغني مرضاة الله سبحانه وتعالى، وأنظر وإذا بي أجعل من الدين مطيةً لتوصلني إلى دنياي إلى شهواتي وأهوائي، ألا تعرفون هذا المعنى؟ أليس في ذهنكم صورٌ وصورٌ من هذه الحقيقة؟ ألا تلاحظون كم وكم فينا من ينشط في مجال الدين ويتحرك بحسب الظاهر بخدمة الدين ونتأمل وإذا بالكثرة الكاثرة من هؤلاء يتخذون من هذه الأنشطة الدينية مطايا لبلوغ أغراض منافع مصالح دنيوية مغانم وما أكثر أنواع هذه المغانم. هذا هو الدليل العكسي الآخر الذي يعاني منه المسلمون اليوم.
من ظواهر الإسلام التي لابد منها أن تتجلى آثار المخافة التي تهيمن على الفؤاد على كيان الإنسان وظاهره، أن يتجلى مظهر الهيبة، الرهبة، الذي ينبغي أن يشع في الفؤاد - لابد أن يظهر أثر ذلك في الكيان. أين هم المسلمون الذين هيمنت مخافة الله عليهم في سلوكهم في عباداتهم في مظاهرهم؟ أين هم الذين هيمنت مخافة الله سبحانه وتعالى وهيبته عليهم في عباداتهم في تبتلهم؟ ألم يقل الله عز وجل )وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ[؟ ألم يكرر الباري سبحانه وتعالى هذا؟ ألم يتعهد بأن يعطي الأرض لعباده الصالحين الذين وصفهم بماذا؟ قال: )ذلك لمن خَافَ مَقامي وخاف وَعِيدِ[ أين هو مظهر هذا الخوف أيها الإخوة؟
عندما ألتفت يميناً وشمالاً وأنظر إلى نفسي فأنا أول من يشكو من حاله، عندما أقارن بين الإسلام الذي كلفنا الله عز وجل به وواقعنا أجد أن بيني وبين هذا الإسلام أوديةً كبيرة وعميقةً جداً. ما ينبغي أن أعتب على الله أمام هذا الواقع في شيء. نحن أيها الإخوة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أينا أولى بالخوف من الله؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي حبيب إلى ربه هو الذي قال له الله عز وجل: )وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى[، ومع ذلك كان المثل الأعلى في الخوف من الله عز وجل.
يروي الترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث مطرف عن أبيه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء. هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم من الآثام والذنوب، يسأله عقبة بن عامر رضي الله عنه قائلاً: ما النجاة يا رسول الله؟ يقول له: "أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك" البكاء على الخطيئة من أين يأتي؟ من الخوف من الديان الذي سنقف غداً بين يديه.
يروي البخاري في صحيحه من حديث أبي ذر وأنس بن مالك رضي الله عنهما قال: سمعت خطبة لم أسمع مثلها من رسول الله قط، تلى سورة الدهر )هل أتى على الإنسان حين من الدهر[ حتى إذا ختمها انتهى إلى نهايتها ثم قال: "إني أرى مالا ترون وأسمع مالا تسمعون، أطّت السماء وحُق لها أن تأط" أطت اسم صوت يقال لقتب الرحل أطى إذا وضع فوق ثقل كبير وكبير فتقعقع من تحته قتب الرحل "أطت السماء وحُق لها أن تأط، ما من موضع قدم إلا ملك واضع رأسه ساجداً لله، والله لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله سبحانه وتعالى، ليت أني كنت شجرةً تعضد" هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كيف ينبغي أن يكون حالنا نحن العصاة التائهون البعيدون الشاردون عن صراط الله سبحانه وتعالى؟ يقول أنس فنظرت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ستر كل منهم وجهه وله خنين من البكاء. أين نحن من هذا أيها الإخوة؟ أين هم الباكون من خشية الله؟ أين هم الذين تجلت مهابة الله في قلوبهم على وجوههم وألسنتهم وسلوكاتهم؟ أين نحن على كل المستويات على كل المستويات من أدنى الفئات إلى أعلاها؟ أين نحن من واقع سلفنا الصالح وكم فينا أناسٌ يتمسحون بواقع السلف وينسبون أنفسهم إليهم، كيف كانوا؟ كانت قلوبهم أوعية كالمرجل تغلي بمخافة الله سبحانه وتعالى على اختلاف فئاتهم، ألا تعلمون كيف كان عمر وعمر أمير المؤمنين وواحد من المبشرين بالجنة؟ وقف يصلي الفجر فقرأ قول الله سبحانه وتعالى: )إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ، مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ، يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا، وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا[ فوقع مغشياً عليه، أجل.
كان يلقى الطفل الصغير فينحني إليه قائلاً: ادعو لي فإنك صغير لم تسود صحائفك بعد، وعندما حمل خرارة الطحين كما تعلمون على ظهره ليبلغ بها تلك المرأة العجوز، جاء خادمه ليحملها عنه وأصر إصرارا فصاح به عمر وقال: ابتعد عني ثكلتك أمك أفتحمل عني أوزاري يوم القيامة؟
عندما يكون المسلمون اليوم شاكرين لنعم الله كما أمر، زاهدين في الدنيا كما قد أمر، تحولت أفئدتهم إلى أوعية تفيض مخافة من الله مهابةً من الله فأنا أضمن للعالم الإسلامي كله أن الله سبحانه وتعالى سيطهر هذه الأرض من هذا الرجس، ولكن أيها الإخوة من شأن رب العالمين أن يؤدب عباده، عصي التأديب كثيرة ومتنوعة ومع هذا كله فلا تتصوروا أن معنى هذا الذي قلت أن يجعل الله عز وجل بسبب واقع المسلمين اليوم من أرض فلسطين جنة وارفة الظلال لليهود لا إطلاقاً لن يجد هؤلاء الناس استقراراً لهم فوق تلك الأرض ولن يجدوا في يوم من الأيام لهم أمناً وطمأنينة فيها وكيف وقد توعد الله عز وجل قائلاً: )وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ[ لكن ينبغي أن نعلم أن هذا الوعيد لا يعني انتصارنا نحن، سيعاقبهم الله كلما تجمعوا في تلك الأرض ولسوف تتفجر عليهم تلك الأرض براكين ولكن إياكم أن تتصورا أن ذلك يعني انتصار المسلمين، عصي التأديب تتهاوى على المسلمين لتوقظهم ووعيد الله عز وجل يلاحق أيضاً اليهود لينفذ فيهم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.


تشغيل

صوتي