مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 28/12/2018

خطبة الإمام الشهيد البوطي | هذا هو سلاح النصر


هذا هو سلاح النصر
خطبة الإمام الشهيد البوطي
بتاريخ 15/6/2001
الحمد لله ثم الحمد لله الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئُ مَزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهك ولعظيم سلطانك, سبحانك اللّهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسِك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأشهدُ أنّ سيّدنا ونبينا محمداً عبدُه ورسولُه وصفيّه وخليله خيرُ نبيٍ أرسلَه، أرسله اللهُ إلى العالم كلٍّه بشيراً ونذيراً، اللّهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.
أمّا بعدُ فيا عباد الله..
لقد آن للأمة العربية والإسلامية أن تستيقظ من سباتها، وأن تعلم أنه لا نصير لها أمام الأحداث المدلهمة وأمام المصائب الكثيرة التي تطوف بها .. لا نصير لها إلا الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، ولا قوة تفيدها إلا قوة الارتباط بالله عز وجل.
فيما مضى كانت هنالك رؤية ضبابية أمام هذه الحقيقة في أنظار كثيرٍ من الناس، وجرب كثير من العرب والمسلمين طرق مختلفة غير هذا الطريق، وطرقوا أبواباً كثيرةً غير باب الله كي يستنزلوا النصر لأنفسهم وكي يتخلصوا من عقابيل المصائب التي تطوف بهم، فلم تأتي مغامراتهم وتجاربهم بأي نتيجة مفيدة قط.
رأينا وسمعنا من يحاول أن يستنزل القوة عن طريق إيقاظ مشاعر القومية، قال قائلهم: برباط القومية ننتصر على أعدائنا.
واتجه فريق آخر يقولون إنما هو سبيل الارتباط بالأرض وبالتاريخ، هذا هو المعين لنصرنا وهذا هو الشرط لاستعادة حقوقنا.
وقال آخرون: بل هي الاشتراكية، هي اليسار، وعبروا عن هذا اليسار بما يشاؤون من التعابير آناً سموا ذلك لبرالية وآناً آخر العلمانية فلم تأتي تجاربهم بأي نتيجة.
ونظرنا فوجدنا أن الذين يتغلبون في ساحة المغامرات وفي ساحة المقاومة وطرق أبواب النصر إنما هم أولئك الذين شدوا قلوبهم بعد عقولهم إلى الله سبحانه وتعالى. كلنا نلاحظ هذه الظاهرة ولاداعي إلى أن نتيه في الأمثلة التي نضربها ونتجاوزها الواحدة إلى الأخرى، ها هي ذي المقاومات المتنوعة المتجهة إلى إحقاق الحق وإزهاق الباطل واستعادة الحقوق إلى أصحابها.
أين هو مصير أولئك الذين كانوا يقاومون بسلاح القومية؟ لقد فُل هذا السلاح.
أين هم أولئك الذين كانوا يستنزلون النصر عن طريق الارتباط بالأرض أو الارتباط بالتاريخ أو ما يعبر عن مثل هذه الأمور الوهمية الخلبية؟ لقد فضأت تلك الأسلحة كلها.
من الذين ينتصرون في الساحة اليوم ومن الذين يبثون دخائل الرعب والذعر في صدور الأعداء المحتلين والغاصبين من؟ كلكم يعلم الجواب، الذين ينتصرون أمامنا على الساحة المرئية هم أولئك الذين فرغت أفئدتهم من الانخداع بالدنيا وزخارفها ثم فاضت تعظيماً لله وإيماناً به وحباً له واتجاهاً منهم إلى ما قد وعدهم به الله سبحانه وتعالى. هؤلاء الذين عرفوا من خلال ارتباطهم بالله عز وجل تفاهة هذه الحياة الدنيا وأدركوا أنهم إنما يمرون من الحياة كلها في دهليز وأنهم على وشك أن يتجاوزا الدهليز إلى المقر فما قيمة الدهليز؟ عرفوا هذا من ارتباطهم بالله عز وجل، عرفوا أن الموت ليس عدم وإنما هو رجوعٌ إلى الله عز وجل وتشبعت أفئدتهم وعقولهم بقول الله سبحانه وتعالى: (وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) فاستصغروا الدنيا في الوقت الذي استعظمها غيرهم، واستهانوا بزخارفها في الوقت الذي خُدع بها غيرهم، واستهانوا بكل الحظوظ التي تتراقص من حولهم في الوقت الذي سكر بها غيرهم، فركلوا بأقدامهم الحياة الدنيا إن كانت هي العائق دون الوصول إلى النصر وإن كانت هي العائق دون الوصول إلى الحق أجل.
ورأينا النتائج التي بثت ولا تزال ... الرعب والذعر في أفئدة أولئك الأعداء المغتصبين والمحتلين، ها هم أولاء يحارون في الخطوة العملية التي ينبغي أن يتخذوها، ولا أريد أن أفصل ولا أريد أن أضيع الوقت الثمين في تصوير الحال وتحليل الواقع المخزي الذي يتقلبون فيه، كل ذلك نتيجة لشيء واحد ألا وهو وجود أناسٍ عرفوا الله فربطوا قلوبهم بالله إيماناً وحباً وتعظيماً ومخافةً ثم أصغوا إلى ما يقوله الله عن الدنيا من مثل قوله: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا). من مثل قول الله عز وجل: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) هذا هو سلاح النصر الحقيقي.
والذي أريد أن أقوله أيها الإخوة هو أن علينا نحن - وأقصد بكلمة نحن هذه الأمة بقضها وقضيضها بقادتها أولاً وبشعوبها ثانياً - أن يعلموا أن مصدر التوفيق هذا وأن مصدر النصر هذا ولا ثاني له، ذلك لأن القوة في الكون كله تنقسم إلى قوتين اثنتين: قوة الآلة، والقوة المعنوية المكتنزة والمخزونة داخل كيان الإنسان، أيهما الخادم وأيهام المخدوم؟ كلكم يعلم أن قوة الآلة أو سمها القوة المادية هي الخادم، لأن هذه القوة تتحرك بيد محركها تذهب وتجيء بسلطان من قائدها. ومن هو القائد؟ هو صاحب اليد التي تحرك هذه الآلة، صاحب هذه اليد كيف يحركها بالقوة الداخلية، هذه القوة المعنوية المخبوئة وراء الصدر المخزونة في أعماق القلب، هذه القوة هي التي تحكم هي صاحبة السيادة أما الآلة فخادم. القوة المعنوية هذه من أين تأتي من أين تتجمع وراء الصدر أو بين جوانج الإنسان؟
قلت لكم حاولنا مراراً أن نقول: أنها تأتي من ارتباط الإنسان بالأرض، ونظرنا فوجدنا أن هذا كلامٌ خرافيٌ باطل يمجه العقل ويمجه فكر الإنسان أياً كان. عندما أنظر فأجد أن الموت يتربص بي في سبيل متابعتي لهذه الأرض بما أضحي؟ سأضحي بالأرض في سبيل الحياة التي هي أغلى.
قالوا: إن هذه القوة إنما تنبع من الارتباط بالتاريخ من الارتباط بالقوم، من الارتباط بالوطن بالدار التي بنيتها، بالأرض التي زرعتها، بالعقار الذي أحييته .. ونظرنا فما الذي وجدت؟ رأيت أنني عندما أجد أنني سأفقد حياتي من خلال الدفاع عن التاريخ الذي أتحدث عنه، من خلال داري التي بنيت، من خلال رغبة المحافظة على الوطن أو على العقار الذي أحييت عندما أجد أنني سأفقد حياتي كلها إذاً فما قيمة الوطن؟ ما قيمة العقار؟ ما قيمة الدار؟ ومن ثم فلا بد أن أعرض عن ذلك كله في سبيل أن أحافظ على حياتي، ومن هنا كانت هذه الوسائل كلها مُذلةً وليس سلماً إلى نصرٍ أبداً، عرف ذلك القاصي والداني عرف ذلك الأحمق والذكي.
وهكذا زال الغموض الذي كان يُغشي على بصائر من الناس قبل اليوم، وزالت الرؤية الضبابية، وعرف دعاة القومية واليسارية والعلمانية واللبرالية وو.. وما إلى ذلك عرفوا أن كل هذه الوسائل وسائل خُلبية، وها هي ذي الساحة تشهد على وقائع السلب وعلى نتائج الإيجاب. ما العبرة التي ينبغي أن يأخذها القادة كلهم والمسلمون كلهم إن كانوا صادقين في الرغبة التي يعبرون عنها في استعادة الحقوق وفي طرد العدو وفي تطهير الأرض من الغاصبين؟
إن كانوا صادقين في هذا فينبغي عليهم جميعا أن يتجهوا إلى هذا الباب الواحد الذي لا يوجد باب من بعده لا معه ولا قبله إلى النصر أبداً. ينبغي أن يجددوا بيعتهم لله، ينبغي أن يصدقوا مع الله في التوجه إلى صراطه وفي الانضباط بأحكامه على كل المستويات وعلى سائر الصعد، هذا الواقع الحتمي نتيجة لهذه الدعوة إن كانوا صادقين فيها .. أجل. تلازم بيّن لا إشكال فيه بشكل من الأشكال؛ بمقدار ما يكون أولئك الذين يقفون على الثغور أولئك الذين يرابطون في الخنادق بمقدار ما تكون أفئدتهم مرتبطة بالله واثقة بأن هذه الحياة الدنيا إنما ينتعلها الإنسان للوصول إلى مرضاة الله وإلى مقعد صدق عند كرم الله سبحانه وتعالى وفضله .. ينبغي لهؤلاء الذين يقفون على الثغور قبل غيرهم والذين يصطفون في خنادق الحراسة والتريث والتوثب للدفاع عن القيم والمبادئ والأرض والعرض ينبغي أن يعلموا أن هذه القوة التي يمكن أن تنصرهم، وستنصرهم يقيناً. إذاً ينبغي أن يتفاعلوا مع هذه القوة وأن يوجدوها وأن يدعموها وكيف يكون دعمها؟ بالارتباط بالله، بأداء حرمات الله بتنفيذ شعائر الله بتطبيق أحكام الله سبحانه وتعالى وما وجدت أيها الإخوة في فئات المسلمين فئةً أحوج إلى هذه القوة من خلال مثولها في محراب العبودية لله من فئة أولئك الذين أقامهم الله سبحانه وتعالى موقف الحراسة على الثغور وفي الخنادق، من أولئك العسكر الذين شرفهم الله سبحانه وتعالى بموقف الدفاع عن أمتهم إذا كانت هذه الأمة بمجموعها بأمس الحاجة إلى أن تخزن بين جوانحها هذه القوة، فإن هذه الفئة تحتاج إلى أضعاف أضعاف ذلك. فإذا رأيت من يتهاون بهذه القوة وإذا رأيت من يحرس الثغور ويتنقل في الخنادق، لكنه مستخفٌ بصلة بينه وبين الله مستهينٌ بالقوة التي يعرضها الله عز وجل عليه فاعلموا أن النصر غائبٌ عن هؤلاء الناس ... أجل، ومع ذلك فإن العدو لن يطمئن بالاً أبداً، سواء استيقظنا لهذه القوة وتعاملنا معها أم لم نستيقظ.
أرأيتم أيها الإخوة إلى هؤلاء الذين يقومون بعملياتهم الاستشهادية، لقد بلغني أن أحدهم قبل ذلك يتجه إلى ربه ساعاتٍ طوال، وينتشي وهو يناجيه وينتشي وهو يستنزل رضاه له، ويعلن أنه عبد لا يريد إلا أن يدخل رحابه مغفوراً مرحوماً مأجوراً أجل. وخلال مناجاته الطويلة وخلال إقباله إلى الله عز وجل يتجلى الله سبحانه وتعالى عليه بالرحمة والإكرام فتزداد الدنيا ضآلةً أمامه، تزداد قوى الشر تفاهةً أمامه، تزداد هذه الحياة الدنيوية التي تخفق بين جوانحه تفاهةً أمامه ويخلو أمامه شيء واحد هو ما مقبلٌ عليه ومن ثم يقتحم الموت كما ترون وتجدون. لماذا لا نأخذ العبرة؟ لماذا لا يكون كل جنديٍ آل على نفسه أن يحرس شرف الانتصار لله، تطهير الأرض من الغاصبين، استعادة الحقوق إلى أصحابها لماذا لا يتخذ كل جندي قراره أن يكون كهذا الإنسان؟ وعلى أقل تقادير يجعل خطاه إلى الله في النصر والتأييد ضمن هذا النهج الذي أمر الله سبحانه وتعالى به: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
لعل هذا الكلام أيها الإخوة يوقظ السادرين ويوقظ التائهين ويجعل كل شريحة من أمتنا هذه تصدق في الرغبة في النصر وفي الرغبة بالتغلب على الأعداء واسترجاع حقوقنا منهم، لعلهم يستيقظون إلى هذه الحقيقة التي لا يمكن أن يتغافل أو يتعامى عنها عاقل وإن كان هنالك خطأ في تصورنا وإن كان هنالك وهم قد علق في عقولنا فليعلمونا ونحن مع الحق أينما كان.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.


تشغيل

صوتي